مَن اليوم يتذكّر غوركي ولماذا؟

حجم الخط
7

ليس حدثاً عابراً، ولعله استطراد غير مألوف، أن تشهد مسارح بريطانيا ثلاثة اقتباسات لمسرحية من تأليف الروائي والقاصّ والمسرحي الروسي/ السوفييتي مكسيم غوركي (1868 ــ 1936). فرادة هذا الحدث تتعزز أكثر حين تكون المسرحية، «المصطافون»، ليست على رأس أشهر أعمال الكاتب في المسرح؛ على غرار «البرجوازيون الصغار»، «الحضيض»، «أعداء»، «ييغور بوليتشوف وآخرون»، و»فاسّا جيليزنوفا»، حسب العناوين التي استقرّ عليها المترجم سهيل أيوب، في طبعة «دار التقدم» سنة 1983.
فعلى مسرح ألدويش قدّمت «المصطافون» فرقةُ رويال شكسبير، سنة 1974؛ وعلى مسرح أوليفييه، ضمن عروض الملكي الوطني، قّدّمت في سنة 1999؛ وهي تُعرض، هذه الأيام أيضاً، على المسرح ذاته. وقياساً على ولع أوروبي شمل اقتباسات في ألمانيا والسويد وفرنسا وأماكن أخرى من القارّة العجوز، لعلّ جاذبية النصّ تكمن في ثلاثة جوانب؛ بصرف النظر عن اتفاق المرء أو اختلافه مع وجهات نظر المقتبسين هنا وهناك.
المسرحية، أوّلاً، وإنْ بدرجات متفاوتة، تعيد التذكير بألق أنطون تشيخوف عموماً، ومن حيث انتهت مسرحية «بستان الكرز» الشهيرة خصوصاً. وتبدو، ثانياً، أقرب إلى مرثية، حزينة وساخرة في آن، لشرائح تمثيلية من الإنتلجنسيا الروسية، لاهية ثرثارة متغافلة عن انفجارات شارع شعبي مضطرم، عشية ثورة 1905. كما أنها، ثالثاً، توفّر نموذجاً مختلفاً وثميناً، في المضمون واللغة والأسلوب، يتسق في كثير أو قليل مع تيارات الحداثة الأوروبية؛ وذلك من الأديب ذاته الذي اجترح تعريف «الواقعية الاشتراكية»، لتوصيف «أدب البروليتاريا».
وفي حدود ما تعلم هذه السطور، فإنّ مؤسسات حكومية كانت متخصصة في ترجمة الأدب الروسي/ السوفييتي إلى اللغة العربية، مثل «دار التقدم» و»دار رادوغا»، لم تتحمس لنقل «المصطافون» إلى لغة الضاد؛ مقابل حماس مفرط، مفهوم تماماً بالطبع، لترجمة أعمال غوركي الأخرى الروائية والقصصية، مثل «الأم»، «طفولتي»، «بين الناس»، «جامعياتي»، والمسرحيات المشار إليها في فقرة سابقة. الأرجح، ضمن تأويل سياسي قبل أن يكون أدبياً، أنّ تلك المسرحية تحديداً لم تكن واقعية اشتراكية بما يكفي، أو بما يتفق على نحو مُرْضٍ مع «جماليات» المدرسة؛ سواء ما بقي مترسباً في باطنها من ضوابط ستالينية، أو ما تسلل إليها من «تحديثات» خروتشوفية لم تفلح في تحريرها من قيود شتى.
ورغم علاقة الصداقة الخاصة التي جمعته مع زعيم البلاشفة الأكبر فلاديمير إليتش لينين، ولم تكن خالية من الندية وبعض اختلاف الآراء حول الفنون والآداب خصوصاً؛ فإنّ غوركي رحل من دون واقعة تصالحية إنسانية الطابع، تردّ إليه بعض حقوقه في التجريب والتحديث و»الانشقاق» قليلاً عن مذهب الواقعية الاشتراكية، ذاته الذي تصدّر التعريف به والترويج له. وقارئ مجلد الرسائل بين الرجلين، والذي لم تتأخر في تحريره وإصداره «دار التقدم» ذاتها، بلغات عديدة حيّة واسعة الانتشار، يلمس بعض «الغصّة» في تخاطب غوركي مع لينين؛ وإنْ لم ترقَ إلى سوية العتبى أو الشكوى.
لم تكن هذه، في مثال مقابل، حال الشاعر الروسي/ السوفييتي يفغيني إفتوشنكو مع نكيتا خروتشوف، حيث كان الشاعر في عداد منتقدي الأمين العام للحزب، قبل سنوات من شروع الأخير في تعرية عبادة الفرد، وحين كان الأوّل أحد أبرز فرسان الجيل الثاني من كتّاب الواقعية الاشتراكية. الحكاية تقول إنّ خروتشوف، وهو على فراش الاحتضار، استدعى إفتوشنكو واعتذر منه، فلم تكن المبادرة واحدة أخرى من مفاجآت الزعيم السياسي والحزبي المشاغب فقط، بل لعلها كانت ملمح احترام متأخراً: للشعر، وللمذهب الواقعي الاشتراكي كما جسده هذا الشاعر.
بذلك فإنّ الإجابة عن سؤال: مّن اليوم يتذكر غوركي، ولماذ؟ بالمقارنة مع عروض مسرحية «المصطافون» على خشبة لندنية؛ تحيل، من باب إنصاف الحدود الدنيا، إلى كتلة آداب رفيعة كان غوركي جزءاً لا يتجزأ من صناعتها، صحبة أمثال فلاديمير ماياكوفسكي، ميخائيل شولوخوف، جنكيز إيتماتوف، وآخرين في سياق روسي/ سوفييتي. ولم تلبث المدرسة أن أصبحت كونية، فاستقطبت لاحقاً أسماء رفيعة من عيار برتولت بريخت، لوي أراغون، بول إيلوار، بابلو نيرودا، رفائيل ألبرتي، يانيس ريتسوس، وناظم حكمت…
وليس إلا من باب التعامي المطلق، مسبق الانحياز والتأثيم والانتقاص، أن يتجاهل المرء كتلة هائلة من النتاجات الإبداعية في الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والأوبرا والباليه، و»كيلومترات طويلة من الأفلام وقماش اللوحات» حسب تعبير أندريه سينيافسكي. ورؤية كلّ هذا لا يتوجب أن تنفصل عن حقيقة كبرى مركزية: أنّ غالبية هذه الأعمال جابهت الجمود والتصلب والدوغما وعبادة الفرد على أصعدة حزبية وحكومية، لكنها أعطت سينما أندريه تاركوفسكي، وموسيقى دمتري شوستاكوفيتش، وشعر أنّا أخماتوفا…
وإذا كان مفهوماً، ومشروعاً تماماً، أن يتواصل الاحتفاء بأدب غوركي، عبر مسرحية «المصطافون» تحديداً؛ فإنّ المستحق، الشرعي تماماً بدوره، هو عدم إغفال السياقات الروسية الاستثنائية التي كُتبت خلالها: الحرب الروسية ــ اليابانية، «الأحد الدامي» حين بلغت دموية النظام القيصري ذروة قصوى، عصيان البارجة بوتيمكن في البحر الأسود، إضراب تشرين الأول (أكتوبر) 1905، والثورة التي أعقبته…
كم من السياقات الأخرى الوجيهة، والأسباب والبواعث، كي يثمّن مشاهدُ السنة 2026 سنوات الجمر والحرائق والتحولات التي حرّضت غوركي وألهمت مسرحيته؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول علاء:

    ما رصده غوركي من “توحش” رأسمالي في لندن كان في الحقيقة هو الوقود المحرك لتلك الطفرات الثقافية (معززة ببعض الانتعاش الاقتصادي) و التي كانت تظهر بين الفينة والاخرى كبرق خاطف من التفاؤل وسط قتامة المدينة، حيث تحوّل الضغط الطبقي والبؤس إلى طاقة كامنة دفعت نحو تمرد إبداعي أعاد تشكيل الذوق العام وأنتج لحظات متفرقة مثل Swinging London مثلا، و التي لم تكن مجرد موضة أو موسيقى شكلت ظاهرة، بل محاولة جماعية لإعادة تعريف الحياة خارج قيود الطبقية والرتابة، وكأن الفرح نفسه أصبح شكلًا من أشكال المقاومة. لكن الفرق الجوهري اليوم أن الضغوط (الاقتصادية والاجتماعية)، رغم استمرارها وربما تعقّدها، لم تعد تترجم بنفس السهولة إلى موجات ثقافية متماسكة؛ ف”التشتت الرقمي” يبدد الطاقة الإبداعية ويحوّلها إلى ومضات قصيرة العمر، حيث يُستهلك التمرد بسرعة قبل أن ينضج أو يتبلور كحركة. و في هذا السياق، لم يعد التحدي هو وجود الدافع، بل القدرة على تركيزه واستمراره في عالم يعيد تدوير كل شيء بسرعة، مما يجعل أي محاولة لإحياء تفاؤل جماعي شبيه بالماضي تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد إبداع، بل تحتاج إلى بيئة تسمح له بالبقاء والتراكم بدل أن يتحول إلى موجة عابرة.

    1. يقول تتمة:

      …لكن الأمر ليس نهاية المطاف، فلقد كانت لدي نبوءة عن ظهور شخصية استثنائية في بريطانيا، ستساهم في ظهور طفرة جديدة في الفن والثقافة، حيث سيعيد التاريخ نفسه، لكن عبر صيغة أكثر تكثيفًا، حيث يحل “الشخص-الظاهرة” محل “المشهد-الظاهرة”، و لن تنتظر الطفرة الثقافية والفنية المقبلة تكرار مشهد تتوزع فيه الأدوار بين رموز متباعدة كما في زمن Swinging London (او Cool Britannia في أواخر التسعينات)، حيث كان لكل من The Beatles في الموسيقى أو Mary Quant في الموضة أو David Hockney في الفن المعاصر أو “شون كونري” في السينما دوره الخاص في صناعة الموجة؛ فإيقاع العصر لم يعد يسمح بهذا التراكم البطيء، بل ان هذه الشخصية الاستثنائية ستختزل هذه الحقول المتعددة في رؤية موحدة، تجمع بين الحس الفني والوعي الثقافي والقدرة على التأثير الجماهيري في آنٍ واحد، كما أنها ليست مجرد مبدع ضمن مشهد فقط، بل محورًا تدور في فلكه بقية الطاقات الإبداعية.

    2. يقول هويدا:

      بالمناسبة مقولة أن التاريخ يعيد نفسه مقولة مغلوطة من أساسها كما تبيّن منذ زمن بعيد.

  2. يقول آصال أبسال:

    (1)
    شكرا للأخ صبحي حديدي على التذكير بشيء من إبداع مكسيم غوركي الذي كان من الكتّاب الروس المفضّلين لديّ حقيقةً.. وبما أن مسرحية «المصطافون» كُتبت عام 1904، فإن كلّ تلميح فيها إلى الثورة الأولى (عام 1905) يمكن أن يُنظرَ إليه بمثابة استشراف واستبصار أكثر مما هو نظر نقدي (أدبي) محض.. وبهذا فالمسرحية لا تذكّر بألق أنطون تشيخوف من حيث انتهت مسرحية «بستان الكرز» بقدر ما هي في حدّ ذاتها ردُّ فعلٍ سياسي أكثر قتامةً عليها، رافضا بذلك وقعَها الرومانسي الغنائي وكذاك الحُناني، وساعيا إلى إدانةٍ أحدَّ أشدَّ لأشكال اللامبالاة الاجتماعية.. فمسرحية «المصطافون»، إذن، تصوّر كلّا من التبلّد الأخلاقي والأفول الضميري لدى “البرجوازية المِهَنِيّة” التي لا تستحق تسمية “الأنتلجنسيا” فيما يتبدّى.. شخصيّتاها الرئيسيتان، الزوجة ڤارْڤَرَا والزوج بازوڤ، تلتهيان كحال بقية الشخصيات بالكلام الهذري عن أشياء سطحية وشبه ثقافية، وتهملان أي اهتمام جَمْعيّ بالثورة (السياسية) الوشيكة، فتجسّدان من ثمّ تحذيرًا، لا بل وعيدًا شديدًا، من غوركي ذاته بأن المجتمع الذي ينسى أو يتناسى جذورَه الأصلية فعلا،نّ، إن هو إلا مجتمع محتَّمٌ عليه المآلُ إلى هاوية الانهيار ولا ريب..

    1. يقول آصال أبسال:

      (2)
      كل هذا الإيذان التحذيري أو حتى الإنذار الوعيدي، بصيغةٍ أو بأخرى، إنما هو سابقٌ سَبْقًا حتميا لأيما اجتراح لتعريف «الواقعية الاشتراكية» أو حتى لأيما ابتداع لتوصيف «الأدب البروليتاري».. غير أن شخصية الزوجة ڤارْڤَرَا تبدي سخطًا نقديًّا أكثر من غيرها، وذلك من خلال تعبيرها عن خيبة آمالها بتلك السطحية الثقافية التي تتّسم بها بقية الشخصيات، بمن فيها زوجها بازوڤ، فهي بهذا تبتغي وجودا بمعنًى وتدليلٍ حقيقيَّيْن يميّزانِهَا عن أقرانها وقريناتها سواء بسواء.. من هنا، يبرز النقد «الغورْكَوِيّ» اللاذع واللاسع (نسبة إلى غوركي) لأنانية وتفاهة وسخافة أنغال الطبقة المتوسّطة من حَمَلَة قشور المعرفة والعلم ليس إلا، وهم أصلا أنغالٌ متحدّرون من أوغاب العبيد والأقنان في المقام الأصغري الأول.. وما الإيحاء العامد بالعاصفة الهوجاء في ختام مسرحية «المصطافون« سوى إملاءٍ أشدَّ عمدًا بحدوث التغيير المحتوم والمرعب وسْطَ عالم من شخصياتٍ ربيلةٍ لا يهمّها إلا صدى التنميق الفعلي الأجوف والتسجيع القولي الأعجف، عالم من أشباه أطباء دجَالين وأنصاف مهندسين محتالين لا بدَّ أن يُزَالَ وينمحي بطوفان الثوَرَان المختمِر / مع التحية والتقدير

  3. يقول غياث المرزوق:

    غوركي وهل يخفى قمر الأدب الروسي؟

    1. يقول آصال أبسال:

      أعلم جيدا أن هذا التعليق ليس من أستاذي الدكتور غياث المرزوق،
      لأنني قبل قليل كنتُ أتواصل معه في مكتبه الجديد كأستاذ زائر في جامعة كوبنهاغن/

اشترك في قائمتنا البريدية