هل يعرف الأردنيون مصلحتهم؟

يطرح دبلوماسيون وسفراء أجانب هذه المرة في اجتماعات يقولون إنها بهدف «التحاور والتشاور» في عمان «أسئلة مسمومة». بعض تلك الأسئلة تتقمص حالة «الباحث العفيف» وهي في جذرها غير نزيهة.
ورشة عمل لإحدى السفارات الغربية أحضرت بعض «أصدقائها القدامى» وطلبت منهم الإجابة على أسئلة استبيانية قيل إنها بسيطة وتبين أن معظمها يحاول تحليل وفهم طبيعة العلاقة الأردنية مع قضية فلسطين.
أحد تلك الأسئلة: هل تعتقدون أن الإضراب الأخير الذي نجح تنفيذه تضامنا مع قطاع غزة يمكن أن ينظم لاحقا لأسباب «داخلية»؟.
ثمة نماذج أخرى من تلك «السميات» التي ترتدي قميص «فضول الدبلوماسيين».
هل تعتقدون أن الأفضل للشعب الأردني أن تتوفر حاضنة شعبية لحركة حماس بنسبة 85% دوما ؟.

الإضراب الذي التزم به الأردنيون بنسبة كبيرة نجح بكل بساطة محليا ليس لأن بعض التلاوين السياسية كانت وراءه بل لأن الإنسان الأردني عموما يشعر بالعجز الرسمي والأهلي عن تقديم أي شيء حقيقي يحدث فارقا قياسا بحجم المجزرة والجريمة

كيف تتصورون أن حكومتكم يمكنها الاستغناء عن «المساعدات الأمريكية والألمانية والغربية» للسنوات المقبلة بسبب تفاعل الشعب المتسرع مع «الإسلام السياسي»؟.
طبعا لابد من أسئلة مماثلة تطرح في الزوايا والتكايا التي تتلاقح فيها الأفكار مع ممثلي الدبلوماسية الأوروبية حيث توجد طبقة محترفين محلية تلعب، وهي تتحدث باسم الناس، دور «الوكيل والسمسار» المصر على تكريس حبال الود والوصال مع الدول الغربية رغم كل مآسي وكوارث وجرائم غطائها الأخير الممنوح للعدو الإسرائيلي في قصفه الضعفاء في فلسطين المحتلة.
أكيد ثمة أصحاب رأي يمكن الاختلاف معهم بدون علبة اتهامات.
لكن بوضوح القصد من طرح أسئلة خبيثة من هذا الصنف الإيحاء أولا- بأن مراكز السفارات الغربية بيننا تراقب كل صغيرة وكبيرة وتتابع واجباتها وتخطط للتفكير بمراجعات لها علاقة بحقائق ووقائع موقف نبض الشارع الأردني. وثانيا- الإيحاء بأن على قوى الشارع الأردني أن تتنبه لأن موجات التعاطف الكبير مع المقاومة الفلسطينية والتنديد بالسياسات الأمريكية والغربية ودعم حركات مثل حماس وغيرها يمكنها أن تلحق الأذى لاحقا بالمصالح الاقتصادية للأردنيين.
إن طرح تلك الأسئلة على أردنيين من صنفين الأول «متمكن من إجابة ورد» والثاني»غافل وضعيف» مؤشر على عملية منهجية تتقصد ما يمكن وصفه بعلم الاتصال «تغيير الإطار المرجعي القيمي» للشعب الأردني أو – وهذا الأهم – التلويح بالتهديد وركوب موجة التخويف.
طبعا توحي المسألة ضمنا بأن نشطاء السفارات هنا يحاولون خدمة مصالح ومواقف بلادهم عبر مسلسل «تخويف الأردنيين» من خياراتهم الوطنية وحصرا الفلسطينية مرحليا لا بل يجتهدون في إظهار قدرتهم على «العمل والإنتاج» في عمق المجتمع النخبوي الأردني لتغيير الانطباعات والقناعات أو على الأقل الإيحاء بأنهم «يحاولون ذلك» ولو بصيغة «طهي الحصاة».
الجهل الحقيقي في فهم عقلية المواطن الأردني هو الذي يدفع باتجاه هذا النمط من « التغابي أو التذاكي» بصياغة الأسئلة والادعاء بأنها مطروحة ببراءة بعدما سقطت في وجدان الأردنيين، إثر «أهوال القصف الوحشي» على غزة، كل الأقنعة والاعتبارات الذاتية.
الإضراب الذي التزم به الأردنيون بنسبة كبيرة نجح بكل بساطة محليا ليس لأن بعض التلاوين السياسية كانت وراءه بل لأن الإنسان الأردني عموما يشعر بالعجز الرسمي والأهلي عن تقديم أي شيء حقيقي يحدث فارقا قياسا بحجم المجزرة والجريمة.
وبالتالي لو كان باستطاعة الناس مثلا «التوجه إلى غزة للقتال أو للمساعدة» لأرسلت عشائر وتكوينات الأردنيين عشرات الآلاف من أولادها للتطوع والمساهمة ولما فكر أصغر تلميذ بأي مبادرة لها علاقة بفعاليات لا تعني الكثير بكل حال مثل الإضراب أو التظاهر.
لو وجد الأردنيون دولة عربية أو إسلامية واحدة تستطيع نقل وتأمين تبرعاتهم المادية والعينية للأهل في غزة مع ضمانات لما وجد الملتقى المختص بتنظيم التظاهرات ركابا يستطيع إلحاقهم بفعالياته.
لو قيّض لأي دولة أخرى أن تُحضر «أيتام غزة» أو جرحاها بإشراف الدولة الأردنية لوجدت طوابير الأردنيين على بوابات المساعدة والإغاثة والتضامن، ولتبرعت النشميات بالحلي وبكل ما يملكن مثلا ولباع الأردنيون رغيفهم أو تقاسموه.
لذلك يتجاوب الناس مع المتاح لهم حتى وإن فكر به آخرون أو غرباء أحيانا وأزعم، حتى لا يتحفنا «السفراء إياهم» وعباقرة «الشد العكسي» بحديث مضجر عن «مؤامرات ودسائس»، أن المتاح لتفريغ الإحساس الرهيب بالألم والخوف والميل لتقديم أي شيء كان حتى الآن تعبيرات مثل «مظاهرة… إضراب… مقاطعة منتجات… هتافات وصور لأبو عبيده».
عمليا لو أتحفنا عباقرة السفارات الغربية ووكلاؤهم المحليون بصمتهم لفهمت مراكز القرار بأن تلك المساهمات والمشاركات ليست ولا يمكنها أن تكون يوما موجهة لمناكفة «الدولة أو الحكومة والقرار الرسمي» لأن حجم ومستوى الاحتقان بسبب طبيعة ارتكاب المجازر في فلسطين.
ولاحقا بسبب «حجم الغطاء الأمريكي والغربي» لتلك المجازر هي الأساس في أولا تأزيم الجملة العصبية عند الأردني، وثانيا- اندفاع الجموع بطريقة عفوية وتلقائية نحو «التعبير بالمتاح عن مشاعرها».
أولا وثانيا بكل بساطة قوته عابرة للأخوان المسلمين وماكينتهم ولكل القوى الحزبية، وقد آن الأوان لمراكز القرار الحكومي والرسمي أن تفهم ذلك بدلا من الاسترسال في تبرير عجز المواقف الرسمية العربية عبر «شيطنة» مظاهر التعبير بدلا من شيطنة العدو ومجازره ووكلائه.

كاتب أردني

  • ،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول تيسير خرما:

    نظام الحكم ملكي نيابي وليس شوارعي فوضوي بل نشأ بشرعية مبايعة عشائر وقبائل وذوات من كل منبت لقيادة هاشمية جيدة أمينة بنظام حكم دستوري ملكي نيابي يحترم مكونات وحقوق إنسان ومرأة وطفل ويحمي نفس وعقل ومال وعرض ومساواة أمام عدالة أسوة بأول دولة مدنية بالعالم أقامها سيدنا محمد (ص) قبل 14 قرناً وهذا عقد الأردن الاجتماعي وتبنته أكثرية ساحقة تتيح الضرب بيد من حديد على كل من يدفع باتجاه فوضى أو يطمس الدين الوسطي بتأويلات تؤسس لكراهية وفتن وقلاقل وعدمية ومراكز قوى وإرهاب وتنقض عقد الأردن الاجتماعي واستقراره

  2. يقول سيف كرار... السودان:

    اندفاع الجموع بطريقة عفوية وتلقائية نحو «التعبير بالمتاح عن مشاعرها»…. اعتقد يا استاذ بسام هذا تعبير جميل ويتناسب مع أوضاع الأردن الجيوسياسية، والتحليق في مدي معقول….

  3. يقول مواطن اردني فاهم بين السطور:

    رد على الكاتب – الاردن لاردنيين والي نسى هذا كلام وفكرها فالتة لازم يفهم انو صبر الاردنيين الو احتمال سكوتهم الو حدود احترام لدولتهم والا لكل حادث حديث والي بعتقد انو الاردن فالتة هذا مابعرف الاردن ولا الاردنيين وافهم الي بتفهم كل واحد يلزم حدو احنا عارفين هاي حركات وفهمينها وساكتين بمزاجنا لحتى نشوف شو اخريتها

  4. يقول رد على الكاتب:

    الاردن لاردنيين والي نسى هذا كلام وفكرها فالتة لازم يفهم انو صبر الاردنيين الو احتمال سكوتهم الو حدود احترام لدولتهم والا لكل حادث حديث

  5. يقول أكاديمي أردني:

    من الثوابت الراسخة للشعب الأردني عدم قبول أي شكل من اشكال البلبلة السياسية بدوافع غير بريئة، كما أن من ثوابت الشعب الأردني الدفاع عن فلسطين والشعب الفلسطيني حتى يعود لبلده معززا مكرما.

  6. يقول ابو سلامه:

    القضيه الفلسطينيه تتداخل فيها وبقوه اطراف اقليميه ودوليه لا قبل للاردن المحدود القوه والاِمكانات بمقارعتها بدون عون ودعم امر وغربي .لينظر الاردنيون حولهم , سوريا تمطرهم بوابل من المخدرات والعداء القديم المستحكم .
    الفلسطينيون في الضفه ( وحتى داخل الاردن ) عندهم عداء متجذر في عقلهم الباطن تجاه الاردن ولا يُعتقد انهم يمانعون في كيان سياسي في الاردن ولهم محاوله سابقه ( ايلول 1970)لم يُنقذ الاردن منها الا الدعم الامريكي .

  7. يقول ابو سلامه:

    القضيه الفلسطينيه تتداخل فيها وبقوه اطراف اقليميه ودوليه لا قبل للاردن المحدود القوه والاِمكانات بمقارعتها بدون عون ودعم امريكي وغربي .لينظر الاردنيون حولهم , سوريا تمطرهم بوابل من المخدرات والعداء القديم المستحكم .
    الفلسطينيون في الضفه ( وحتى داخل الاردن ) عندهم عداء متجذر في عقلهم الباطن تجاه الاردن ولا يُعتقد انهم يمانعون في كيان سياسي في الاردن ولهم محاوله سابقه ( ايلول 1970)لم يُنقذ الاردن منها الا الدعم الامريكي .

  8. يقول AR:

    احسنت استاذ بسام للأضاءه حول هذه النقطة. معظم موسسات المجتمع المدني تتذاكى بهذه الورشات والسخافات التحصيل على اموال الدول المانحة، والدول المانحة ليست بالغباء، بل تعلم ان هذه الفلوس الموجهة لهذه الورش والنشاطات هي تبذير اموال، ولكن تستمر بها لانها رشوة للنخب الثقافية والمجتمعية وسيدات وسادة المجتمع المسترزقة من هذه الجمعيات. فهي شراء سكوتهم لان التغيير يبدأ من النخب

اشترك في قائمتنا البريدية