يُميز جاك لوكارم لفهم تطور النوع السيرذاتي، بين ثلاثة أطوار: طور التشكلات الأولى (القديس أوغسطين، مونتاني)؛ طور البروز (روسو، شاتوبريان، ستاندال)؛ طور التفتح (جيد، ليريس، ساروت، سارتر)، وهذا الطور الأخير قد تزامن مع التنظير لهذا النوع، وكشف مع الوقت التباسا وتعقدا على مستوى إنجاز الميثاق؛ حيث بدا أن هناك فضاء جديدا من الكتابات الذاتية أخذ يتشكل ويطرح إشكالات على مستوى تلقي الميثاق. كما أن التغيرات الأساسية التي تتم في فضاء الكتابة السيرذاتية قد تركزت أساسا على النص ونوعيته التداولية، ما ترتب عليها إقصاء الذات التاريخية، أو المرجعية لصالح الذات الخطابية، أو المرجعية الذاتية، التي تمنح قيمة أكثر للتطابق الذي هو في حد ذاته «مركز» الميثاق السيرذاتي. وكما درست إليزابيث بروس ذلك في دراستها اللماحة «السيرة الذاتية باعتبارها فعلا أدبيا»، فإن المركز التي يتمثل في التطابق؛ أي تطابق المؤلف والسارد والشخصية، ومعه طابع المعلومات القابلة للتحقق، التي يتضمنها النص، لن يخضع للتغير، فيما العناصر القابلة للتحول الأنواعي داخل السيرة الذاتية هي «هامشية وجانبية».
خلخلة النموذج
بيد أن هذا التنويه المتكرر باستمرار، لم يكن لِيحول دون صعود الأشكال التي تنحرف عن النموذج القاعدي السيرذاتي، لذلك يتردد المؤلف في أن يقترض من أجناس الخطاب الأخرى الشكلَ الأدبي الذي لا يتطلبه الأنا السيرذاتي، ويناسب أفقه الكتابي ومصادره ومواد بنائه وحسب، بل يزيحه عن الواقعي لصالح المتخيل على وتائر مُطردة. وهذا ما حمل نقاد السيرة الذاتية، ولاسيما من ذوي مرجعيات النقد الطليعي، الوافد من التحليل النفسي وما بعد الحداثة (جاك لاكان، رولان بارث، دريدا، بلمان نويل، بول دي مان، إلخ)، على اقتراح تعيينات جديدة لتمييزها عن السيرة الذاتية التي جرت عليها أعراف التقليد الأدبي، وفي ضوء وسائط وعلائق جديدة لم تعد تراهن على التمثيل الذي يقوم على مبدأ تكافؤ الدليل والواقع، بل أخذت تخرق مبدأ التطابق/ التشابه بين الكتابة والواقع، وتسعف على التداخل بين العالمين الواقعي والتخييلي. ومن هنا، صار بإمكان اللغة تحويل الواقع وإزاحته، وبالتالي لا وجود لـ«الحقيقة إلا داخل النص»، بما هي أثر للمعنى ونتاج التفاعل اللغوي مع مراعاة الظروف والشروط التي تؤطر عمليات التواصل.
يبقى أي تعريف تعميمي للكتابة السيرذاتية منذورا للفشل، إذ ليس بوسعه أن يأخذ بأشكال التفرد والأصالة والسياقات المختلفة (الاجتماعية، التاريخية، الثقافية، السياسية والإثنية)، التي تكمن خلف إنتاج كل حكي ذي طابع سيرذاتي. صحيحٌ أن صاحب السيرة الذاتية يسترجع حياته الماضية ويتحرى الصدق على نحو ما، ويريد من هذا الصدق ـ الفني تحديدا- أن يحقق للنص انسجامه ووحدة الأثر خلاله، لكن سيكون ادعاء محضا الاعتقاد بأن المرجع لا يطاله الشك، وأن اللغة يمكن أن تُمثل الذات الساردة، وأيامها الخوالي بأمانة.
لا أعرف إن كان من حسن الطالع أو سوئه، أن التنظير اللوجوني للسيرة الذاتية، قد تزامن مع المقاربات ما بعد البنيوية، التي تهزأ مما هو «مرجعي»، أو على الأقل تُخفف من غلوائه. فعلى النقيض من التصور الدوغمائي لهذا النوع، والذي ساهم فيه فيليب لوجون نفسه، كانت تلك المقاربات ترى أن الذات مُتشظية ومنشطرة، والإحالة على الواقع الخارج نصي لا تكون إلا وَهْما، لأن اللغة في ما تفقد وضعها كوسيطٍ شفافٍ أو قناةٍ أقل إشكالية في ارتباطها بالمرجع خارج النص، وبالتالي فهي تدخل في لعب لا يتوقف من الكلمات التي تحيل، مثل المرايا، على بعضها بعضا، بدلا من أن تسجن نفسها في دلالة وحيدة وقطعية. سيكون لهذا التصور ما بعده وهو يقلب مفهوم السيرة الذاتية ومقولاتها المتواضع عليها. فالإحالة إذا كانت وَهْما، فلن تكون السيرة الذاتية أكثر من كونها شَكْلا تخييليا، أو عملا مُتخيلا يمكنه أن يُطلعنا بأمانة وشفافية على مؤلف السيرة وهُويته الواقعية، طالما أن الذات نفسها غير ثابتة ومنشطرة.
لا وجود للحقيقة خارج النص
إن فكرة انسجام الذات ووحدتها ليسا سوى وَهْـم، ولن يكون للأنا النصي، كما نوقِش في تحليلاتهم، علاقة جلية مع (أنا) المؤلف؛ وهذا يعني أنهم اعترضوا على مفهوم الحقيقة، وفي المقابل صدعوا بأهمية دور اللغة والخطاب في بناء الذاتية، بحيث تنبثق الذات والحياة بصورة دقيقة ومعقدة لتأخذا شكلا عبر الكتابة. فالنص السيرذاتي يعرض الحياة ويبني الذات، وهما معا يتطوران ولا يتشكلان إلا عبر فعل الكتابة، من أجل تحقيق كيان نهائي وتام لم يكن موجودا في البداية. بمعنى آخر، ينبثق الأنا السيرذاتي، الذي لم يكن واقعا في البداية، من رحم النص وينكشف بوصفه بناء نصيا. وقد انتبه جورج غوسدورف إلى الوضع الذي أخذت تنحرف إليه السيرة الذاتية مع مفارقة ما بعد الحداثة، إذ زعم أن مفهوم الإنسان والشخصية والفرد المتمركز عليه بحد ذاته والمسؤول عن أفعاله وحركاته، لن يكون في نهاية المطاف إلا شبحا.
لكن ما يهمنا معرفته هو أن إشكالية التطابق صارت لسانية ونصية في المقام الأول، وقد ساهم الفهم النظري الذي رسخته كتابات ما بعد البنيويين ودافعت عنه، في تقرير استحالة المطابقة الكُلية، عبر اللغة، بين «أنا» ذات التلفظ و«أنا» ذات الملفوظ، وبالتالي يستحيل التعرف على صورة الذات المرجعية، لأن كل مفهومٍ عن التمثيل المطابق ليس إلا ضربا من مكر الـمتخيل. ويهمنا كذلك، في هذا السياق، أن نستشهد بتعددية المحكيات المقطعية والشذرية التي أخذتها بدورها تُفكك المفهوم التقليدي للذات، بشكلٍ مُتوازٍ مع الدعوة إلى نقد جديد للنص يُثمن دور القارئ ويُنظر لفعل القراءة، بقدر ما يقود الأمر إلى «موت المؤلف» بتعبير رولان بارث، وهو يخوض سجاله الضاري ضد ريمون بيكار ذي التوجه اللانسوني؛ أي المؤلف بوصفه ذاتا مُوحدة. كان لهذا السياق أثره في صياغة فهم جديد للنص السيرذاتي وإعادة التفكير فيه ككيانٍ دال في حد ذاته: «في مجال الذات، ليس ثمة من مرجع»، تلك العبارة الشهيرة التي كانت تلخص جوهر السيرة الذاتية المسماة «رولان بارث بقلم رولان بارث» (1975)، وهي السنة ذاتها التي أصدر فيها فيليب لوجون «الميثاق السيرذاتي». يا لمكر التاريخ!
بغض النظر عما مثلته بوصفها سيرة ذاتية مُضادة، كانت نموذجا للانتقال من لهجة الواقع إلى التخييل داخل مجال السيرة الذاتية، انطلاقا من التصور البارثي للعلاقة بين الذات والنص، أو بين الذات واللغة. ينفي عن نص السيرة مبدأ التطابق الثلاثي، وينفي طبيعته المرجعية، مستفيدا في الأمر من التعريف الذي يعطيه جاك لاكان لمفهوم المتخيل. إشكالية الطابع المرجعي للغة لا يمكن أن تُفصل عن العلاقة بين الذات واللغة، ويبقى المتخيل يبقى هو سيد الفعل في البناء النصي للحياة، ولا ينتهي من الرغبة في ذلك باستمرار.
ما صنعه رولان بارث ومن في ذريته، أنه ساهم في تدشين خطاب جديد يمكن تسميته بـ»الإبستيمولوجيا ما بعد الحداثية»، ومن دعاواه رفض التصور الإنسي للذات، باعتبارها مصدرا لدلالة الخطاب. فقد تمت إزاحة الذات ما بعد الحديثة عن المركز، وجعلها بلا مركز ثابت، أو خارج نصي تسند إليه دلالة النص، كاشفة عن كون الإمكانات المرجعية للغة هي على الدوام في موضع شك. لم تعد الذات تدرك نفسها كوحدة، بعد أن استحالت إلى مُجرد خطابات وشيفرات تتجاوزها وتحدها، ولم يعد لوعيها الـمُهدد بدوافع لاوعيها السلطة المطلقة على تصرفها. تظل الذات مقطعية ومتشظية ومُجردة من وعيها الحاضر في حد ذاته، بل باتت تخضع ـ باصطلاح جاك دريدا- للعبة «إرجاء» مستمرة؛ بلا رسو ومن دون مرجع.
هذا التأمل المناوئ للمرجع الذي يحصر النص في الاشتغال اللاشخصي للغة، قد وجد صداه كذلك عند جيل دولوز وهو يفضح «الأنا» المرجعي، بقوله: «ليست الكتابة أن يحكي ذكرياته، أسفاره، حبه، حداده، أحلامه واستيهاماته، إذ لن يكون الضميران الأولان هما من يستفيد من شروط التلفظ الأدبي؛ فالأدب لا يبدأ إلا عندما يولد فينا ضمير الغائب الذي يرفع عنا سلطة قول أنا».
هذه الحركة الواسعة نحو التفكيك واللاتحديد واللامرجع لم تكن حكرا على المدرسة الفرنسية، بل حتى إن المنظرين الأنغلوفونيين أنفسهم، وفي طليعتهم جيمس أولني وول دي مان وروبرت إلباز، انخرطوا في «نقد الكتابة»، المظهرَ المرجعي للسيرة الذاتية وركزوا على نصية النوع. فالسيرة الذاتية تمثل، في نظرهم، إعادة بناء ذاتي، بل هي الأكثر ارتيابا من بين كل الأنواع الأدبية بسبب «مشروعها لكتابة ماهية الذات». لا توجد الذات إلا عبر التلفظ، وهي ليست إلا «أثرا للغة»، حتى إن كانت السيرة الذاتية ليست إلا تَخْييلا للذات، فهذا التخييل نفسه بالغ الخطورة، لأنه يظل على الدوام مثالا على إبداعية المؤلف الذي لم يعد يهمه صدق ما يكتبه وحرصه على التمثيل الوقائعي الوفي للأحداث، وإنما الكيفية التي يستطيع بها تمثيل الذات وإعادة بنائها، سواء في صراعها مع الحقيقة، أو في بحثها عن الهوية بصورة مبتكرة.
كاتب مغربي