عندما كنت طفلة صغيرة، كانت أحلامي صغيرة ومختلفة عن أحلامي في هذه الأيام، كان هذا في السنين السابقة، كنت أحلم بأن أصبح معلمة في مدرسة، كنت أرى أن المعلمة (مالكة) مديرة مدرستنا، هي أهم شخصية عرفتها، الكل يحترمها ويطيعها، الطلاب والمعلمون والمعلمات والأهالي وعمال النظافة والصيانة وبوّاب المدرسة، بعضهم يخاف منها، وخصوصا المعلمين، حتى المعلم (جمال) الذي يخاف الجميع منه، فهو أمامها مثل الطفل الصغير، رأيتها مرّة كيف وبّخته وهو صامت لا يرد عليها بكلمة، ويطأطئ رأسه في الأرض.
عندما كبرتُ قليلا، توقفت عن حلمي بأن أصبح معلمة، فقد رأيت أن الكثيرات ينتظرن دورهن لبدء العمل في هذه المهنة، عرفتُ هذا من خالتي، فهي تملك شهادة تدريس ولكنها لم تتوظف حتى الآن، وتنتظر منذ سنين، ربما من قبل ولادتي، كثيرا ما سمعتها نادمة لأنها اختارت هذه المهنة، وقد حاولتْ أن تتوظف، وأرسلت رسائل كثيرة للمسؤولين، وذهبتْ إلى الناصرة والقدس، ولكنها لم تُقبل، جميع الأصدقاء يقولون إن توظيفها يحتاج إلى واسطة، فهناك الآلاف ممن ينتظرن الوظيفة، والشهادة لا تكفي، لأن الآلاف يملكون مثلها، ولهذا يجب أن تتوجه إلى شخص له كلمته في الوزارة كي يفضّلوها عن غيرها، وخالتي عنيدة، قالت إما أن أتوظّف بحق وجدارة حسب القانون، وإلا فلا أريد، ولكنها خلال انتظار سنوات تعلّمتْ مهنة التجميل، المعلمات صرن يحسدنها على عملها، هذا جعلني أغادر حلم التعليم.
في يوم ما مرضت جدتي وزرتها في المستشفى، ورأيت الكثيرين من المرضى في أسرّتهم يتألمون، وكذلك كانت جدتي تبكي من شدّة الألم، وقد توفيّت رحمها الله، فقررت أن أصبح طبيبة لأعالج جميع المسنين وأخفف آلامهم.
قبل أيام، احتفلت بعيد ميلادي الحادي عشر، فقلت وداعا للأحلام الصغيرة، لا أريد أن أكون معلمة ولا طبيبة، طبعا تريدون أن تعرفوا ماذا صار حلمي! لقد قرّرت أن أصبح سيدة سياسية كبيرة، ستقولون ما دخلك أنت بالسياسة، فالسياسة قذرة! هذا صحيح، ولكني أريد أن أصلح السياسة، أشعر أن كل السياسيين فاشلون، فهم سبب كل المشاكل بين البشر في كل مكان، هم سبب الحروب والكوارث، الجميع يقولون بأنهم لصوص، كلما ظهر رجل سياسة على شاشة التلفزيون يقولون إن هذا لص، أحيانا يعجبني مظهر أحدهم إذ يظهر ضاحكا مبتسما وأنيقا، ولكن يخيب ظني بسرعة، إذ يقولون بأنه مجرم وقاتل، هذا خنزير، وذاك كلب أجرب، وذلك دمّر وخرّب وقتل، لم أسمع أحدا يمتدح سياسيا، لهذا السبب قررت أن أكون سيدة سياسية، كي أطيح بالفاشلين والكذّابين والمكروهين، أريد أن أصلح العمل السياسي، كي يصبح نظيفا ومحترما، لا يمارسه إلا الطيّبون.
أريد أن أعمل حِصّة استراحة بين كل حصة وحصة في المدارس للطلاب وللمعلمين، كي لا يملّوا من التعليم، وسوف أفصل من العمل كل معلم يسبب الملل لطلابه.
عندما أصل إلى الحكم، أريد أولا أن أحبس اللصوص، وأعيد جميع المسروقات إلى خزينة الدولة، وأبني منها بيوتا للفقراء، ولا أريد منهم أجرة سوى أن يعملوا عملا تطوّعيا في مساعدة ذوي الحاجات والمؤسسات العامة.
كذلك أريد مساعدة العاطلين عن العمل، مقابل أن يعملوا في التطوع بأن يساعدوا طلاب المدارس في عبور الشارع لأن الشوارع خطرة، كذلك أن يتطوعوا في مساعدة المسنين، بأن يلعبوا معهم ويسلّوهم ويسمعوا قصصهم، لتصبح شيخوختهم جميلة.
أريد شوارع البلاد كلها نظيفة، وفي وسطها وعلى جانبيها نوافير ماء كثيرة، كي يرى الناس مناظر جميلة، فيصبح مزاجهم جيدا، وتذهب عصبيّتهم، وسوف آمر بوضع طعام وماء للقطط والعصافير في أماكن خاصة، كذلك أريد أن أنشِئ حدائق مليئة بالأشجار المزهرة فيها مقاعد للاستراحة وألعاب الأطفال، وفيها مهرّجون وفرق موسيقية ودكّان حلوى، كي يبقى الأطفال فرحين طوال الوقت.
لقد أصبحتُ في الحادية عشرة من عمري، وصارت عندي تجربة كبيرة في الحياة، لم أعد تلك الطفلة البريئة الصغيرة، سوف أسعى كي أصبح سيدة السياسة الأولى، وعندما أصبح صاحبة القرار، أريد أن أسنّ قوانين جديدة، مثل حفظ آيات من القرآن الكريم كي يتعلم الناس الدين الحنيف، وسوف أجري مسابقة الأعمال الطيبة وأمير وأميرة الأخلاق.
أريد أن أعمل حِصّة استراحة بين كل حصة وحصة في المدارس للطلاب وللمعلمين، كي لا يملّوا من التعليم، وسوف أفصل من العمل كل معلم يسبب الملل لطلابه.
سوف آمر بمنح كل مواطن فوق سن الثالثة عشرة هاتفا نقالا، كي يتواصل مع عائلته وأصدقائه متى شاء، وسوف أسن قانونا أسميه قانون الهاتف، وهو عبارة عن ساعة في كل يوم تختارها العائلة، تترك الأسرة الهواتف خلالها، لتجتمع ويتحدث بعضها مع بعض من دون هواتف.
سوف أسنّ قانونا يُلزم كل مواطن أن يمتنع عن استعمال السيارة الخاصة يوما واحدا في الأسبوع، ويتنقل خلاله في القطارات والحافلات وسيارات الأجرة العامة، وذلك كي يتعرّف الناس على بعضهم بعضا، وكي أقلل من التلوث البيئي الذي تسبّبه السيارات.
سوف آمر بقانون إلزامي لممارسة الرياضة لمدة نصف ساعة في كل يوم، وكل من لا يمارس الرياضة بدون سبب يدفع غرامة مالية لخزينة الدولة.
أن يكون لكل بيت إطفائية صغيرة، وذلك في حالة نشوب حريق لا سمح الله.
يجب على كل مواطن أن يتعلم دورة إسعاف أولي، كي يستطيع إنقاذ طفل ابتلع خوخة أو «بنّورة» أو أي شيء صلب، وأن نعرف كيف نجري عملية إحياء لمن يصابون في حوادث.
سوف أصدر قانونا يلزم كل مواطن بالقراءة لمدة نصف ساعة يوميا على الأقل.
مسك الختام، سوف أصدر قانونا بأن أكون حاكمة للبلاد حتى آخر يوم في حياتي، كي لا يعود إلى الحكم أناس مملون وفاسدون ومجرمون.
(هذا الموضوع كتبته إحدى الطالبات في إحدى مدارسنا، وأحببت نقله بتصرّف إلى القراء الكرام).
(تكمله اخرى) ولكن على الرغم من أن مستنقع السياسية محل وضحل الا ان هذه الطفلة ترغب بخوض غمار التجربة لايمانها العميق بأهمية التغيير ، كم هو رائع ان طفلة في عمر الورد تعي أهمية تغيير اساليب التعليم وضرورة الاهتمام بالمستضعفين من أبناء الشعب كالفقراء وكبار السن والأطفال مسلوبي الطفولة وقد تداعت وانا اكتب إلى فكري اغنية ريما بندليبندلي اعطونا الطفوله:” جينا نعيدكم… بالعيد منسألكم
ليش ما في عنا… لا عياد ولا زينة
يا عالم
أرضي محروقة
أرضي حرية مسروقة
سمانا عم تحلم… تسأل الأيام
وين الشمس الحلوة… ورفوف الحمام
يا عالم
أرضي محروقة
أرضي حرية مسروقة
أرضي صغيرة… متلي صغيرة
ردولا السلام… واعطونا الطفولة
اعطونا الطفولة اعطونا السلام،وكنت وقتها طفلة صغيرة واذكر بأنني كنت اسال امي : انها طفلة فلماذا تطالب بالطفولة؟ حينها وعيت معنى ان يحاصر طفل بويلات الحروب فيفقد طفولته ويناشدها.
( تكمله اخيره)طفلة تعي بعد الناس عن الدين وعن العلاقات الاجتماعية الأسرية تعي ان البيوت أصبحت فارغة من الحنان والدفيء والأمان والحب وبأن اعصابنا المشدودة أصبحت بحاجة للاسترخاء وللرياضة وبأن عقولنا أصبحت خاوية فنحن أمة إقرأ لا نقرا طفلة تعي تلوث بيئتنا واحتراق بيوتنا واراضينا وبأن الإنسان قد يموت من الوحدة ولا يجد أحدا يمكن أن يمد له يد العون والمساعدة.
كم انتي رائعة يا طفلتي الصغيرة وعلى حد قول المثل ( يسلم البطن الي حملك) وكم هو رائع استاذك العبقري استاذ سهيل الذي قدرك وثمن كتابتك ، حقا تليق بكما القمم ، أشد على بدك يا صغيرتي امني دائما بقدرتك على التغيير فهو ات لا محال.
الف تحية لك الكاتب سهيل كيوان وللطالبة الرائعة ..
جميلة جداً هذه المقالة .. هذه الطالبة الجميلة تحثك وانت تقرأها على النظر عبر نافذتها التي عرَّت فيها زماننا وكشفت عن عوراته السياسيه والتربوية الثقافية والاجتماعية حتى الدينية وجردت النزاهة من لباس الإنسانية … تجعلك لأول وهلة تقولها فعلاً إننا ونحن نحلم نكون فعلا ً في حالة شيزفرينيا (فصام عقلاني) هذه الحالة التي تغلبت علينا فيها فُطِرَةْ طبيعتنا الحيوانية . ولكن حينما تكمل قراءتها تدرك جيداً حقيقة المعنى بأن الأحلام تولد صغيرة حتى تجد من يؤمن بها إيماناً حقيقياً بتحقيقها متيقناً بأنها رغماً عن كل الظروف ستخطو وستنضج ملامحها وستزداد ثقة حتى تكبر وتتحقق يوما ما تاركةً خلفها أثر يقتفى ..هذه الطالبة تبشر بجيل واعد جيل سيرعب اليوم ليتنحى للغد الأفضل..
فعلاً ارفعوا سقف الأماني … فالأعلى دائماً أرحب .
حلم لا يخطر على عقل شبابنا، هنيئاً لتلك الفتاة تستحق كل التقدير وأتمنى لها مستقبل باهر وناجح كما طمحت أن تكون، وإن شاء الله تترفعي وتكوني قائدة للعلم والنجاح والحب والسلام