منازل الشعراء

حجم الخط
9

عندما يتاح لنا زيارة بلد ما، عبر مهمة ثقافية لحضور مهرجان شعري، لقاء أدبي وثقافي عام، أو القيام بسفرة سياحية ورحلة معيّنة، سيتم من خلالها استكشاف معالم المدينة، ومواقعها الحضارية، وأماكنها ومدنها التاريخية، ذات البعد التراثي والحداثي معاً. سنذهب عبر معرفتنا بأهمية الأمكنة، الى الرموز التي صنعت هذه المدينة، وتركت علامتها عليها لتغدو معلماً، ومحطاً للأنظار، كالباحثين والمستكشفين والزائرين الفضوليين، الذين تدفعهم حمولتهم المعرفية، وهواجسهم الفنية، ومشاعرهم الجمالية، إلى استكناه كل زوايا المكان المعني، حاملين معهم تصورّهم المسبّق، عن خالق سمة هذا المكان، ومانحه شهرته الفنية، إن كان شاعراً، رساماً، روائياً، موسيقياً، أو فيلسوفاً مفكّراً ترك أثره الفكري مطبوعاً في حجر المكان، وفي مساحاته، وأبعاده الجغرافية.
ذات يوم ليس بالبعيد، أتيحت لي زيارة إسبانيا، بعد تفّقد أماكنها القلبية، ذات المسحة الدلالية، عرّجت بعد معرفتي بطلائع الأمكنة، إلى زيارة منزل الشاعرالغرناطي لوركا، الشاعر الذي أعدمته ميليشيا فاشية مسلحة، ليبقى الشعر المدمّى شاهداً على وحشية المقتلة.
إذن الشعر لن يُضيّع صاحبه. لذا بعد حدوث المقتلة، ومرور تحوّلات في البلاد، قامت المؤسسات الثقافية، الإسبانية، بحماية تراث الشاعر، أولاً إرثه الشعري، ثمّ منزله، وهو كبير ومتكوّن من طابقين، فيه جرى وضع كل المقتنيات، والحاجيات والأدوات التي كان يستخدمها الشاعر لوركا في حياته اليومية، بحيث بدا مشهد المنزل مدهشاً وساحراً، ففيه تجول أحلام الشاعر، ورؤياه في كل زاوية وشبر من المكان الشاعري. ثمة أشعاره وكتاباته بخط يده وقد حفظت في قطع أثاث على شكل طاولات مستطيلة مغطاة بأسطح زجاجية، سريره ومكتبه في غرفة نومه، مهده وهو صغير، صالة البيت، المطبخ ومعدّاته التي يتناول فيها الشاي والقهوة، كؤوس النبيذ، مراياه ولوحات أصدقائه، من الرسامين واسعي الشهرة، فضلاً عن صالة البيانو وصوره الفوتوغرافية، وهي تمثّل كل محطات عمره، حتى نهايته المأساوية على يد القتلة. كان المنزل بمثابة متحف نادر وتاريخي، فيه مواعيد للزيارة، وشباك لقطع التذاكر، ودليل مصوّر في كتيّب، يدلّك على خبايا المكان الرومانسي الواضح والجميل، والمتمتّع أيضاً بلمسات الطبيعة. كما رأيت الكثير من هذه المنازل الشاعرية الحالمة، من بينها منزل شاعر الإسكندرية العظيم كفافي، مسبوقا بمتحف مصغّر له في مكتبة الإسكندرية، فهناك نظاراته ذات المسحة المُعبّرة، من خلال شكلها البيضوي، ومبسم سيجارته، ومرمدة السجائر، وكان هناك العديد من مخطوطات قصائده الشعرية البكر وهي مكتوبة بخط يده، وكذلك القلم الذي تمّت الكتابة به، وأشياء أخرى لا مجال لذكرها في هذه المساحة الصغيرة.
غايتي من سرد ذلك هي السؤال التالي: لماذا لا يتم الالتفات إلى مثل هذه الأمكنة وأصحابها في بلداننا؟ فبلد مثل العراق فيه شعراء روّاد خالدون، لِمَ لا تعتني الدولة العراقية ببيوتهم الأثرية، لاسيّما وأن العراق يعدّ من البلدان الثرية، ولِمَ لا تسترجع الدور الحكومية التابعة للدولة، تلك التي استولت عليها الأحزاب الدينية وميليشياتها المسلّحة لتقام عليها مثل هذه المتاحف المُصغّرة؟ أو منازل لشعراء تركوا أثراً وإرثاً ثقافياً، أدبياً، فنياً وشعرياً كبيراً، وفتحوا طريقاً جديداً ومختلفاً عمّن سبقهم من شعراء، وبنوا عبر تجاربهم الجمالية والتعبيرية واللغوية، عالماً متميزاً في ميدان الشعر العربي.

لماذا لا يتم الالتفات إلى مثل هذه الأمكنة وأصحابها في بلداننا؟ فبلد مثل العراق فيه شعراء روّاد خالدون، لِمَ لا تعتني الدولة العراقية ببيوتهم الأثرية، لاسيّما وأن العراق يعدّ من البلدان الثرية، ولِمَ لا تسترجع الدور الحكومية التابعة للدولة، تلك التي استولت عليها الأحزاب الدينية وميليشياتها المسلّحة لتقام عليها مثل هذه المتاحف المُصغّرة؟

فقبل شهور مرّ عليّ خبر مفاده تحويل «منزل الجواهري» إلى شكل متحف سياحي مصغّر مفتوح للزائرين، ولمن يرغب بالاطلاع عليه، ففيه أثره الحياتي، من كتب ودفاتر وأقلام، وبعض مخطوطات قصائده الشعرية، هذا فضلاً عن مستلزماته اليومية، تلك التي كان يستخدمها في مشواره المعيشي، الحياتي واليومي. هذا الأمر يدعو حقاًّ إلى التفاؤل والغبطة لصرح شعري كبير كالجواهري، الذي عاش حياته صائلاً جائلاً في أتون الشعر، حتى غاب ووافاه الأجل تقريباً عن مئة عام. شخصية الجواهري، شخصية عامة، حتى في مدينة براغ، التي عاش فيها ردحاً من سنوات منافيه الطويلة، كان الناس يحيّونه ويعرفونه، من خلال طاقيّته، وقد لمست ذلك بنفسي في تلك العاصمة التشيكية، حيث النُّدْل كانوا يهرعون إليه ملبّين طلباته بأسرع ما يمكن، ومرحّبين بقدومه إلى مقاهيهم ومطاعمهم ونواديهم.
فالجواهري الذي أقيم له منزل شعري، متحفي، هو في الحقيقة بيته البغدادي نفسه الذي كان يقيم فيه، أو تقيم فيه عائلته، وقد سعت ابنته دون شك، وعائلته إلى تأسيس هذا المتحف الصغير، وربما جاءتهم مساعدة من جهات حكومية، كونه ابن العراق البار، الذي وضع العراق في قلبه حيثما أقام «أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطارُ «.
وفي صلب هذا الموضوع، ذات يوم وقبل أكثر من عقدين، فاتحني الصديق الكاتب محمد فرحات، الذي كان يعمل في إحدى الصحف العربية في لندن، فاتحني يوم غياب الشاعر الكبير بلند الحيدري قائلاً: لماذا لا يصار إلى تأسيس دار له، ترعى إرثه، وتراثه الثقافي، ومستلزمات حياته، وتخلده في تجميع ما كان موجوداً لديه، من مستلزمات الحياة اليومية، صورا، رسومات، لوحات، ذكريات، رسائل، صحفا، مقالات وقصائد بخط يده، مخطوطة لديوان شعري، أو نثري، حقيبته التي كان يذهب بها كل يوم الى عمله الصحافي، وكل متعلقاته الشخصية الأخرى، هذا عدا عن ذكرياته الواسعة مع الشعراء والرسامين التشكيليين العراقيين والعرب، وعيشه في بيروت وملامسته عن كثب لتطورات شعر الحداثة الجديد، فكل ذلك كان مكتوباً في رسائله، ومبثوثاً في صوره الجماعية مع الشعراء والكتاب اللبنانيين.
التفتُّ إلى صديقي حينها وقلت متسائلاً: من سيعمل ذلك له؟ وكان ذاك الوقت في عهد النظام العراقي السابق. ولا أريد أن أسهب هنا وأقول ماذا حدث لممتلكات بلند الشخصية والفنية ومتعلقات زوجته الفنانة دلال المفتي، التي لم يطلْ بقاؤها كثيراً، بعد غياب زوجها الشاعر بأزمة قلبية، عن سبعين عاماً، في العاصمة البريطانية لندن. افتراضاً، حتى لو سعى أحدهم مستقبلاً، وحقق هذي الأماني الصغيرة، التي ستكون كبيرة في حال تحققها، فلدينا الآن، رغم أسفنا الكبير بفقدان كبار شعرائنا، لكنها تبقى مشيئة القدر، التي ستحل علينا جميعاً، فهناك الشاعر سعدي يوسف الذي لا نعرف أين ذهبت مقتنياته، ومكتبته وأوراق شعره، وترجماته، ومخطوطاته اليدوية، وصوره الشخصية، وأفلامه المصوّرة من قبل فنانين سينمائيين؟ وكذلك رسومات وبورتريهات أصدقائه الرسامين العراقيين الذين جسّدوه في لوحات فنية، وحتى أدوات حانته الصغرى، في بيته الصغير في الضاحية اللندنية! وكذلك هو الأمر مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الكبير، رائد المنافي ومجدد الشعر الحديث، كان لديه العديد من الذكريات، والصور الشخصية والأفلام التسجيلية لحياته، والمخطوطات اليدوية، وأرشيفه الأدبي الواسع، إلى مَن آل كل ذلك؟ وإلى من انتهى كل ما كان يقتنيه في رحلاته وأسفاره؟ ثم أين ممتلكات وحاجيات حياته اليومية؟ ناهيك عن الشاعر مظفر النواب، الشريد المثالي، بحقيبة أسفاره الدائمة ومخطوطات شعره، ويومياته الشخصية، من صور، وفيديوهات، وتسجيلات صوتية، وندوات، وأحاديث تلفزيونية وسينمائية، ومقابلات، وأماس شعرية، مسجلة في شرائط فيديو، وكذلك هدايا من شخصيات عربية، وتذكارات احتفائية بشخصه المعروف، عراقياً وعربياً، وعلى نطاق واسع، أين هي الآن؟
أين مقتنيات كل هؤلاء الشعراء؟

شاعر وكاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول قلم حر في زمن مر:

    من العراق اعشق شعر بدر شاكب السياب، 🤔🌳

  2. يقول أشعلي المصباحَ ورَيْ عاتفًا حاجبَيْه:

    (( لماذا لا يتم الالتفات إلى مثل هذه الأمكنة وأصحابها في بلداننا؟ فبلد مثل العراق فيه شعراء روّاد خالدون، لِمَ لا تعتني الدولة العراقية ببيوتهم الأثرية، لاسيّما وأن العراق يعدّ من البلدان الثرية، ولِمَ لا تسترجع الدور الحكومية التابعة للدولة، تلك التي استولت عليها الأحزاب الدينية وميليشياتها المسلّحة لتقام عليها مثل هذه المتاحف المُصغّرة؟ )) اهـ
    لِمَ لا تعتني الدولة العراقية ببيوت شعرائها الأثرية ؟؟

    وماذا، يا عزيزي هاشم شفيق، عن أولئك الشعراء الذين لم يكن لديهم بيوت بتةً في الأصل ؟؟

  3. يقول دكتور درغام السفان:

    اذا في وطنه ليس لديه بيتا وفي الغربة ليس لديه بيتا..فليسكن في بيوت الشعر.

  4. يقول باقر العسفة العتفة:

    عزيزي هاشم شفيق،
    قد يصح كلامك فيما يتعلق بشعراء معينين وخاصةً من الذين ذكرتهم، لكن ملكية البيوت في حد ذاتها غالبا ما تقترن بحياة الجهل تحديدا، كما قال الشاعر ابن الوردي في لاميته الشهيرة:
    عيشةُ الــــراغبِ في منزلــــهِ/ عيشـةُ الجاهلِ فيهِ بلْ أقَلْ
    كمْ جَهُولٍ بات فيها دُرْقُعًا / وعَتُـــوفٍ مــاتَ منـهُ بِعِلَلْ
    *
    تحية للأخ أشعلي المصباحَ ورَيْ عاتفًا حاجبَيْه على سؤاله المهم !!؟

    1. يقول واجئ النقطاء العتوفين:

      سلم الكلام أخ باقر العسفة العتفة،
      وكما قال الشاعر الحكيم على ذات الوتيرة:
      *
      وَهُنَا أَهُشُّ القِنَّ أَعْتَفَ بِالعَصَا / وَأَرُشُّ مَاءَ الوَرْدِ حَتَّى فِي الحَصَى
      قُــدَّامَ عَتْبَةِ بَيْتِكَ المَلْأَى هَوًى / لَا رَثَّ إِمَّعَةِ الجُفَــــاءِ، بِمَــا وَصَى
      **
      تحية للأخ هاشم شفيق وللأخ أشعلي المصباح ورَيْ عاتفًا حاجبَيْه

  5. يقول رابعة العدوية:

    مقال رائع فيه التفاتة ودعوة جديرة بالاهتمام للحفاظ على مقتنيات المبدعين بعد رحيلهم.

  6. يقول الجِرْفَاس بن جَوَّاس:

    “فقبل شهور مرّ عليّ خبر مفاده تحويل «منزل الجواهري» إلى شكل متحف سياحي مصغّر مفتوح للزائرين، ولمن يرغب بالاطلاع عليه، ففيه أثره الحياتي، من كتب ودفاتر وأقلام، وبعض مخطوطات قصائده الشعرية” انتهى
    من الآن فصاعدا، يا أخ هاشم شفيق، لن تكون هناك مخطوطات بخط اليد لأي شاعر في منزله إن كان لديه منزل أصلا، خاصة وأن كل نص كتابي أدبي أو علمي يتحول، في هذا الزمان الخاطفِ خطفَ البرق، من شكله الورقي المعتاد في الماضي إلى شكله الرقمي المعتاد في الحاضر – وعلى فكرة، هناك عدد لا بأس به من الجرائد العربية الشهيرة قد توقفت، في الآونة الأخيرة، عن الصدور بنسخها الورقية، واقتصر بالتالي على الصدور بنسخها الرقمية أو الضوئية – نشكر كل من ساهم بالملاحظات القيمة من مثل الإخوة أشعلي المصباحَ ورَيْ عاتفًا حاجبَيْه وباقر العسفة العتفة وواجئ النقطاء العتوفين والدرواس بن قشعم !!

    1. يقول رانية ديراني:

      شكرا للأخت رابعة العدوية على تعليقها الذي تلقف لب المقال هذا المقال الجميل للشاعر هاشم شفيق، بالدعوة للاعتناء بمقتنيات المبدعين، التي ستكون حتماذ إرثا لا لا يقدر بثمن للأجيال القادمة، يا ترى كم سيكون رائعا لو أننا في يومنا هذا تتاح لنا مثلا رؤية ومعاينة مقتنيات شاعرنا العظيم المتنبي قلمه وقرطاسه ورمحه وسيفه، وكم سيكون سعرها في المزادات العالمية يا جرفاس؟

    2. يقول سلمان الزاملي:

      مقال في الصميم وفي وقته حقا لماذا لا تسترجع الدولة العراقية الدور الحكومية التي استولت عليها الميليشيات والعصابات المسلحة وتجعلها متاحف ودوراً للشعراء والفنانين الراحلين المهمين والكبار؟

اشترك في قائمتنا البريدية