نوروز سوريا … عيد يحتفي بالهوية والتآخي

لعيد النوروز أو النيروز، الذي يصادف في 21 مارس/آذار من كل سنة ميلادية، وقع مميز عند الأكراد، وعلى الرغم من كونه عيدا مرتبطا بدورة فصل الربيع في التقاويم السنوية للعديد من شعوب المنطقة، إلا أنه عند الأكراد عيد قومي وثيق الصلة بالتفرد والهوية، وقد أسبغت عليه نفحات تأصيلية تجعله يوما للحرية والتفاؤل بأيام مشرقات لا استغلال فيها ولا عدوان، وصار الاحتفاء مناسبة مزدوجة لتخليد رمزية ثورة كاوة الحداد، ومقاومته للظلم الذي يمثله الحكم الجائر للملك الضحاك، حسب الأسطورة الكردية.

بناء جمهورية سورية ثانية جديدة تعاكس انحطاط جمهورية الأسد البائدة، مهمة أعسر بما لا يقاس بالنسبة لمهمة الهدم، وهي مهمة مشرفة لكل الحالمين من السوريين، بوطن لا يستحق غير الفرح

دعوة أوجلان لعيد شامل

عبدالله أوجلان واحد من أكثر قادة الحركات الثورية الكردية وغير الكردية في المنطقة تجليا، بخصوصية فكرية وحركية استثنائية، مع قابلية فذة، تجذيرا للمقاصد، وتجاوزا للتابوهات الأيديولوجية والقوالب الجاهزة، التي أصابت أصحابها بالجمود العقائدي والعور الفلسفي، الذي انعكس بتخبط المواقف والانكفاء، أو التعصب الأعمى، ثم الانحدار إلى التطرف الانتحاري، الذي لا تفصله عن التطرف اليميني، سوى شعرة معاوية، القابلة للانقطاع، مع أول عرض للديمومة بكفالة البندقية، التي تغير اتجاه فوهتها بتغير المستثمرين والممولين والمستفيدين من أعراض شططها. أوجلان لا يعتقد بأخلاقية وشرعية نهج، عدو عدوي صديقي، فالتحالف مع الشيطان يشيطن القضية مهما كانت عادلة، ومن يحيد عن الصراط المستقيم للمبادئ الحرة، التي يتوسم بها تآخي الشعوب بأممية نابضة بالعيش الكريم للجميع، سيجد نفسه منساقا للتحالف مع الصهاينة، أو الأمريكيين، وقد يجد غدا مبررا لتحالفه مع من يلعب دور المدافع عن الشيطان نفسه. دعوة أوجلان لعقد مؤتمر استثنائي لحل حزب العمال الكردستاني، وإنهاء مرحلة النضال المسلح لصالح النضال الديمقراطي، بسبب نضج شروطه، وفك الاشتباك العابر للحدود بين الأكراد من مواطني الدولة التركية، والاكراد من مواطني الدولة السورية المهيأة أكثر من اي وقت آخر، لبناء دولة المواطنة الواحدة، وفصل السلطات، وحرية التعبير، والتداول السلمي للسلطة بانتخابات حرة ونزيهة، هي تصويب بليغ على عين الهدف.

ضربة معلم

الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي رئيس قوات سوريا الديمقراطية، والقاضي بالاندماج بالدولة السورية عسكريا ومدنيا، جاء بتوقيت غاية في الحساسية والاستحقاق، فبناء جمهورية سورية ثانية جديدة تعاكس انحطاط جمهورية الأسد البائدة، مهمة أعسر بما لا يقاس بالنسبة لمهمة الهدم، وهي مهمة مشرفة لكل الحالمين من السوريين، بوطن لا يستحق غير الفرح، وطن يستحقه كل من عشق الياسمين الشامي، والغار الحلبي، وتغنى باغاني أبناء جبل العرب، ورقص لايقاع النوروز، وصلى في باب توما والجامع الأموي وساح في أمواج بحر سوريا وتعلل بضياع علوييها، سوريا تستحق عربها وكردها ودروزها وعلوييها وسريانها وتركمانها وشركسها وكل من عليها من العاشقين.

انتهازية إسرائيل ونقمة أصدقاء الأسد

تكالب القوى المتضررة من سقوط حكم الأسد، يأخذ أبعادا جديدة تتأقلم مع المستجدات المحيطة، وتتغذى على الصعوبات الداخلية التي يواجهها النظام الجديد في تجاوز عتبة الانتقال من ساحة الهدم إلى المباشرة بعملية البناء، والتداخل الحاصل يزيد من الأعباء، خاصة أن ميدان الهدم هو ذاته ميدان البناء الجديد، وأن القوى المضادة ما زالت تعيق العمليتين معا، وبما أن شروط وأدوات البناء الجديد غير كافية، بحكم التركة الثقيلة للخراب الشامل في جسد الدولة والمجتمع، والقيود الذاتية والموضوعية التي تحكم قيادة عملية التحول، كالعقوبات الدولية المفروضة على سوريا، والفاعلية المحدودة لدعم القوى المحلية والإقليمية والدولية المساندة لطبيعة التحول الجاري، تركيا وقطر اكثر دول الإقليم دعما ومساندة للنظام الجديد، سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وربما أمنيا، لكن دول الإقليم الأخرى، خاصة دول الجوار، العراق والأردن ولبنان، متباينة في مواقفها سلبا وإيجابا، وقد كان واضحا مقدار القلق والريبة من كلمات وزيري خارجية العراق ولبنان في اجتماع عمان، لسوريا ودول الجوار، وقد أبطنت بعض التقارير وجود أدلة على نشاط معادٍ من الحدود العراقية واللبنانية للتأثير في تفاعلات التحول السوري مدفوعة من إيران، عبر جماعات موالية لحزب الله وبعض الميليشيات العراقية، بتواصل مع فلول النظام السابق في الداخل والخارج، وإقليميا هناك توجس عام من المرجعية الأصولية لقيادة التحول السوري، على الرغم من التطبيع معه كأمر واقع، كما في الحضور السوري للقمة العربية، والتمثيل الكامل في منظمة التعاون الإسلامي، دولة الامارات أكثر دول الخليج انسجاما مع مصر في الموقف المتحفظ من النظام السوري الجديد، دوليا تجري مراقبة سلوك القادة الجدد وربط رفع العقوبات بمقدار تقيدهم بمطالب البناء المدني للدولة الجديدة، وقد نجح الشرع وحكومته حتى الآن في نيل المقبولية، ولكن التجاوزات الإسرائيلية المتواترة تشي بأن هناك من يراهن على انتهاز فرصة الإنهاك السوري، لانتزاع تنازلات صعبة بخصوص العلاقة مع إسرائيل، كالتطبيع معها مقابل التزام إسرائيل باتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 74، بمعنى التنازل الضمني عن هضبة الجولان، وتحاول إسرائيل التأثير على الموقف التركي، من خلال استبقاء الوجودين الأمريكي والروسي في سوريا، وإحراج الحكومة السورية، من خلال زعزعة شرعيتها بواسطة مد جسور علنية مع أطراف سورية لها حضور، لاستمالتها في محاولة منها من تركيع الحكومة السورية الجديدة، وتركز إسرائيل حاليا على التجمع الدرزي لقربه الجغرافي، وتداخل العلائق بين دروز شمال فلسطين، ودروز سوريا، خاصة في جبل العرب، لكن محاولاتها تصطدم برفض الأكثرية الدرزية للمحاولات الإسرائيلية.
تمادي أصدقاء نظام الأسد في الداخل والخارج وفلوله في معاداة النظام السوري الجديد، يجعلهم عمليا يتمترسون مع إسرائيل في خندق واحد وهذا ما يكذب مزاعم ممانعتهم لها، ومقاومتهم لعربدتها فمن يناضل ضد احتلالات وانتهاكات إسرائيل لا يصب الماء في طواحينها.
كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي جمال محمد تقي. سيكون التغلب على إبتزاز الإحتلال الإسرائيلي ومحاولاته لشق وحدة الشعب السوري من أصعب التحديات لسوريا الجديدة. وخاصة التعاون مع الحكومة الأمريكية ضد رفع العقوبات إلا بمقابل غير مقبول على الإطلاق! مع أن هذه العقوبات لاعلاقة لها إطلاقاً بسوريا اليوم.

اشترك في قائمتنا البريدية