طالبت 20 منظمة حقوقية سورية الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالنشر العلني والكامل لتقرير «اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل»، مع توضيح الإجراءات الحكومية لمحاسبة الجناة من جميع الأطراف. واعتبرت هذه الخطوة جوهرية لضمان حق الضحايا في الحقيقة، والاعتراف، والمحاسبة، وجبر الضرر، سواء للمتضررين مباشرة أو للمجتمع السوري ككل. وأكدت المنظمات، في بيان مشترك، أن كشف الحقائق، والاعتراف بالانتهاكات، والالتزام بمحاسبة المسؤولين يشكل أساسًا لمنع تكرار الانتهاكات. وأشارت إلى أن نشر التقرير علنًا يمثل «حجر الأساس» لاستعادة الثقة المجتمعية، خاصة في ظل حملات التضليل التي رافقت الأحداث. واستندت إلى القانون الدولي الذي يكفل الحق في معرفة الحقيقة، مؤكدة أن النشر بمثابة «اعتراف رسمي بالأذى الذي لحق بالضحايا». ودعت المنظمات الحكومة الانتقالية إلى ربط النشر باعتراف رسمي بنتائج التقرير، مع التزام شفاف بتنفيذ توصياته.
كما طالبت بالبدء الفوري بتطبيق مخرجات التقرير كأولوية، مع خطة تفصيلية لمحاسبة الجناة وإصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. وأشارت إلى أن مجازر الساحل شكلت لحظة مفصلية في المرحلة الانتقالية «الهشة»، مهددة النسيج الوطني، مع مخاوف من أن أعمال العنف المستمرة في السويداء قد تؤدي إلى نقطة تحول أكثر تدميرًا.ومن بين المنظمات الموقعة: الشبكة السورية لحقوق الإنسان، المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والبرنامج السوري للتطوير القانوني. وفي تصريح لـ«القدس العربي»، أوضح فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية، أن نشر التقرير يعكس التزام الدولة بمحاسبة المؤسسات المخطئة، مثل الجيش والأمن والقضاء، مشيرًا إلى أن لجان التحقيق الوطنية عادة تنشر تقاريرها، مع استثناءات محدودة. من جهته، انتقد المحقق ياسر سالاتي، المختص بجرائم الحرب، المؤتمر الصحافي للجنة، لاستخدامها مصطلحات غير قانونية مثل «مجموعات الفزعة»، موضحًا أن المصطلح الصحيح هو «ميليشيات مسلحة تدعم الحكومة». وأشار إلى أن ضعف المنظومة القضائية يعيق تحقيق العدالة، لا سيما أن اللجنة وصفت الجرائم بـ«القتل العمد»، متجنبة مصطلحات القانون الدولي.
انتهاكات جسيمة وتوصيات عاجلة
كشفت لجنة التحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، الثلاثاء الماضي، عن تقريرها النهائي بعد أربعة أشهر من عملها. وسلم التقرير إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الأحد، خلال استقباله للجنة في قصر الشعب. وأكدت الرئاسة السورية، عبر وكالة «سانا»، أن اللجنة أُنشئت لضمان مسار يمنع الانتهاكات وطمس الحقيقة، مشيرة إلى أن التحقيق يشمل جميع الوقائع في سوريا من شمالها إلى جنوبها. وأوضحت الرئاسة أنها ستفحص التقرير بعناية لاتخاذ خطوات تدعم الحقيقة، والعدالة، والمساءلة، وتمنع تكرار الانتهاكات، داعية اللجنة إلى عقد مؤتمر صحافي لعرض نتائجها. وفي المؤتمر الذي عُقد بدمشق، أعلن المتحدث باسم اللجنة، المحامي ياسر الفرحان، أن التحقيق حدد 265 متهمًا منتمين لمجموعات متمردة مرتبطة بـ«فلول نظام الأسد»، و298 من أفراد وفصائل عسكرية، مشتبهين بانتهاكات ضد المدنيين ومخالفات للأنظمة العسكرية. وأشار إلى أن الاستنتاجات استندت إلى «الشبهة» وليس الدليل القاطع، مع إدراج أسماء المتهمين في جداول ملحقة بدون الكشف عنها علنًا. ووفق التقرير، توجه 200 ألف مسلح إلى الساحل في اذار/مارس الماضي لاستعادته من «فلول النظام»، ما أدى إلى مواجهات خلفت 1426 قتيلًا، بينهم 90 امرأة، خلال ثلاثة أيام. وأفاد الفرحان أن «فلول النظام» قتلوا أكثر من 230 عنصرًا من الجيش السوري الجديد والأمن الداخلي، وسيطروا على بلدات وقرى بهدف إقامة «دويلة علوية». واستندت اللجنة إلى 450 إفادة عن القتل والاعتداء، و486 عن التهديد والترهيب، مع زيارة 33 موقعًا، مقدمة 930 إفادة شاهد. وأكد التقرير وقوع انتهاكات جسيمة، بما فيها «القتل العمد على أساس طائفي»، لكنه وصفها بغير المنظمة رغم اتساع نطاقها. وأوصت اللجنة بتسريع دمج الفصائل في وزارة الدفاع، وضبط السلاح، وتنفيذ لوائح السلوك العسكري، مع تعزيز مؤسسات الشرطة والأمن بتكنولوجيا حديثة، وسن تشريعات لمنع التحريض الطائفي. وأشار رئيس اللجنة، القاضي جمعة العنزي، إلى أهمية هذه التوصيات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
والجدير بالذكر، أن لجنة التحقيق أعلن عن تشكيلها بقرار من الحكومة السورية، بعد قرابة الأسبوع من الأحداث التي بدأت في الساحل، لتعلن الرئاسة السورية في نيسان/أبريل الماضي عن قرار من الرئيس الشرع يقضي تمديد عمل اللجنة لمدة ثلاثة أشهر غير قابلة للتمديد، ويشير تقرير اللجنة بشكله العام، إلى الاعتراف بحجم الانتهاكات ووجود العنف بما يشمل الانتهاكات التي ارتكبتها جهات حكومية، على الرغم من انه لم يحدد بالتسمية أي جهة، إلا أن التقرير لا يشبه أي أمثلة أو نماذج من تقارير سابقة في سوريا كانت تعمل على تبرئة الجهات الحكومية، ولا تعترف في أغلب الأحيان بوجود انتهاكات أو عنف، كما يشار إلى أن اللجنة عملت بجدية على إحصاء الانتهاكات وتوثيق الضحايا، إلا أنها على ما يبدو قد فشلت في التعامل مع الديناميكيات المؤسساتية التي ضمت ضمن أطرها قوائم الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات وتجاوزات، ولم تبدو في تقريرها أي إشارة إلى الهيكلية الأمنية التي سمحت بالانتهاكات، أو لم يكن ضمن أبرز اهتماماتها على أقل تقدير.
وحصلت «القدس العربي» على معلومات من مصدر مطلع تفيد بأن اللجنة تمكنت من التحقيق بنحو 20 مجزرة في حين أن نحو 40 أخرى لم تتمكن التحقيق فيها بسبب ضعف الموارد وقصر المدة الزمنية. ويذكر المصدر أن عددا كبيرا من قادة الصف الأول والثاني والثالث في الفرق متورطين في انتهاكات الساحل السوري.
وفي السياق ذاته، انتهت اللجنة وتقريرها إلى عدة توصيات، كان قد أعلن عنها رئيس اللجنة، ومن أبرزها «التعجيل في تنفيذ وزارة الدفاع لخطتها وتدابيرها وإجراءاتها في مشاريع ضبط السلاح، ودمج الفصائل بشكل فعلي، مع التنفيذ الصارم للائحة قواعد السلوك الصادرة عنها بتاريخ 30 من أيار/مايو 2025، وإصدار باقي الأنظمة واللوائح والتعليمات بما في ذلك تنظيم الزي العسكري والشارات ومنع بيعها في الأسواق.»
وتشير هذه التوصية إلى إشكالية الدمج الفعلي للفصائل المعارضة لنظام الأسد، والتي أعلن عن اندماجها بوزارة الدفاع بعد سقوط نظام الأسد، ومن جهة أخرى تشير إلى مدى قدرة القيادة العسكرية الجديدة على ضبط سلوك الأفراد والمجموعات المنضوية ضمن صفوفها، بما يشمل ذلك تنظيم الزي العسكري، ونظام الرتب العسكرية، ولوائح التسلسل الهرمي والوظيفي المتبع في المؤسسات العسكرية.
كما شملت التوصيات، أولوية مشاريع مؤسسات الشرطة والجيش والأمن، واستقدام المعدات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز السبل والمعايير لاحترام حقوق الإنسان.
كما أوصت اللجنة، باتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية، وتكفل الدولة بمراقبة وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويلاحظ أن اللجنة تأخرت ما يقارب الأسبوع على تسليم تقريرها النهائي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بسبب أحداث السويداء التي بدأت في 11 من الشهر الجاري، والتي ستشكل على ما يبدو لجنة تحقيق وتقصي حقائق بخصوصها، على خلفية تجاوزات وانتهاكات «صارخة» فيها.
بموازاة ذلك، دانت الرئاسة السورية، في بيانٍ لها، الأربعاء الفائت، ما وصفته بـ «الانتهاكات المؤسفة»، التي طالت مناطق في محافظة السويداء جنوب سوريا.
وجاء في البيان «أن هذه الأفعال، التي تندرج ضمن السلوكيات الإجرامية وغير القانونية، لا يمكن قبولها تحت أي ظرف من الظروف، وتتنافى تماما مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة السورية».
وأكدت الرئاسة أن «أي جهة مسؤولة عن هذه الأعمال، ستعرض للمحاسبة القانونية الرادعة، ولن نسمح بمرورها بدون عقاب»، مشيرة إلى أن الدولة السورية «بقيادتها وأجهزتها، تضع أولوية قصوى لحماية الأمن والاستقرار في جميع أنحاء سوريا».
وفي السياق، وعلى خلفية مقاطع فيديو أظهرت إعدام أشخاص من مدينة السويداء على يد مسلحين مجهولين، دانت وزارة الداخلية السورية هذه الأعمال، مشيرة إلى أن مثل هذه الأفعال «جرائم خطيرة» يعاقب عليها القانون، مؤكدة أن الوزارة بدأت بتحقيق شامل لتحديد هوية «المتورطين»، كما أعلنت وزارة الدفاع على خلفية الانتهاكات الجديدة في السويداء، وما تبثه وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو لعمليات إعدام ميدانية لمواطنين من السويداء، عن تشكيل لجنة تحقيق لمتابعة الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها وخلفية الأفراد المرتكبين لها.