عرفها بنفسه على أنه مُثقفٌ، خريج إحدى الجامعات الأوروبية، يدّعي الثقافة، ويقرأ الفلسفة ويكتبها. كان نجماً لامعاً من نجوم المجتمعات الثقافية، لا يماريه أحد، ابن بيئة قيمها ريفية تسكن المدينة. عاش في الغرب سنين طويلة لإنهاء الدراسات العليا. وبالتأكيد كانت له مغامراته العاطفية طولاً وعرضاً. عاد لبلده مودعاً صديقاته، أو صديقته الأجنبية، التي لا يمكن له أن يتزوجها، ففي نظره أن من تقيم علاقة عاطفية، وإن كانت علاقة صداقة بريئة، هي عاهرة، فما بالك بواحدة عاشرها معاشرة الأزواج، فهي بنظره لا تختلف عن أي مومس رخيصة. والفرق، بنظره، أن المومس تعاشر الرجال من أجل النقود، والأخرى تعاشرهم من أجل المتعة.
عاد صاحبنا لبلده بعد انهاء الدراسة، وبدأ البحث عن عروس نظيفة، بنت حسب ونسب، وبيت شريف، وبلا ماضٍ. وبالفعل اقترن بواحدة عن طريق زواج مرتب. ومن الأسبوع الأول اشتعلت الخلافات الطاحنة بينهما، التي كانت صراعات على السلطة، والقيادة، والإنفاق في البيت، بينه من جهة، وبين زوجته وأمها الشرسة من جهة أخرى. استمرت هذه الخلافات عدداً من السنين، وضاعفها تعذر إنجاب ذرية، حتى انفصلا بدون أن يسفر زواجهما عن أي بذرة تبقى للذكرى.
بعدها مباشرة، قرر هذه المرة ليغيظ طليقته، اختيار من هي أصغر منها، وأجمل، وأعلى شهادة. فمن سترضى به وقد مرّ به قطار العمر، وقد تجاوز الخامسة والأربعين من عمره. فقرر لعب دور الحب والغرام على شابة بريئة، وجميلة، ورقيقة من زميلاته، أعجبت به وأحبته حد العبادة. فقد كان متمرساً في أساليب الإقناع، عبر تقمص شخصية المحب، والعاشق الولهان. أقام معها علاقة، وهو في داخله، يصم من تفعل ذلك بوصم واحد لا يتغير، عاهرة، ولو كانت شريفة قومها. وبعد ذلك، تزوجها وفعل معها أكثر مما فعل مع الأخرى من قلة احترام، ولامبالاة، وعراك لا ينتهي على الصغيرة والكبيرة. ترك مسؤولية البيت كله على عاتقها، واعتزل العالم في غرفته على بحوثه وقراءاته، منذ الأيام الأولى لزواجهما. فكانت إذا طالبته بالمشاركة في إصلاح غرضٍ تعطل في المنزل، أو شراء حاجة من السوق، أو إذا تأخر طعام أي وجبة عن المواعيد التي وضعها هو، تثور ثائرته وينفجر صارخاً مُرعِداً ومُزبِداً، لاعناً اليوم الذي تزوج فيه، سائلاً الله أن يأخذه إليه، وينقذه مما هو فيه من محنة وبؤس وشقاء. فكان إذا لم يجد ما يتعارك عليه، يخلق سببا من تحت الأرض ليمارس مرضه في العراك، والنباح، والصراخ، وإطلاق الإهانات.
أدركت حينها أنها قد تزوجت وحشاً، لا رجلاً. رجل يريد أن تخافه، لا أن تحبه. كانت كلما نظرت اليه لتتأمله، لا ترى إلا أحد قادة العسكر الذي تهابه رعيته لقسوته ومكره وخداعه، وبطشه. لم تكن تدري شيئا عن هذه الشخصية السرية المتوارية تحت جلده، والتي نجح في إخفائها عنها نجاحاً باهراً، المكر، والقسوة الصلدة الباردة نفسها، التآمر، الغدر، والنذالة نفسها، الدم البارد الذي يقترف الجريمة نفسه، بدون أن يرف له جفن، أو تتملكه أي رجفةً، أو رعشةً، الصرامة العسكرية نفسها، حتى في يده التي كانت تمسكها تحبباً، فلا تشعر أنها تمسك يداً بشريةً من لحمٍ ودمٍ وأعصابٍ، بل قطعةً صلدةً من المعدن لا تلين، ولا تنكسر، ولا تتشقق.
ربما كان الصخر سيرق يوماً بفعل تساقط المطر والسيول عليه، ولكن قلبه هو لم يرق يوماً بتساقط دموعها، بآلامها، ووجعها، وأنينها. كانت تستلقي في الفراش أياماً تئن مرضاً ووجعاً، فلا يكلف نفسه عناء أن يفتح الباب ليسألها عما ألمَ بها، وفيما لو كانت تريد الذهاب للطبيب، هل هي حية، أم أن المنية وافتها، هل تريد ماءً، أو طعاماً، أو دواءً، أو أي شيء آخر؟
كان قادراً على التلون والتبدل والتشكل حسب الأمكنة والأزمنة، يقبل من المرأة الأجنبية ما يعيبه على بنات بلده، والشرف بالنسبة له ينحصر في منطقة معينة للمرأة، وليس في الجزء العلوي. فهو الفيلسوف الذي لا يُشق له غبار بين الكتاب والباحثين، وهو أبو الطيب المتنبي فصاحةً وبلاغةً في صالونات الأدب والثقافة، وهو الرجل الجنتلمان الليبرالي العالي الثقافة بين النخبة من مثقفي المجتمع، وهو الرجل العامي ابن الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، في سلوكه مع زوجته، التي يريدها نسخةً من جدته أو أمه، امرأة عاميةً، ينبغي لها أن لا تجيد، سوى الطبخ، والتنظيف، وتفريخ الأولاد، وخدمته هو وأهله، امرأة لا تشعر ولا تحتاج للعاطفة والمتعة والاحترام، امرأةً يصرخ فيها كالكلب، ليل نهار، فترتعب، وتذعن، والأدهى والأمر أنه يريد هذه المواصفات بسيدةٍ عالية التعليم والثقافة، والنسب، فالفلاحة، وربة البيت ليستا من مقامه وقدره.
كان كلما جاءت سيرة امرأة تزوجت عن حبٍ وعلاقةٍ عاطفيةٍ، يبتسم ابتسامته الباهتة الماكرة، ويخبرها أن هذه المرأة ليست سوى عاهرة، فالعاهرات وحدهن من يعشقن، فالعشق، والحب، والعلاقة العاطفية، حتى إن كانت عذريةً، بريئةً، هي للعاهرات فقط. فالمرأة الشريفة، الفاضلة، بنظره، لا تعشق، ولا تحب، ولا تشعر، ولا تحس، ولا تحتاج للعاطفة، والمتعة، لأن المتعة هي للرجل فقط. ثم يصمت، وهو ما زال مبتسماً ابتسامته الصفراء، الخبيثة ليراقب وقع كلماته عليها من زوايا عينيه. كانت، في كل مرة من هذه المرات، تقرر أن تواجهه وتقول له، ولكننا تزوجنا عن علاقة عاطفية أيضاً، فأنا عاهرة أيضاً، حسب وجهة نظرك. ولكنها كانت في كل مرة تتراجع. كانت تخشى مواجهته لكيلا تفقده، فقد كانت تحبه حد الجنون، ولم تكن تتصور حياتها بعيداً عنه. لم يكن أمامها، غير أن تتصنع البلاهة، وعدم الفهم في كل مرة من هذه المرات، وأن تتظاهر بأن الكلام لا يعنيها، ولا يمسها، وتطبق المثل القائل: الذي على رأسه بطحةً يُحسس عليها. كانت تخشى أن تكون الذي على رأسه بطحةً، فتتصنع أن الكلام ليس لها.
لم يدر بخلدها أبداً أنها كانت ستتزوج من يقدر على أن يمنع نفسه عن معاشرتها طوال فترة زواجهما الذي استمر لأكثر من عقد من السنين، لأنه كان يعتقد أنها ليست سوى عاهرة. لم تكن تفهم كيف كان قادراً على أن يخمد في نفسه أي شهوة تجاهها، وهي الشابة الجميلة الفاتنة، التي كانت تخلب لُب كل رجلٍ يطالعها.
أدركت، بعد زمن، أن غرضه من الزواج منها لم يكن، إلا لإغاظة طليقته بزوجة أصغر منها، وأكثر جمالاً، وأعلى شهادةً، ثُم إنجاب طفلٍ لم يستطع إنجابه من طليقته. ظل يراهن على غبائها سنوات طويلة، ظاناً، لغبائه، أنها غبيةً، لأنها كانت تغض الطرف عن سيئاته، وتغفر له خطاياه. فاته أن يدرك أن ذلك لم يكن غباءً من طرفها، ولم يكن سذاجةً، كما كان يظن. فاته أن يدرك أنها كانت تفعل ذلك لتتجنب الاصطدام به. لأنها كانت تعلم أن الاصطدام به سيكون دامياً، ومروعاً، ومفجعاً.
كانت تدرك أن تحقيق حوار هادئ معه هو محض أمنية، لا يمكن أن تتحقق مهما فعلت. فكل حوار لابد أن يتحول إلى معركةٍ داميةٍ، شرسة وموجعة. فالحياة الزوجية بالنسبة له كانت عبارة عن حرب طاحنةٍ يخوضها ولا يرضى، إلا أن يخرج منها منتصراً، فلا أحد يغلبه في صراخه، وسبابه، وشراسته. لا أحد، حتى ليبدو وهو يرعد، ويزبد، وكأنه ثور هائجٌ، مائجٌ، خرج عن السيطرة والتحكم. فضلت المحافظة على العلاقة بكل مَساوِئها، وسلبياتها، ووجعها لأنها كانت تفتقد الخيار الآخر، خيار الرحيل، ولان الألم علمها الملل، الملل من المعاتبة، والملل من المواجهة، والملل من الألم نفسه. كان يفتعل العراك افتعالا، على تفاصيل لا يتعارك بشأنها البشر الأسوياء. يفعل ذلك عن قصد وعمد ليغطي على عدم قدرته، أو عدم رغبته بالمعاشرة الزوجية. ظل هكذا إلى أن قتل فيها كل ذرة حب حملتها له يوماً. ظل هذا الوحش يذيقها الأمرين لسنوات طويلة، إلى أن كتب الله لها فصلاً جديداً من حياتها يوم قبض روحه إليه فجأة.
كاتبة من العراق
الشرع لا يجبر البنت على الزواج من شخص لا تريده!
والشرع يعطي حق الخلع للزوجة أن تطلق نفسها بعد التنازل عن المهر!!
أي: أن خيار بقاء الزوجة ببيت زوجها هو بيدها, أليس كذلك؟ ولا حول ولا قوة الا بالله