القاهرة ـ «القدس العربي»: ألقت الحرب الأمريكية الإيرانية بظلالها سريعا على مصر، إذ زادت المخاوف من تأثر إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة اللذين يمثلان أهم المصادر للنقد الأجنبي الى جانب تحويلات المصريين في الخارج، إضافة إلى مخاوف من هروب الأموال الساخنة، ما يعني تأثر العملة المحلية.
أهمية خاصة
وتتمتع قناة السويس بأهمية خاصة للاقتصاد المصري حيث تمثل أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي.
وكانت الحكومة أعلنت أنها تسعى لرفع الإيرادات إلى نحو 8 مليارات دولار خلال العام المالي 2026/2027 وصولاً إلى نحو 10 مليارات دولار خلال العام المالي 2027/2028، بعد أن بدأت تتعافى من تأثير الأحداث التي شهدها البحر الأحمر.
الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، قال إن إحصائيات الملاحة في القناة في النصف الثاني من العام الماضي، شهدت عبور 5874 سفينة، بإجمالي حمولات صافية قدرها 247.2 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 1.970 مليار دولار، وذلك مقابل عبور 5584 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 216.0 مليون طن، وإيرادات قدرها 1.677 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، بنسبة زيادة قدرها 5.2٪ للأعداد، و14.4٪ للحمولات، و17.5٪ للإيرادات، لافتا إلى أن قناة السويس حققت إجمالي إيرادات قدرها 40 مليار دولار في الفترة من 2019 حتى 2024.
واتخذ سعر الدولار مسارًا تصاعديًا أمام الجنيه منذ نهاية الأسبوع الماضي وحتى الآن، بسبب خروج بعض الأموال الساخنة من السوق المحلية، على خلفية القلق من تصعيد جديد في المنطقة في ضوء التهديدات الأمريكية لإيران، وارتفع سعر الدولار 81 قرشًا ليصل إلى 47.78 جنيه.
وقال الدكتور عبد المنعم السيد، الخبير الاقتصادي ومدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، إن مصر ستكون من بين أكثر الدول تأثرًا سلبيا، نظرًا لاعتمادها النسبي على استيراد الطاقة وبعض السلع الاستراتيجية، إضافة إلى اعتمادها على إيرادات السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية، لافتا أن ارتفاع أسعار النفط سيزيد فاتورة الدعم أو تكلفة استيراد المنتجات البترولية، وتراجع حركة السياحة نتيجة المخاوف الأمنية سيؤثر على إيرادات القطاع، الذي يمثل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي وفرص العمل.
وتابع في تحليل نشره المركز، أن أي اضطراب في المنطقة سيؤثر على ثقة المستثمرين في الأسواق الناشئة، بما فيها السوق المصرية، ما قد ينعكس في صورة تقلبات حادة في البورصة، وارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ في تنفيذ بعض المشروعات الاستثمارية.
وزاد: مع زيادة تكلفة الشحن والتأمين سترتفع أسعار السلع المستوردة، وهو ما قد يعيد الضغوط التضخمية بعد جهود كبيرة لاحتوائها، مشيرا إلى أنه لا يمكن إغفال أن استمرار الحرب لفترة ممتدة قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة ركود جديدة، خاصة إذا اقترنت بارتفاع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية، وفي هذه الحالة، ستتراجع معدلات الطلب العالمي على الصادرات.
وكشف أن من التداعيات المباشرة أيضًا تراجع حركة التجارة عبر قناة السويس، إذ إن تصاعد التوترات العسكرية في الخليج العربي والبحر الأحمر قد يدفع بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تقليص رحلاتها، ويعني ذلك انخفاض إيرادات القناة، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، ومع تراجع حركة السفن، قد تخسر القناة مئات الملايين من الدولارات شهريًا في حال استمرار الصراع لفترة طويلة.
وتوقع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، أو ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة» من الأسواق الناشئة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الأمريكية، هذا النزوح الاستثماري سيضغط على أسعار الصرف، ويرفع تكلفة الاقتراض، ويزيد أعباء خدمة الدين العام، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الموازنة وارتفاع الدين الخارجي في عدد من دول المنطقة.
وأكد أن اندلاع حرب في إيران لن يكون حدثًا إقليميًا محدود التأثير، بل أزمة اقتصادية إقليمية متعددة الأبعاد، وستتفاوت الخسائر بين الدول وفق درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وأيضا يتوقف الأمر على مدة الحرب، إلا أن المؤكد أن المنطقة بأكملها ستدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا، ومن ثم فإن تجنب التصعيد العسكري واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
وبين أن الحرب ستمثل نقطة تحول خطيرة في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم، فالمنطقة تعد شريانا رئيسيا للطاقة العالمية، وأي اضطراب عسكري واسع النطاق ستكون له انعكاسات فورية على أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وأكد أن التداعيات لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية ممتدة وعميقة وتتوقف النتائج على مدة الحرب وهل ستكون بين إيران وأمريكا فقط أو تتمدد لدول أخرى.
ولفت إلى أن أول التأثيرات المباشرة ستظهر في سوق النفط العالمي، حيث من المتوقع أن ترتفع الأسعار بصورة حادة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات، إذ يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20٪ من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، وهو ما يجعله أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وإذا أقدمت إيران على إغلاق المضيق أو تعطيله جزئيًا كرد فعل عسكري فإن أسعار النفط قد تقفز إلى مستويات قياسية تتجاوز 120 أو حتى 150 دولارًا للبرميل، وفق تقديرات عدد من بيوت الخبرة الدولية في سيناريوهات مماثلة.
ووفق قوله، هذا الارتفاع لن يقتصر تأثيره على الدول المستوردة للطاقة فقط بل سيمتد إلى زيادة تكلفة الإنتاج عالميًا، وارتفاع معدلات التضخم وموجة من زياده الأسعار عالميا، لافتا إلى أن اندلاع الحرب سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن والشحن البحري في المنطقة، نتيجة تصنيفها كمناطق عالية المخاطر، وسترتفع أقساط التأمين البحري بنسب قد تصل إلى 30٪ أو 50٪ في بعض المسارات، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والمواد الخام، وستتأثر سلاسل الإمداد العالمية.
إلى ذلك، أكد الدكتور عفت السادات، رئيس حزب السادات ووكيل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أن التصعيد العسكري الأمريكي والإسرائيلي ضد إيران يشكل تحديًا استراتيجيًا للشرق الأوسط، ويعيد رسم أولويات الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها مصر.
وقال إن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي، أصبح نقطة ضغط أساسية على أسواق الطاقة، حيث إن أي اضطراب في هذا المضيق يترجم فورًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي والزراعي، وزيادة التضخم الداخلي في الدول المستوردة للطاقة.
ولفت إلى أن قناة السويس والممرات البحرية الاستراتيجية للمنطقة تواجه تحديات غير مسبوقة، إذ إن أي تباطؤ في حركة السفن أو زيادة المخاطر الأمنية قد ينعكس على التجارة العالمية ويؤثر على الإيرادات المصرية.
مخاطر متعددة
وأضاف أن الوضع الإقليمي الراهن يعكس مخاطر متعددة على الأمن، حيث من المتوقع زيادة التوتر بين القوى الكبرى، وارتفاع نشاط الجماعات المسلحة، بالإضافة إلى احتمالات توسع الصراع في الشرق الأوسط، مشددًا على أن هذه التوترات تمثل ضغطًا مباشرًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مصر.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وضغوط العملة الأجنبية، وزيادة تكلفة الاستيراد، كلها مؤشرات على تأثير مباشر للأزمة الإقليمية على الاقتصاد المصري، الأمر الذي يستلزم تحركًا حكوميًا سريعًا لضمان حماية المواطنين والاستثمارات، واستقرار الأسواق. وأكد أن الأولوية الآن تكمن في تعزيز دور مصر الاستراتيجي، والحفاظ على استقرار الملاحة الدولية، وتأمين موارد الطاقة، مع العمل على تخفيف أي انعكاسات سلبية على النمو الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد، مؤكدًا أيضا أن مصر قادرة على مواجهة التحديات من خلال استراتيجيات متكاملة تجمع بين الاستقرار الداخلي والتوازن الإقليمي.