منذ اندلاع الأحداث الأخيرة في فلسطين وإطلاق المقاومة اسم «طوفان الأقصى» على العملية، التي استهدفت العمق الإسرائيلي، وبيت الشعر، الذي كتبه محمد عبد الباري في قصيدته الشهيرة «ما لم تقله زرقاء اليمامة» لا يفارق خيالي.
المفارقة أن عبد الباري، الذي اشتهرت قصيدته إبان موجة «الربيع العربي» لم يكن معروفا بالنشاط السياسي، إلا أن كثيرين رأوا في كلماته، مع ذلك، نبوءات مستقبلية مهمة. ربما يكون شيطان الشعر هو من أوحى له بتوصيفات من قبيل «الموت الذي سيكون فينا أنهرا». أما البيت، الذي يعلق بذاكرتي أكثر هذه الأيام فهو قوله: «وسيعبر الطوفان من أوطاننا، من يقنع الطوفان ألا يعبرا؟».
بالتأكيد فإن الشاعر لا يعلم الغيب، وهو لم يكن يستطيع أن يخمن قبل أكثر من أكثر من عقد من الزمان أنه ستكون هناك عملية فلسطينية باسم «طوفان الأقصى» وأنها ستنجح في تكبيد الاحتلال خسائر غير مسبوقة. الطوفان أتى فعلا بلا ميعاد، ولم يكن في إمكان أحد أن يوقفه أو أن يتحكم في مساره، الذي أجبر الجميع على إعادة التفكير في المأساة الفلسطينية. لو كان الأمر قيد التشاور لرفض كثيرون انطلاق «الطوفان» الذي عطل بقدومه المفاجئ الكثير من المشاريع والمخططات. التسوية، بمعناها الإسرائيلي، كانت تسير بشكل متواصل، وكان الكيان يتأهب للتحول إلى دولة طبيعية تمتلك علاقات عادية مع أغلب بلدان محيطها. كان يُظَن أن في هذا التذويب حل نهائي للقضية، التي شغلت العالم منذ عقود، وإن جاء ذلك على حساب حقوق الملايين من الفلسطينيين، الذين كان يتوجب عليهم أن يخيروا بين البقاء ضمن دولة يهودية لا تنكر أنها لا تساوي بين جميع مواطنيها، أو الهجرة إلى أحد بلدان الشتات. «الطوفان» لم ينتظر رأي أحد، ولم يفكر بمنطق الربح والخسارة المادية، التي كانت ستمضي للقول إن من الانتحار التفكير في اختطاف عسكريين، أو في اختراق القبة الأمنية، «الأقوى في المنطقة» وفق الدعاية الصهيونية. لم يفاجئ الرد الهمجي الإسرائيلي أحدا، فكان متوقعا منذ اليوم الأول أن يثأر الكيان لكرامته عبر هجوم موسع وخالٍ من الحساسية الإنسانية ضد مجمل قطاع غزة، بحجة اختباء عناصر من المقاومة فيه. الغرض من الهجمات التدميرية الشاملة كان واضحا، فالمطلوب هو إحداث أكبر رعب ممكن، حتى لا يتجرأ أحد على تكرار ما حدث. مع الثمن الكبير الذي دفع، والذي ما زال الفلسطينيون في القطاع يدفعونه بصبر، إلا أن لا أحد يبدو مستعدا للاستسلام، وكأن الشعار هو «حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدا». لم يفهم الاحتلال بعد أن همجيته وإرهابه الموجهين نحو المدنيين لا يدفعان للتراجع، بقدر ما يدفعان لمزيد من التحدي، ما يجعل تسويق التسوية النهائية بالشكل الذي يتمناه، أمرا شديد الصعوبة. لاحظنا أيضا رفض أغلب أهل غزة الخروج من القطاع. من الواضح أن قصة النكبة ما تزال حاضرة في الأذهان. الخروج الأول، الذي أراد الأجداد أن يكون مؤقتا، مضى عليه الآن ما يقارب الثمانين سنة. الأمل في العودة يتضاءل في ظل الشرعية، التي يمنحها القانون الدولي للكيان، الذي لم تعد حدوده المفروضة تقتصر على أرض 1948، بل صارت تتمدد لتشمل أغلب أرض فلسطين. ينجح الاحتلال في قطع الكهرباء والمياه والخدمات عن قطاع غزة، فيعاني عشرات الآلاف من العطش، وتُجرى عمليات خطرة بلا تخدير أو معدات، فيما يعجز المسعفون عن إنقاذ أرواح المئات من الجرحى، الذين فاقت أعدادهم كل قدرة على الاستيعاب.
مع الثمن الكبير الذي دفع، والذي ما زال الفلسطينيون في القطاع يدفعونه بصبر، إلا أن لا أحد يبدو مستعدا للاستسلام، وكأن الشعار هو «حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العدا»
بعد أسبوعين من القصف والحصار التام تنجح بعض قوافل المساعدات في الدخول إلى القطاع، لكن الاحتلال يشترط أن تتوجه للجنوب وكأنه ينوي تطهير المنطقة المحاذية له في الشمال من جميع الفلسطينيين.. تبدو تلك خطوة عاجزة، إن كان الغرض منها ضمان أمان المستوطنين، فالذي يظهر هو أنه من المستبعد أن يعود مستوطنون للسكن في منطقة «غلاف غزة» في المستقبل القريب، مهما كانت الضمانات. نجح «الطوفان» في إدخال الرعب في قلوب المستوطنين، الذين رأوا أن في إمكان مجموعة من المقاتلين، الذين لا يرقون لمرتبة الجيوش النظامية ولا يمكن وصفهم سوى بأنهم مجرد هواة، أن يتوغلوا في مساحات استراتيجية، وأن ينفذوا عمليات نوعية. منذ بدء الأحداث في السابع من هذا الشهر والاحتلال يلوّح بالاجتياح العسكري للقطاع، لكن الهدف من ذلك الاجتياح ومدة البقاء في غزة، وأثر تلك العملية على تدويل الصراع بمعنى تدخل جهات أخرى مثل «حزب الله» اللبناني، ومصير المحتجزين الإسرائيليين لدى حركة «حماس» كل تلك أسئلة تنتظر إجابة لا يمكن دون توفرها القيام بمثل هذه الخطوة، التي صحيح أنها سوف تضاعف التكلفة الإنسانية في الجانب الفلسطيني، لكنها لن تكون بلا خسائر أيضا في جانب الاحتلال. بالنسبة لحلفاء الكيان الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فإن الوقت ما يزال غير مناسب لتنفيذ الاجتياح البري، ليس خشية على المدنيين الفلسطينيين، لكن بسبب ما سوف يقود له ذلك الاجتياح من فوضى قد تدفع أطرافا بعيدة مثل روسيا وإيران للتدخل، وإن بشكل غير مباشر، هذا إضافة لوجود رهائن غربيين بين المحتجزين لا يريد أي زعيم، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، أن يعرض حياتهم للخطر.
في زيارته التضامنية الأخيرة للكيان أوصى الرئيس الأمريكي جو بايدن نتنياهو بألا يجعل الغضب يسيطر عليه، حتى لا يسرف في الانتقام، لكن نتنياهو، تلميذ المدرسة الكولونيالية الغربية، كان يرى أن لجرائمه ما يبررها. لا شيء في الواقع يحمل نتنياهو على أخذ توصية بايدن، التي فرضتها اللياقة الدبلوماسية، على محمل الجد، فالأمريكيون أنفسهم لم يكونوا عقلانيين في الانتقام حينما أرادوا رد الاعتبار لبلادهم عقب هجمات أيلول/سبتمبر.. وعلى ذكر الأمريكيين، فإنه لا يسع المرء إلا أن يستغرب من حديث بايدن، وغيره من القادة الغربيين عن التضامن مع كل من أوكرانيا و»إسرائيل» ووجوب دعمهما بالمال والسلاح. فانظر كيف يدعم «العالم الحر» من جهة الأوكرانيين، على اعتبار أنهم واقعون تحت احتلال، والإسرائيليين، الذين ليسوا في الواقع سوى سلطة احتلال. يجب أن لا يناقش أحد هذا التناقض، لا في وسائل الإعلام ولا حتى على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن يردد الجميع قصة المدنيين الإسرائيليين، الذين تعرضوا لهجوم غير مبرر من قبل «حماس» الإرهابية. التضامن مع الحقوق الفلسطينية أو مجرد التعاطف مع آلاف الضحايا من المدنيين في غزة بات يعرض صاحبه، إن كان يقيم أو يعمل في الغرب، للعقوبات والتهديد. حدث هذا مع الأكاديمي في جامعة كولومبيا الأمريكية جوزيف مسعد، الذي يواجه حاليا حملة تهدف لعزله عن منصبه الجامعي، كما حدث مع عدد من العاملين في وسائل الإعلام الغربية، الذين تمت إقالتهم أو أجبروا على تقديم استقالتهم، بل وصل الأمر للاعبي كرة القدم مثل كريم بنزيما، الذي اتهمه وزير الداخلية الفرنسي بالانتماء لجماعة «الأخوان المسلمين» وأيضا لبن سبعيني وعطال، اللاعبين اللذين يواجهان عقوبات محتملة بسبب إظهارهما بعض التعاطف مع فلسطين. حاليا تستميت دول ومنظمات إقليمية ودولية في محاولتها للسيطرة على الطوفان، لكن، وكما قال الشاعر: «من يقنع الطوفان ألا يعبرا؟».
كاتب سوداني