قبل الانتخابات النيابية اللبنانية بأسابيع، كانت استطلاعات الرأي والمواقع الاخبارية والمتابعون، وأنا واحد من هؤلاء، يتحدثون عن فوز نظيف سيسجله “حزب الله” وحلفاؤه في نيلهم أكثرية مطلقة داخل المجلس النيابي قد تصل إلى حدود 70 من أصل 128 نائباً.
كان الحديث جاريا على قدم وساق عن تمكّن الحزب من الحصد، بواسطة حلفائه، ثلاث كتل نيابية من طوائف مختلفة، تكون بمثابة “ودائع” لدى الطوائف الأخرى: كتلة سُنّية، كتلة درزية، وكتلة مسيحية على رأسها “التيار الوطني الحرّ”.
قوى التغيير والمجتمع المدني
لكنّ ذلك لم يحصل بالأعداد المتوقعة، وانتهت الانتخابات بمفاجأة كبيرة أفضت إلى تقدّم قوى التغيير والمجتمع المدني بشكل لافت، وصل إلى حدود حصد 25 نائباً، وبالتالي حرمان أيّة جهة من الأكثرية المطلقة من دون الاستعانة بالطرف الآخر.
خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بعد الانتخابات بيومين، ليقول ذلك صراحة ويؤكد عليه. قال نصرالله إنّه “لا يوجد فريق سياسي اليوم يستطيع الادعاء بأنّ الأغلبية النيابية معه، ما يعني أنّ الكل مسؤول ولا يجوز لأحد التخلي عن المسؤولية”، داعياً الجميع للذهاب إلى “نقاط الاتفاق والتعاون وتهدئة السجالات السياسية”.
نصرالله وقبله نائبه الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، ما انفكوا يدعون الجميع إلى “حكومة توافقية”، بشكل مريب يوحي بأنّ الحزب يتوجّس من فكرة التفرّد بالحكم. هذا الخطاب استدعى رعد إلى اتهام كل من يرفض التوافق بـ”استدعاء الحرب الأهلية والتحريض على وقوعها”.
قد يبدو مفهوماً أن يدعو الخاسر في أيّ الانتخابات إلى “التوافق” ليضمن بقاءه في السلطة، وأو لأن يتحاشى تهميشه. لكنّ أن يدعو حزبٌ ممسك بكل مفاصل الدولة السياسية والأمنية والقضائية والعسكرية إلى التوافق ومشاركته الحكم، متنازلاً عن قدرته في الاستيلاء على السلطة بشكل كامل وبلا مبررات وأعذار، وبقوة القانون والديمقراطية، فهذا ما يبدو غريباً ومستهجناً.
الأرقام النهائية للانتخابات الصادرة عن وزارة الداخلية اللبنانية، تؤكد أنّ “حزب الله” هو الأكثر شعبيةً على الإطلاق من بين الأحزاب اللبنانية، وذلك بحصول نوابه على 347 ألف صوت تفضيلي. أي زيادة بنحو 4 آلاف صوت عن عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب في انتخابات العام 2018. هذه الأرقام تعني أنّ الحزب لم يكن محشوراً مثلما حاول البعض التصوير، وأنه كان قادراً على رفد حلفائه بالأصوات التفضيلية الإضافية لمنعهم من تجرّع كأس الخسارة.
لكنّ حزب الله لم يفعل ذلك، بل ساعد “التيار الوطني الحرّ” وامتنع عن مساعدة الآخرين… فسقط له على الطريق الكثير منهم. حلفاء محسوبون عليه في الظاهر، لكنّهم فعلياً “ودائع سورية” في حلف الممانعة، وأبرزهم: النائب طلال أرسلان، والوزير السابق وئام وهاب في الجبل، ونائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي في البقاع، رجل الحزب القومي السوري الاجتماع النائب السابق أسعد حردان، إضافة إلى حلفاء آخرين من الطائفة السنية مثل مرشّح جمعية المشاريع (الأحباش) في بيروت أحمد دباغ… وكلّهم مقربون من نظام بشار الأسد في سوريا.
لم ينجُ من هذه المعركة إلاّ قلة من بين هذه الودائع، مثل الوزير الأسبق حسن مراد، الذي يملك حيثية شعبية في منطقة البقاع الغربي يصعب تخطيها، فلم يكن بحاجة لأصوات الحزب، والنائب جميل السيد الذي شفع له أنّه من الطائفة الشيعية.
على سبيل المثال، لو صبّ “حزب الله” 3 آلاف صوت تفضيلي من أصوات مرشّحه البيروتي أمين شريّ التفضيلية (في الانتخابات الماضية حصل على 23 ألف صوت وهذه الانتخابات 26 ألفاً) لفاز دباغ ولعزّز “حزب الله” من حظوظ حلفائه… لكن خطة الحزب كانت بخلاف ذلك.
هذا كلّه يدّل على أن حزب الله لم يكن متحمساً كفاية لنيل الأكثرية النيابية المطلقة داخل المجلس، بل صبّ كل اهتمامه على عدم حصول أي خرق في صفوف الطائفة الشيعية. كان يعلم الحزب بأنّ خرق أي مقعد من مقاعد الشيعة الـ27 سيكون بمنزلة ثغرة كبيرة لاحتمال خسارته و”حركة أمل”، معركة رئاسة مجلس النواب، أو في أضعف الأيمان الدخول بجدل سياسي ومناقشات قد تضطره إلى استخدام سلاحه أو عضلاته في الداخل من أجل فرض إرادته.
رأي آخر يقول إنّ “حزب الله” فعل ما يمكن أن يفعله، وأنّ موجة “التغيير” كانت أقوى من قدرته على إنقاذ أحد. لكن بمعزل عما إذا كان “قادراً ولا يريد” أو “لا يستطيع”، فإنّ “حزب الله” فضّل التركيز على ضمان مقاعد الطائفة الشيعية كاملة وسدّ أي ثغرة في باب “الخرق”، وذلك لضرورات تخصّ المرحلة.
ماذا يريد حزب الله؟
يعلم “حزب الله” أنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان وصلت إلى حائط مسدود، وأنّ التفرّد في القرار وبالتالي السير بسياسة “اللون الواحد”، وإقصاء الآخرين وإحداث خلل بالتوازنات الإقليمية داخل لبنان، ما عادت تجدي نفعاً. يعلم الحزب جيداً أنّ بقاءه متصدراً الواجهة السياسية اللبنانية سيشكّل عائقاً أمام مساعدة لبنان لإخراجه من كبوته الاقتصادية، إن كان بواسطة خطّة مع صندوق النقد الدولي أو من خلال الدول المانحة وخصوصاً دول الخليج العربي.
جمهور المقاومة بات في الحضيض. الجوع يجتاح بيوت الجنوبيين والبقاعيين وأهل الضاحية الجنوبية، حيث يعيشون في الظلام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لنحو 20 ساعة من أصل الساعات الـ24. المقتدر منهم فقد أمواله في أزمة المصارف وأرسل في السرّ يقول للحزب والحركة مجتمعين بأنّ “السلاح لم يحمٍ الودائع”.
إذا ربطناً هذه المعطيات الداخلية مع أخرى خارجية تخصّ جولات التفاوض بين المملكة العربية السعودية وإيران التي بقيت نتائجها سريّة إلى الآن، وإذا أسقطنا هذا كله على الكلام “التهدوي”، الذي صدرت من نصرالله في الخطابات الثلاث الأخيرة، ثم عطفنا هذا كله على معلومات متواترة بدأت تظهر في الإعلام اللبناني، كان آخرها من محطة MTV المقرّبة من القوات اللبنانية حليفة المملكة العربية السعودية، يقول إنّ المملكة ستقوم بـ”ردّة فعلٍ إيجابية” نتيجة تراجع سيطرة “حزب الله” على المجلس النيابي… ربّما نفهم لماذا “حزب الله” كان براغماتياً في هذه الانتخابات، ولماذا فضل التراجُع خطوة إلى الخلف.
إذا عادت المملكة العربية السعودية إلى لبنان ومدت يد العون، نتيجة ثقتها بالمعارضة للقيام بالإصلاحات، وإذا دعمت لبنان من خلال ضخّ دولارات في المصرف المركزي لثباتِ الليرة اللبنانية، بحسب ما تتواتر المعلومات، يكون “حزب الله” قد فتح كوة في جدار الأزمة، ومهّد الطريق أمام المساعدين ليساعدوا، وبالتالي يكون قد حافظ على “ماء الوجه” من خلال تخليه المتعمّد عن أغلبية نيابية قد تضره ولا تفيده.
وعليه، يبقى المشهد مربوطاً بخيارات التغييرين والمستقلين والمعارضين… كيف سيلاقي كل هؤلاء “حزب الله” إذا ثبت أنّه فعلاً يحاول التراجع؟
كاتب لبناني
….معنى ذلك أن حزب الله كان يقف عرضة في طريق تصويب الوضع الاقتصادي اللبناني وانعاشه وانه بشكل او بآخر سبب من اسباب تردي الوضع هلى معظم الصعد في لبنان وفي ذلك ادانة للحزب كما انهادانة لما يمكن تسميته بالهروب المنظم او الانسحاب التكتيكي بلغة العسكر عندما ايقن انه لن يستطيع تقديم حلول للوضع حتى بالاستعانة مع حلفائه ايران وسوريا وان المعسكر المقابل ( الامريكي وحلفاؤه ) هو الذي بيده مفاتيح الحل في الوقت الراهن على الاقل وان الحزب قادر على العودة بعد انفراج الاحوال خاصة ان الحزب حزب ديني عقائدي .. ربما