من مركزية القضية الفلسطينية إلى لامركزية المقاومة الأممية

حجم الخط
1

واجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفلسطينيين وسائر العرب والمسلمين بخطةٍ من 21 بنداً لوضع نهايةٍ للحرب في غزة. خيّر بموجبها حركة «حماس» بين قبولها، أو رفضها خلال مدة أقصاها أربعة أيام. ترامب لم يتشاور مع «حماس» أو أيّ طرف فلسطيني آخر بشأن مضمون الخطة أو آليات تنفيذها. اكتفى بمنح رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو حقاً حصرياً بمناقشة بنودها والمشاركة في صياغتها.
تتجه «حماس»، على ما يبدو، إلى قبول خطة ترامب بتحفظ، أو الاكتفاء بالاعتراض على بنود أساسية فيها مع استعدادها للتفاوض بشأنها. غير أن قبولها المتحفظ لن يؤدي إلى إنهاء الحرب، والبدء فوراً بتجديد المفاوضات بشأنها، كما لن يؤدي بالتأكيد إلى تجميد المقاومة الفلسطينية. فالمقاومة بعد سنتين من ملحمة طوفان الأقصى، وما تخلّلها وأعقبها من حروب ومفاوضات، وصولاً إلى «خطة ترامب» لن تكون كما كانت قبلها.

صمود المقاومة الفلسطينية وحلفائها من جهة، واندفاع شعوب العالم كافةً نصرةً لحرية فلسطين من جهة أخرى، أكرَها مهندسي الإجرام الصهيوأمريكي على التراجع

ثمة واقعات وتداعيات وتحوّلات توالت، وما زالت، في فلسطين المحتلة ودنيا العرب وقارات العالم الخمس، من شأنها أن تترك انعكاسات إيجابية في عقيدة المقاومة وتركيبتها ومسارها في قابل الأيام. من المعلوم أن انتفاضات ومقاومات شتى للاحتلال الصهيوني، كانت قد أعقبت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 وتوالت إلى أن انتظم معظمها في منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي. وقد تمكّنت منظمة التحرير لاحقاً من تكريس فلسطين قضيةً مركزية للعرب أجمعين. في هذا السياق، توصّلت المنظمة، بقيادة ياسر عرفات، إلى عقد هدنةٍ مع الكيان الصهيوني من خلال ما عُرف باتفاقات أوسلو سنة 1993. حركة «حماس» التي نشأت في قطاع غزة كانت خارج إطار منظمة التحرير ومعارِضة تالياً لسياسة مهادنة كيان الاحتلال، وقد نجحت في تطوير قدراتها العسكرية على نحوٍ مكّنها من مفاجأة حكومة نتنياهو بطوفان الأقصى فجرَ يوم 7 أكتوبر 2023 وإلحاق هزيمة مدوّية بها. مكاسب متعددة نجمت عن طوفان الأقصى. غير أن أهمها وأكثرها قوةً وفعالية إحياءُ وتزخيم وتأجيج روح المقاومة ليس في فلسطين المحتلة فحسب، بل في مجمل عالم العرب أيضاً. هذه الصحوة وما رافقها ونجم عنها من تحركات وفعاليات شكّلت تحدياً بالغ الخطورة لكيان الاحتلال، كما للولايات المتحدة الأمريكية، التي استشعرت فيها ملامح تيار مقاومةٍ شاملة، لا تقتصر فعاليتها على أقطار المشرق العربي، بل تتجاوزها إلى تهديد مصالحها الامبراطورية، كما حلفائها، في منطقة غرب آسيا برمتها. في هذا المنظور يمكن تفسير الحرب الصهيوأمريكية على إيران خلال شهر يونيو الماضي. وعليه، شكّلت العمليات العسكرية والمبادرات التفاوضية التي سبقت وأعقبت تلك الحرب، حلقات من سلسلة طويلة مارستها الولايات المتحدة، منفردةً، أو متحدةً مع كيان الاحتلال لحماية مصالحها وحلفائها في غرب آسيا. من هنا يستقيم التساؤل: ماذا بعد خطة ترامب سواء ارتضتها «حماس» بتحفظ، مع استعدادها للتفاوض بشأن بعض بنودها، أو امتنعت عن رفضها بالكامل، بانتظار توضيح بعض الإجراءات المتعلقة بتبادل الأسرى أحياء وأمواتاً بين الطرفين المتحاربين. هناك ثمة ثماني واقعات وتحدّيات واحتمالات بصدد الصراع المحتدم في الإقليم يمكن إيجازها على النحو الآتي:
* لن تنتهي حركة «حماس» أيّاً ما سيكون عليه قطاع غزة نتيجةَ تنفيذ خطة ترامب بعد تعديل بعض بنودها، أو تعثر تنفيذها لأنها، أي حماس، باتت جزءاً من نسيج المجتمع الفلسطيني في كل أنحاء الوطن السليب.
*لن تنتهي حركات المقاومة المماثلة أو الرديفة لحركة «حماس» في لبنان وسوريا والأردن والعراق، لأنها باتت هي الأخرى جزءاً من نسيج المجتمعات العربية المنخرطة بمقادير متفاوتة في مقاومة الهجمة الصهيوأمريكية عليها.
*ليس من المستبعد أن تشنّ حكومة نتنياهو، عاجلاً أو آجلاً، هجمةً استباقية جديدة على ايران (وربما على حزب الله في لبنان أيضاً) لدعم أطراف الإئتلاف الإسرائيلي الحاكم في الانتخابات التي ستجري في الكيان بعد سنة من الآن.
*ستتابع إدارة ترامب، على الأرجح، دعمها لـِ»قسد» (قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية) بغية إقامة منطقة حكم ذاتي في شمالي شرق سوريا، الأمر الذي قد يحمل تركيا على شنّ حربٍ للحؤول دون ذلك.
*سترفض إيران شروط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للتفاوض معها بغية التوصل إلى اتفاق جديد من شأنه رفع العقوبات الاقتصادية عنها.
*ستتابع إيران تنفيذ برنامجها النووي السلمي، وتطوير صناعة الصواريخ الباليستية فرط الصوتية وبعيدة المدى، ودعم حلفائها وحركات المقاومة المناهضة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة في غرب آسيا.
*ستتعاون قوى المقاومة العربية وتترابط في تطوير فعالياتها الدفاعية ضد التحالف السياسي والعسكري الصهيوأمريكي، بإرساء قواعد صلبة للانتقال بتحرير فلسطين من حال القضية المركزية (نظرياً) إلى حال بناء مقاومة أممية لامركزية على مستوى العالم برمته، وذلك بغية اغتنام إيجابيات ظاهرة الدعم الشعبي الحار والمتصاعد، خصوصاً في أوساط الأجيال الشابة، الذي يتبدّى في معظم الدول والقارات، شرقاً وغرباً، والذي تجلّى بمشاهِد مسيرات وتحركات معارِضة قام ويقوم بها طلبة الجامعات ضد الحكومات المتواطئة مع الكيان الصهيوني في شتى دول الغرب، والتظاهرات الشعبية والإضرابات العامة في معظم عواصم الدول بالقارات الخمس، والدعوات الصارخة في بعض دول أوروبا وأمريكا وآسيا إلى مقاطعة كيان الاحتلال دبلوماسيا واقتصادياً، ناهيك من فعاليات مشهدية بازغة كأسطول الصمود وأسطول الحرية نصرةً لأهالي غزة.
*اتجاه قوى شعبية عربية متعددة أبرزها المؤتمر العربي العام، بأطرافه العروبية والإسلامية المكوّنة له، إلى تعزيز دعم قوى المقاومة، وتطويرها داخلياً وخارجياً في سياق الجهود المبذولة لبناء مقاومة أممية لامركزية، تناضل بلا هوادة ضد هيمنة الولايات المتحدة على دول عدّة في جنوب العالم، ولاسيما في عالم العرب والمسلمين.
رغم أن ترامب كان حدّد بعنجهية لافتة لـِ»حماس» مهلة أربعة أيام للامتثال لبنود خطته، أو معاناة «تداعيات محزنة» في حال رفضها، فإنه سارع إلى الترحيب بردها المرن على خطته، ودعا حكومة نتنياهو إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة فوراً تسهيلاً لتنفيذ الخطة. مصر سارعت بدورها إلى تنظيم لقاء موسع لممثلي «حماس» وسائر فصائل المقاومة المتحالفة معها، للبحث والتوافق على الإجراءات المناسبة لتنفيذ ثلاثة مهام اساسية تضمنتها خطة ترامب هي: تبادل الأسرى أحياء وأمواتاً بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وتحديد مهلة لانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإدارة القطاع بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه. إذ ردّت «حماس» بجوابها المرن الكرة إلى ملعب كيان الاحتلال، وجد نتنياهو نفسه في مأزقٍ خانق: فلا هو قادر على مخالفة ترامب ولا بإمكانه الاحتفاظ بحكومته الإئتلافية، إذا ما قرر الوزيران المتطرفان بن غفير وسموتريتش الاستقالة احتجاجاً على وقف الحرب.
المهم أن صمود المقاومة الفلسطينية وحلفائها من جهة، واندفاع شعوب العالم كافةً نصرةً لحرية فلسطين من جهة أخرى، أكرَها مهندسي الإجرام الصهيوأمريكي على التراجع. غير أن قوى المقاومة العربية ما زالت متوجسة من نتنياهو وزمرته الحاكمة، وتتمسك تالياً بسلاحها وتحرص على يقظتها، لأن خيارها الأساس يبقى الصبر والصمود والمقاومة.
كاتب لبناني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الجنتلمان:

    اشهد ياعالم علينا وعابيروت.
    لن تنطفيء شعلة المقاومة طالما هنالك نفس واحد مقاتل في غزة، مصنع الرجال والأبطال.
    لن تنطفيء روح القتال إلى ان يتم دحر آخر شعشبون (عنكبوت) من الارض التي بارك الله حولها.
    لن تستطيع كلاب الحراسة ممارسة العواء والنباح إلى مالا نهاية حيث لكل خاءن من الخونة نهاية معلومة.
    ولا نامت أعين الجبناء الخونة الذين باعوا غزة ولم يستطيعوا من وضاعتهم وبخسهم من قبض ثمنها، من أنظمة ماءجورة وعبيد وغلمان أنظمة والطوابير الخامسة التي تملاء ارض وسماء الزمان العربي الأردء من الرديء.

اشترك في قائمتنا البريدية