انتهت جولة المفاوضات في جنيف بين إيران وأمريكا بقصفٍ إسرائيلي استهدف الصفَّ الأول من قادتها السياسيين والعسكريين، ليعلن ـ ولو على صمت ـ نهاية ماراثون المفاوضات القائم على نزع السلاح الاستراتيجي وإنهاء البرنامج النووي السلمي الإيراني. ومع أنّ العدوان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، يُعدّ أحد الحلقات المهمّة في سلسلة الاستهدافات التي اتخذتها أمريكا تجاه الشعب الإيراني أولا، بعد فرض عقوبات اقتصادية وحصار سياسي، فقد انتهى ذلك إلى ما نشاهده اليوم من قصفٍ للمستشفيات والمراكز المدنية في الجمهورية.
تُعدّ الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط أحد أهمّ المعالم الأساسية لصياغة خرائط جديدة قد تبدو، في ظاهرها، ارتماء نحو الفضاء الإمبراطوري بمزيد من الهيمنة والخنوع والتبعية للغرب، لكنها بداية مرحلة حرجة من تاريخ الحضارة والإنسانية، تجاه قابليتهما لعودة الاستعمار بنسخته الثيوليبرالية، ليُكمل مشروع إسرائيل الكبرى، ويُزيح عنه أيّ رهان من شأنه أن يهدد مصالحه الطاقوية والأيديولوجية. فهل تتمّ تصفية الهلال الشيعي لصالح المشروع الصهيوني الممتد نحو الجغرافيا العربية؟ أم أنّنا ضمن آخر مرحلة من فصول الاستعمارية الغربية المتصلبة، التي باتت الحضارة الإنسانية عبئا أخلاقيا عليها؟ وما مصير شعوب المنطقة تجاه التحوّلات العنيفة، ودعوة الاحتلال لها إلى الانتفاض ضد أنظمة تعلن عداءها للهيمنة الصهيونية؟
الفضاء الإمبراطوري
أكد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغيست، أنّ بلاده لا تبحث عن الديمقراطية والحرية بقصفها للجمهورية الإسلامية، بل عن سبيل فعّال لتحقيق مصالح الإمبراطورية الاقتصادية والسياسية، عبر قطع الطريق على صواريخ إيران الباليستية واستكمال برنامجها النووي. ويعيدنا هذا التصريح إلى الدوافع التي كانت تُشنّ من أجلها حروب أمريكا في العالم، وذرائعها التي لا تخرج عن شعارات الحرية والديمقراطية ومكافحة الإرهاب، وهو الفضاء الخصب الذي ترسّخ الإمبراطورية من خلاله هيمنتها على الأقاليم المشتعلة. تقف أمريكا، ومن يعتقد أنهم حلفاؤها من الغرب القابع تحت هيمنة اقتصادية للشركات العابرة لحدود الاتحاد الأوروبي، في الجانب الآخر من التاريخ، معزِّزة صورة مظلمة للحضارة وقيم التعايش الإنساني. فإن يُغتال قادة دول، وتُقصف المستشفيات في إيران، ويُصمت على الإبادة في غزة، من دون سماع صوت لما يُفترض أنه النظام القانوني العالمي، لهو بداية عصر تتحكم فيه مصالح الشركات العابرة للقيم في مصائر شعوبٍ بأكملها.
لقد فتح العدوان الأمريكي على الجمهورية الإسلامية، واستهدافُ الأخيرة قواعدَ الإمبراطورية في الشرق الأوسط، تساؤلاتٍ حول الوجود العسكري في المنطقة، المُرسِّخ لفكرة الاستعمار والتدخلات المباشرة، باعتبار الشرق جغرافيا حرجة واستثنائية لبسط الهيمنة الاقتصادية والطاقوية بدل الأمن العالمي، ومسارا استراتيجيا لانطلاق مشروع إسرائيل الكبرى التوسعية. وباتت حجج الإمبراطورية الأمريكية في تحرير الشعوب من الديكتاتوريات يشوبها كثير من السخرية، وتعنونها مآلاتها المخضبة بدماء المدنيين. فالحرية التي تقصدها أمريكا هي حرية حركة الأموال وانتقالها نحو ملاذاتها الآمنة، وتحكمها المطلق في أسواق البترول والتكنولوجيا الحربية، لا صرخات المنفيين والمهجّرين من أوطانهم.
وحين ندرك أن الفضاء الإمبراطوري ليس سوى سردية من التلفيقات والأكاذيب التاريخية التي شرعن بها الغرب احتلاله للشرق، ودعمه اللامحدود لإسرائيل كأعتى قوة بربرية على مر العصور، يتبيّن أن الحرية والديمقراطية والعدالة لا تُوهب ولا تُفرض من خارج إرادة الشعوب. واستهداف الجمهورية الإيرانية يُنظر إليه على أنه المسمار الأخير في نعش النظام الدولي، وبداية مرحلة جديدة تتصاعد فيها الدعوات للتحرر من هيمنة الإمبراطورية. فالحرية لا يهبها المستعمِر، بل هي اختيارٌ وإرادةٌ لشعوبٍ عانت من سطوة الغرب، وآن لها أن تخرج من فضاء التبعية والانبطاح نحو تحرير ذاتها وجغرافيتها من الهيمنة الصهيونية.
«إسرائيل أولا» أصبح واقعا مخضبا بدماء الأطفال والمدنيين في إيران وغيرها، والهوس بفتح جبهات متعددة في الشرق الأوسط، لن يخدم سوى نخبة صهيونية متمركزة ضمن حساباتها الاقتصادية ومصالح شركاتها
عقب أحداث الربيع العربي، طُرح سؤال الثورة، إذ انتقل بسرعة مذهلة نحو عواصم متعددة. وفي خضمّ الحرب على إيران، تتصاعد دعوات الاحتلال الصهيوني للشعب الإيراني للخروج في مظاهرات لإسقاط النظام، فالتغيير يحتاج إلى فاعل داخلي، يتمكّن من ضرب أسس التوازن السياسي والأمني. في الحرب والسلم، ينتقل مفهوم الثورة، بوصفه البديل الأساس للأنظمة القائمة، بسهولة. وقد واجهت إيران تحديات اقتصادية دفعت آلاف الجماهير إلى الخروج مطالبين بإصلاحات. غير أنّ السؤال هو: ما الذي يدفع إلى أن تكون التحركات الشعبية مصدر قلق على بنية الجمهورية الإيرانية، لا على النظام الثيوقراطي؟ وبالنظر إلى حالة الثورة التي أزهرت بها المنطقة ومآلاتها المربكة والعنيفة، فإنّ إيران واجهت تحديات مشابهة مع الحركة الخضراء عام 2009 واحتجاجات متكررة، ما سمح لها بتطعيم النظام ضد دعوات الإطاحة به من الخارج. فالبدائل المطروحة ليست الديمقراطية ولا الحرية ولا العدالة الاقتصادية، بل الإذعان المطلق لمشاريع الإمبراطورية. وتصريحات بعض النخب الإيرانية والعربية مخيبة، وتخنق الحقوق الأساسية للشعب الإيراني في الرفاهية والاستقرار؛ إذ لا مكان لعودة الشاه إلا عبر دفع الجماهير الإيرانية نحو الفوضى كما تتصورها إسرائيل، تلك الفوضى التي تأكل نيرانها الآمال في مواجهة بربرية الشركات متعددة الجنسيات. فهل يمكن تسميتها بالثورة؟!
إنّ انتقال الثورة من حالاتها السائلة نحو تصلّب نتائجها، ومنع استمرارها وانتقالها إلى عواصم أخرى، سببه استلابها من كونها حقا إنسانيا لتحرير الشعوب من تاريخ عالمي مرتكز على التلفيق والمتخيل، إلى حالة من التعبير الاختزالي عن الهيمنة الغربية. وهذا التحوّل يدفعها إلى مزيد من الخيارات الخاطئة بدل تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. والإيرانيون يدركون المخاطر المترتبة على انجرافهم وراء دعوات الانتفاض ضد النظام؛ فصوت الثورة اليوم ينطلق من حاملات الطائرات الأمريكية المتمركزة على ضفاف فلسطين المحتلة، لا من مركزية اجتماعية تؤرخ للمطالب الواقعية للشعب الإيراني في العدالة والحرية والرفاه.
ارتبط الحلم الأمريكي بمفهومنا للحضارة، وبماهية أن يكون الإنسان حرا ومبدعا. غير أنّ هذا التشابك الفني في رسم لوحة حضارية للإمبراطورية وقيمها، سرعان ما تداعى أمام اللحظات التاريخية الفاصلة عند الإعلان عن قصف إسرائيل للجمهورية الإسلامية، إذ بات الرهان على أطروحة «الأمريكي أولا» محلَّ جدلٍ في أروقة الساسة الأمريكيين والصحافيين، حيث أبانت الحرب على إيران عن تكلفة التضحية بالجنود الأمريكيين في سبيل تحقيق طموحات إسرائيل الكبرى. حين وصف لاريجاني أسلوب الإمبراطورية باعتبار «إسرائيل أولا» نهجا إمبرياليا خالصا لتحقيق مشاريع السطو والهيمنة، كان يقصد النهايات التي آلت إليها الإمبراطورية في تعاملها مع الحضارة والإنسان والجغرافيا، حيث يُورَّط الأمريكيون في حرب تعزز هيمنة الصهيونية، وتفرض على العالم التخلي عن التزام أخلاقي وقانوني تجاه الإنسانية.
«إسرائيل أولا» أصبح واقعا مخضبا بدماء الأطفال والمدنيين في إيران وغيرها، والهوس بفتح جبهات متعددة في الشرق الأوسط، لن يخدم سوى نخبة صهيونية متمركزة ضمن حساباتها الاقتصادية ومصالح شركاتها العابرة للحدود. فما إسرائيل إلا مستوطنة أخرى من مستعمرات الإمبراطورية في العالم، حيث تقدم الخدمات القذرة ضد أعدائها، كما وصفها المستشار الألماني فريدريش ميرتس. ربما تكون عقيدة «إسرائيل أولا»، من حيث الأفعال القذرة والقتل والإبادة، كذلك، لكنْ ثمة مأزق حقيقي لدى الغرب، الذي كان يشكّل أعظم السرديات المعززة لسطوته؛ إذ تحوّل من ضامنٍ لعدم تكرار الهولوكوست إلى خطابٍ يدفع بالملايين من اليهود إلى التضحية في سبيل تحقيق أرباح الإمبراطورية وحلم نتنياهو في «إسرائيل الكبرى». وهذا الانجرار نحو فتح ساحات حروب عبثية يطيح بأقوى التلفيقات التاريخية الغربية عن الشرق، ويفتح مجالا حيويا لإعادة قراءة مسببات الهولوكوست والثمن الذي يدفعه اليهود في سبيل ضمان إمدادات الطاقة للأوروبيين وأمريكا. فهل تنتهي الحرب الأمريكية الإيرانية بسقوط النظام، أم أنّ مقاومة الاستعمار الغربي تأخذ منحى تصاعديا نحو تحرر شعوب العالم من الهيمنة؟
كاتب جزائري