نظام الفصل الصهيوني

أدى سقوط برجي التجارة العالمية إلى مرحلة تفاقمت العنصرية فيها تجاه المسلمين، وتخطي الإمبراطورية قيم التعايش والاختلاف، نحو صراع الحضارات، ضمن نزعة نيوكولونيالية، كشفت زيف الغرب وهو يتجهز لعزل ما سماه “الإرهاب الإسلامي” في أفغانستان، مختزلا الالتزام الأخلاقي والقانوني تجاه تجريم الغزو الأمريكي ضمن مقولة بوش الابن، من ليس معنا فهو مع الإرهاب.

الإرهاب في صورته الحضارية

بقدر ما كانت أحداث أيلول/سبتمبر2001 موجعة ومؤلمة للشعب الأمريكي، فإنّها حمّلت تلك الآلام والمآسي للعالم أجمع، بإطلاق العنان للإمبراطورية الأمريكية وتجاوزها القوانين الدولية، إلى جانب تجييش الغرب لشن حرب ليس على “الجهاديين الأفغان” حلفائها بالأمس فحسب، بل على المجتمعات التي أذاقتها سنوات الحرب ويلات التهجير والإبادة، وعلى كل “تحول ديمقراطي” من شأنه أن يتيح تنوعا في الثقافة والهوية، وبدل اجتثاث “الإرهاب العابر للحدود” كما زعمت الامبراطورية، تزايدت أعداد القتلى والمهجرين من المدنيين، وأجهز على البنى التحتية لتلك الدول، ومقابل الحرية والديمقراطية التي بشّر بها الأمريكيون، أمست القنابل والغازات السّامة خيارا لا بديل عنه لترسيخ إمبراطورية بلا هيمنة.
بعد عقدين من الحروب العبثية تعلن الإدارة الأمريكية أنّ 31 آب/أغسطس 2021 سيكون تاريخ انتهاء جلاء قواتها من الأراضي الأفغانية، حرب وصفها الرئيس جو بايدن أنها كارثة أضرت بالاقتصاد الأمريكي، إذ بلغ الإنفاق العسكري اليومي على الحملة طيلة عقدين ما يفوق 300 مليون دولار، إلى جانب خسائرها البشرية المقدرة بألفي جندي، بينما حصيلة القتلى والمفقودين في أفغانستان لا يكاد ينتهي جَرْدُها مع استمرارية حرب الوكلاء، وعودة “القاعدة”، ولعل اعتراف الإدارة الأمريكية كون أفغانستان “مقبرة الامبراطوريات” لم ينس الأفغان خروج باراك أوباما وهو يزّف للعالم في عام 2011 نجاح قوات خاصة أمريكية في تصفية زعيم تنظم “القاعدة” أسامة بن لادن، إذ اعتقد حينها أنّ الحرب على الإرهاب انتهت بالقضاء على زعيمه، غير أنّ العملية تلك لم تكن سوى بداية النهاية لحرب عبثية استهدفت الثقافة والهوية الأفغانية.
كان مقتل بن لادن على يد القوات الأمريكية بمثابة “قربان” للآلاف التي سقطت ضحية العنف، فبعد الإعلان عن مقتله خرجت الحشود الأمريكية تستبشر بنهاية العنف، متناسية التجاوزات اللاأخلاقية للإمبراطورية، لم تنته الحرب يومها وتوالى سقوط القتلى المدنيين، وتلاشت سيطرة الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب على الأقاليم، وبدت عملية ترويض الشعوب باسم الحرية والديمقراطية مسألة وقت، أريد لها أن تطول كي يأخذ التاريخ متنفسه الحقيقي، وتهاوت “صورة الإرهاب” العابر للقارات في نسخه الاستخباراتية كـ”تنظيمات جهادية” أريد لها أن تعزز الوجود النيوكولنيالي في المنطقة.

آخر المعاقل الاستعمارية الغربية

مع انطلاق موجة الانتفاضة العربية 2010/2011 كانت الحركات الجهادية تدق مسمار الولاية والبيعة للخلافة الجامعة في بلاد المغرب والمشرق، تحت راية واحدة لخلافة تجندت لقتل الحلم الديمقراطي العربي، وفي ظرف وجيز عقب سقوط الطغم الحاكمة، تدافع الغرب لأسلمة الانتفاضات العربية، وعزلها عن طابعها العفوي والسلمي، لما سببته من تهديدات على مصالحه.
كان بلوغ حركة الإخوان المسلمين سدة الحكم في عواصم عربية، أحد أهم “النوافذ السياسية” التي من خلالها استعادت النيوكولونيالية دورها الريادي في تحريف الانتفاضات العربية وتوجيهها نحو مستنقع الحرب الأهلية، فحرب الاحتلال الصهيوني على غزة عام 2014 كانت مؤشرا في “تغيّر الانحياز السياسي” من الصراع العربي/الإسرائيلي بدعم الرئيس المصري محمد مرسي وانحيازه للفلسطينيين.
ومع كل حرب يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة كان الغرب يتجهز لبث التصريحات والتنديدات ضد المقاومة الفلسطينية المناهضة لآخر المعاقل الاستعمارية الغربية، بمواقف مخزية متشبعة تجاه قضية الإنسانية، سرعان ما يقابلها الفلسطينيون بكثير من الصمود والمقاومة، وبدل العمل على لجم الآلة البربرية الصهيونية، ذات السجل التاريخي المخضب بالدم والتهجير، تستنكر الخارجية الألمانية قصف المقاومة الفلسطينية المجال المحيط في قطاع غزة، متغافلة بكل صفاقة عن المدافع والدبابات والطائرات التي تحاصر القطاع.

زمن الحرب الباردة

ألمانيا التي ذاقت ويلات الانقسام زمن الحرب الباردة، وهي تحتفل كل سنة بسقوط جدار العزل الفاصل بين شرقها وغربها، لا تتوانى للحظة في استظهار ولائها المطلق للاحتلال، بـ”تجريم المقاومة الفلسطينية” واعتبارها حركات إرهابية، كما أنّها غير قادرة على الاعتراف بـ”إبادة كيان الاحتلال” للملايين من الفلسطينيين، وتجريم استهداف “إسرائيل” لقنوات وشبكات إعلامية “عالمية مهنية” مناهضة للتلفيق الصهيوني. تتناقل بعض وسائل الإعلام “الجرائم ضد الإنسانية” للاحتلال الصهيوني التي اعتاد الغرب تبريرها تحت ذريعة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، على أنّه “اختزال غير أخلاقي” لأهم صراع عالمي مستمر ضمن سلسلة الإخفاقات الدولية والعربية، صراع كان عليه أن يَخْلُصَ إلى اجتثاث بقايا الاستعمار الغربية وتحوّرها إلى كيان مارق لا حدود له، إلا في مخيّلة الغربي، الذي يقبع خلف الحلم الصهيوني المؤرخ بالتهجير والإبادة، مجسدا حالة “الابن غير الشرعي” في مهنته الحضارية كشرطي للمنطقة، بإمكانه إطلاق الرصاص من دون رقيب ولا حسيب.
الفلسطينيون في نظر الإمبراطورية لا يقلون عن الأقليات والسّود الذين يعانون الويلات في الولايات المتحدة الأمريكية، جراء تفاقم العنصرية واستفحالها لدرجة تبريرها مع كل موجة انتخابية، ضمن خطابات ساستها الجمهوريين والديمقراطيين، فإن تكون فلسطينيا في أرض تحتلها “الصهيونية بنظام فصلها العنصري” يعني أن تكون بلا هوية ولا ثقافة ولا معنى، فالموت والحياة سيان طالما قام شرطي العالم بجرائمه، مستندا إلى الفراغات القانونية واللاأخلاقية للمنظومة الدولية، إلى جانب تهافت البورجوازيات العربية، نحو تطبيع لحل ما يسمى بالنزاع العربي/الإسرائيلي، كخطوة استراتيجية للاحتلال لقضم ما تبقى من فلسطين التاريخية، والحقيقة أنّ إسرائيل إنّما تتمثل “الخطيئة التاريخية” للغرب باستمراره دعم احتلال الأراضي الفلسطينية.
العنصرية التي يمارسها الأمريكيون والغرب، هي في حد ذاتها حرية مطلقة لا تطيق اعتبار المغايرين لهم سياسيا وثقافيا “آخر” بإمكانه التعبير عن تاريخه وذاته، فالتاريخ هناك ليس بمقدوره التسليم بالحقائق الجغرافية والثقافية، إلا من زاوية “اعتراف الإمبراطورية” بالحق في القتل لمنظومة متكاملة من العنصرية والخوف، فما من سكان أصليين في فلسطين قبل 1948، وما من جرائم لا يتقادم حكمها إلا الإبادة التي تعرّض لها يهود أوروبا.

التهافت الغربي

ومع كل اتفاقية سلام ومفاوضات للحل النهائي يُختلق تاريخ جديد لأسطورة غربية تتلبسها الأزمات الهوياتية والعرقية والاجتماعية من كل جانب، ولولا الشتات الذي استجمعته الصهيونية لـ”مكافأة الغرب” على جرائمه ضد اليهود بتوطينهم وإحلالهم في أرض عربية، ما كان هذا التهافت الغربي لحماية “جريمة تاريخية” أخرى يسري العمل على استمراريتها، فهجرة اليهود من أوروبا وأمريكا إلى فلسطين، هو بمثابة ترحيل ناعم ممن تسبب لهم بأبشع الإبادة تاريخيا، إلى منطقة تقوم إسرائيل نيابة عن الغرب في شن حروب خاسرة مع الفلسطينيين. إحلال الشتات اليهودي لم يحمل سوى العنف والخوف مكان وهم الحرية والسلام، ومهما روّج الغرب للكيان الإسرائيلي بـ”ديمقراطيته الاستثنائية” في صورها المستحيلة على المنطقة، فإنّ إنكـار تهجير الآلاف من السّكان الأصليين لا ينتج إلا الذعر والدمار، ومزيدا من الاحتقان والمقاومة، والأهم من كل ذلك حركية مستمرة للتاريخ من شأنها أن تغير “مراكز التمكين” التي راهن الاحتلال الصهيوني على توطينها، الكبار يموتون نعم، لكن الصغار مستمرون في نضالهم الأبدي ضد غطرسة الصهيونية ووحشيتها وبربريتها. حينما تتداعى الحرية لكشف ما يتلبسه الغرب من قيم واهية، تتوالى الاتهامات ضد المناهضين لإسرائيل بمعاداة السامية، وربما يبلغ الذعر منتهاه من الحقيقة إلى قتل صحافية أمريكية أمام شاشات العالم تحت جرافة إسرائيلية، حينها تنزاح الأعراف والقوانين الدولية مخلدة موقفها المخزي واللاأخلاقي من التزامها الإنساني، ليتم الإجهاز على كل سردية مضادة من شأنها أن تبرز الهوان والتخبط الذي يعيشه الاحتلال الصهيوني داخليا وخارجيا، فـ”الديمقراطية الوحيدة” في المنطقة العربية كما يحب الغرب تصديرها ليس بمقدورها التخلي عن عسكرتها للمجتمع الإسرائيلي، ناهيك من “نزعتها الاستيطانية” خارج جدران الفصل العنصري الذي أسلمها للخوف من الفلسطينيين، فمن الإرادة الشعبية العربية المقاومة، وصولا إلى منظمات غير حكومية عالمية المناهضة لنظام الفصل العنصري الصهيوني، تستعجل “أسطورة الدولة الديمقراطية” في حرق أوراق تحضّرها مع كل بؤرة استيطانية تبنى، وحرب عبثية يقودها الساسة في إسرائيل، فالحرب ضد “الاستعمار في سرديته الصهيونية” تقودها شعوب العالم الحرّة منتفضة في كل عواصمه لإزاحة مساندة حكوماتهم لنظام الأبارتهايد، ومهما بدا موقف الشعوب “غير فعّال” لدفع محكمة الجنايات الدولية النظر في جرائم الحرب الإسرائيلية، إلا أنّه بإمكانه تغيير موازين القوة مع كل صرخة تقاطع فيها المنظمات والأفراد والمؤسسات، أيّ نوع من أشكال الدعم لإسرائيل، فعنصرية الاحتلال الصهيوني لا تكمن في نظامه السياسي فحسب، بل هي عنصرية متأصلة وموروثة عن استعمارية بربرية تستعدي الإنسانية والحرية، وديمقراطية الحصار وجدار الفصل العنصري، مآلها الزوال كما الاستعمار الغربي.
*
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية