ثمة ظاهرة آخذة في الاتساع داخل بعض الكتابات الصحافية والثقافية، تتمثل في تحوّل الذات من مصدر من مصادر الرؤية إلى مركز الرؤية كلها. عند هذه النقطة يفقد الموضوع استقلاله تدريجياً، ويغدو مجرد مناسبة جديدة لظهور الكاتب. تتبدل العناوين أسبوعاً بعد آخر، وتتغير القضايا والأحداث والكتب والأشخاص، غير أن البطل الحقيقي يبقى واحداً في كل مرة.
يقرأ المرء مقالاً عن الأدب فيجد سيرة الكاتب تتقدم على الأدب. ويقرأ عن السياسة فتتزاحم الانطباعات الشخصية على حساب الوقائع. ويقرأ عن المجتمع والثقافة والفن، فيكتشف أن العالم الواسع بكل تشعباته، جرى اختصاره في حدود تجربة فردية واحدة. الموضوع حاضر في ظاهر النص، أما في أعماقه فتدور الحكاية حول صاحب المقال نفسه.
الكتابة الجيدة تحمل دائماً أثراً من صاحبها، فالأفكار لا تولد في الفراغ، والتجارب الشخصية تمنح النص حرارة وصدقية. غير أن الأمر يختلف حين تتحول الذات إلى مرجعية مكتفية بنفسها، تستدعي العالم لكي يؤكدها، وتستحضر الوقائع لكي تعزز صورتها، وتنتقي من الأحداث ما ينسجم مع أحكامها المسبقة. عندئذ تتراجع الأسئلة، ويتقدم اليقين. تضيق مساحة الاكتشاف، وتتسع مساحة التأكيد.
يبدو أن النشر المنتظم وما يرافقه من شعور بالحضور والاعتراف يصنع أحياناً وهماً خفياً. يبدأ الكاتب بالنظر إلى صورته العامة أكثر مما ينظر إلى موضوعاته. ومع مرور الوقت تنشأ علاقة ملتبسة بينه وبين تلك الصورة. يكتب لكي يحافظ عليها، ثم يكتب لكي يكررها، ثم يكتب من داخلها. وهكذا تتحول المقالة من مغامرة معرفية إلى تمرين متواصل على إعادة إنتاج الذات.
من هنا يمكن فهم كثير من الخلاصات العجيبة التي تملأ بعض المقالات. تجربة محدودة ترتدي هيئة قاعدة عامة. حادثة عابرة تكتسب وزن ظاهرة اجتماعية. مجموعة صغيرة من الأشخاص تصبح نموذجاً للبشر جميعاً. انطباع شخصي يظهر في صورة حقيقة نهائية. وفي كل مرة تتسع المسافة بين الواقع كما هو والواقع كما يراه صاحب المقال.
المفارقة أن الكاتب الأكثر عمقاً يكون غالباً الأقل اطمئناناً إلى أحكامه. فكل معرفة حقيقية تفتح أبواباً جديدة من الشك والتساؤل. وكل احتكاك جاد بالعالم يكشف مقدار تعقيده واستعصائه على الاختزال، لذلك تحمل الكتابة الناضجة قدراً من التواضع المعرفي، وتفسح مكاناً للأصوات الأخرى وللاحتمالات المتعددة، ولما لا يعرفه الكاتب بقدر ما تعرفه خبرته.
أما في مقالات كوكب الذات فالأمر يجري على نحو مختلف. العالم كله يتحول إلى مادة خام لتأكيد الأنا. الوقائع تؤخذ بقدر ما تخدم الفكرة المسبقة. الأشخاص يظهرون بقدر ما يعززون الرواية الشخصية. الأحداث تمر عبر مصفاة ضيقة قبل أن تصل إلى الصفحة. وفي نهاية المطاف يخرج القارئ بمعرفة إضافية عن الكاتب، بينما تبقى القضية التي جاء من أجلها في مكانها الأول.
لهذا تبدو بعض المقالات متنوعة في موضوعاتها، متشابهة في جوهرها. لكل مقال عنوان مختلف، ولكل مناسبة اسم جديد، غير أن النص العميق الكامن خلف هذه العناوين جميعاً يظل النص نفسه. الكاتب حاضر في المقدمة، حاضر في التفاصيل، حاضر في الاستنتاجات، حاضر في الخاتمة. حتى ليخيل للقارئ أن العالم بأسره لم يعد سوى هامش طويل يدور حول سيرة ذاتية لا تنتهي.
وحين تبلغ الكتابة هذه المرحلة، تفقد إحدى أهم فضائلها: القدرة على الخروج من حدود صاحبها. فالكتابة وُجدت لكي توسّع العالم أمام الإنسان، لا لكي تختصر العالم في إنسان واحد. وعندما تصبح الأنا مقياس الأشياء كلها، تتحول المقالة من نافذة على الحياة إلى غرفة مغلقة لا يرى القارئ فيها سوى صاحبها، جالساً في المركز، يروي الحكاية نفسها بعناوين مختلفة.
كاتب عراقي
لربما وافقك كثير فيما ذهبت اليه هنا لكن في المجمل، أما في التفاصيل فقد يكثر الإختلاف.
أولا ” التكوكب” الذاتي هذا حالة لا تقتصر على مقالة العرب، و لا تقتصر على عرب اليوم و لا على مقالة اليوم.
ثانيا، قد تكون دوافعه اليوم أقوى لفائض في الكاتب و لمحاولة التميّز و لانحسار الوقت عن التوسّع بعيدا عن الذات.
و ثالثا، و هذا أهم، هو سيولة مفهوم” تكوكب الذات” و اشكالية تحديده. فقد يقرأ قارئ تناولك له هنا بهذا الشكل كشكل من أشكاله هو أيضا.
شكرًا لك أستاذ أمين على هذا التعقيب المتوازن والدقيق.
أتفق معك في أن “التكوكب الذاتي” ليس ظاهرة محصورة أو جديدة في سياق واحد، بل هو ميل أوسع يتكرر بأشكال مختلفة، وتتداخل فيه شروط الزمن والكتابة والبحث عن التميّز وضغط السرعة وكثرة الإنتاج. كما أن ملاحظتك الثالثة في صميم الإشكال؛ فسيولة المفهوم وصعوبة ضبطه تجعل أي محاولة لتعريفه أو نقده عرضة لاحتمال الوقوع في أحد تجلياته دون قصد، وهو ما يفتح النقاش أكثر مما يحسمه. مع الشكر الجزيل لك على هذا التوسيع المهم لزاوية النظر.
اننا ونحن نقرأ هد ا الموضوع الدي رسم بلغة الفن وبلغة الثقافة وبلغة معبرة أحببنا أن نضع كلمة خفيفة في عيون عشاق الفن في كل عوالمه من على مستوى عال من لامتياز لكن أدا سمحتم لنا فشكرا لكم ونقولها والحمد لله دائما وعلى سعة الصدر وشكرا للكاتب المحترم من بلد الفن من بلد الثقافة من بلد العلم من بلد الشعر من بلد الرواية من بلد القصة من بلد التشكيل من بلد المسرح من بلد السينما وفعلا فأدا رأيت كاتبا من العظماء يكتب فاعلم أنه ليس في ملعب الكرة فهو يرسم شيئا جميلا ان لم يكن أجمل ولو كان رأيا أيه ولو كان رأيا وللخيال دور مهم في كل شيء
تحية طيبة وعطرة، وشكراً لك أستاذ بلي محمد من المملكة المغربية مدينة الدار البيضاء.. نقرأ لنرتاح إلى الفن والأدب وما يُكتب عنهما، ونكتب عنهما بعيداً عن أي نرجسية. هذا كل ما في الأمر.