في ومضات مرت قوافل ورست سفن، قامت حروب ورفعت شعارات سلم.. مرّ قادة من التاريخ وشخوص عابرة، وتسللت إلى اذنيّ كل تلك اللغات واللهجات التي عرفتها، والتي لم اعرفها بمختلف السنتهم والوانهم، وتعدد عاداتهم.. هم مثلي ابناء هذه الارض، واصواتهم تنسج بامتزاجها لحنا يحكي سطورا من تاريخنا، وانغام تهويدات تخفي اسرارها، وفيها حكاية لغة اندثرت، واخرى ما زالت تنتظر مكتشفها، هنالك سر غريب يجذبني دائماً إلى هذه الارض، وكاني توأمها، وعمري آلاف السنين.. مثلها عشت كل ازمنتها.. عرفت خباياها وحكايا ابطالها، وتوحدت معها، تحدثت لغات الشعوب المتعاقبة عليها.. غنيت مع مئات الطيور المحلية والمهاجرة من الهند والصين وغرب اوروبا وافريقيا، التي قررت ان تلتقي في عُمان.
لم اتعجب يوم كشف النقاب في امارة الشارقة الاماراتية عام 2016 عن اقدم اكتشاف تاريخي يرد فيه اسم عُمان على ذلك الحجر الذي ينتصب فوق قبر نقش عليه باللغة الارامية، والخط المسند، او كما يطلق عليه «العربي الجنوبي» وبحسب اسمهان الجرو استاذة التاريخ القديم في جامعة السلطان قابوس، فان الااسم المنقوش هو «عمد بن جر بن علي ملك مملكة عُمان» كما حمل النقش التاريخ الذي تم فيه بناء القبر وهو عام 90 حسب التاريخ السلوقي، أي ما يساوي عام 222 قبل الميلاد.
«كثيراً ما لفتَ انتباهي مدى التشابه بين لهجة أهل سوريا، وسكان «رؤوس الجبالـ« في رأس الخيمة ومسندم، الواقعة الان بين دولة الامارات وسلطنة عُمان» بهذه الكلمات بدات الكاتبة والروائية الاماراتية ريم الكمالي، احدى مقالاتها، وهي تربط بين اللغة الارامية واللهجة «الشحية» ومن المتعارف عليه ان بلاد ارام او سوريا التاريخية، سيطرت على مناطق واسعة، ووصلت إلى شواطئ الخليج العربي، وأقامت علاقات تجارية، كما كان للغة الارامية والسريانية انتشار كبير في المنطقة، وتعطي الكمالي امثلة على اللهجة الشحية قائلة: « في كلمة امي التي لا تنطق اطلاقاً بأماه أو أمايه او يُمّا كبقية دول الخليج العربي، بل أميي بهمزة أسفل الالف مع المد، تماماً كأهل سوريا.. و«موو» للتأكيد، كذلك الارقام من «ويحِد، واتْنَين، وتَلُوتي، وسِتّيي، وتَمُونْيه».
اللغة إرث إنساني حضاري وقوة كل حضارة في لغتها فهي مفتاح لتاريخ كل أمة في ماضيها وحاضرها، وكذلك مستقبلها، وللغة أثر في التطور الحضاري، وتراكم المعرفة عند البشر واستمراريتها على مدى قرون دليل على أنها لغة ما زالت تنبض بالحياة.
كما لا وجود لحرف الثاء المستبدلة بالسين، والذال بالدال.. ورغم الحديث بالعربية، بقيت النغمة الأمورية الشامية عالقة بها».
أما في قرية «كمزار» الهادئة البعيدة عن الضوضاء، حيث يلتقي الجبل بالبحر، وكأن القرية تختار سكانها، فبصعوبة يستطيع المرء الوصول إليها، وتعد القوارب البحرية إحدى أكثر الطرق تداولا بسبب موقعها الواقع بين جبلين، وتتبع «كمزار» ولاية خصب في محافظة مسندم، ويتحدث أبناؤها «اللغة الكمزارية» وهي لغة ولدت من نتاج تراكم الثقافات المختلطة في المنطقة، واستقرار بحارة من أصول مختلفة، فهي مزيج من البرتغالية (احتلت عُمان 150 عاما) الهندية، الفارسية، التركية، الأنكليزية، العربية. كان للغات المحكية في عُمان حصة الأسد بالدراسة الصادرة للباحث السعودي عبد الرزاق القوسي، في كتاب «لغات جنوب الجزيرة العربية» وشدد فيه على أنها لغات وليست لهجات عربية موضحا: «اللهجات تطورت عن اللغة العربية ومفهومة من قبل الناطقين بالعربية، ولا يعتبرها أهلها لغة مستقلة. أما ما ذكرته فهي لا تتحقق فيها أي من شروط اللهجة، فهي لم تتطور عن اللغة العربية، وليست مفهومة من أي عربي، ولا يعتبرها أهلها لهجة عربية».
ويعتقد القوسي أن هذه اللغات شارفت على الانقراض، وأنها أحد فروع اللغات السامية ومعاجمها تحتوي، كما ضخما من الكلمات السامية القديمة، وكما أن هناك من يربط بين اللغة الأكادية في العراق، والتي تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد، واللغة المهرية، وهي لغة مشتركة بين سكان عُمان واليمن، وتناول عدة لغات ما زالت متداولة، وبعضها مهدد بالاندثار منها البطحرية والحرســــوسية واللواتية والمهرية والزدجالــية والبلوشية (نسبة إلى اقليم بلوشستان ومنطقة جوادر الباكستانية) واللغة الهيبوتية، التي أشار إلى أنها مهددة بالانقراض، بسبب تحول الناطقين بها إلى المهــــرية، كما تحدث عن اللغة السواحلية، وهي نــتاج تمازج عُماني مع شرق افريقيا امتد لعقود، واللــغة الشحرية وهي واحدة من أكثر اللغات انتشارا في محافظة ظفار، وتشير الدراسة إلى أنها كانت لغة مكتوبة وتحتوي على 33 حرفا بدون أبجدية، واقتصرت كتابتها على الشعر.
بمرارة يذكرني اندثار اللغة وانقراضها يوم أسدل الستار على ثقافة شعب كامل، وانتهت حكاية آخر المتحدثات بلغة قبائل الـ«كلالام» وهي احدى لغات الهنود الحمر، التي كانت منتشرة في شمال غرب المحيط الهادي وجنوب غرب كندا، فقد أعلنت ولاية واشنطن الأمريكية 2014 عن وفاة المعمرة هيزيل سامسون، عن عمر ناهز الـ103 سنوات، أخذة معها لغتها الأم، ولا ينسى التاريخ محاولات السلطات الأمريكية على مــــدى قرون القضــاء على لغات سكان البلاد الأصليين، أما السيدة المعمرة فقد ساهمت أثناء حياتها بنشر أول قاموس للغتها مع عدد من مسني وشيوخ القبيلة تحت أشراف جامعة نورث تكساس.
اللغة إرث إنساني حضاري وقوة كل حضارة في لغتها فهي مفتاح لتاريخ كل أمة في ماضيها وحاضرها، وكذلك مستقبلها، وللغة أثر في التطور الحضاري، وتراكم المعرفة عند البشر واستمراريتها على مدى قرون دليل على أنها لغة ما زالت تنبض بالحياة، ومواكبة للتغير البيئي، وحتى اللغات التي اندثرت تركت أثرا ثقافيا، والأمثلة عديدة ولا تحصى، وما زالت بعض المفردات التي تعود للغات ميتة، تتسلل وتجد مكانها في كثير من اللغات الحية المختلفة، ومنها اللغة العربية.
يعود بي أسطول الأفكار إلى الأرض العتيقة، وأتلمس النقوش على احجارها وكهوفها، ويترأى لي وجوه من كتبها وحفرها.. أقف متأملا أطلال المدن والموانيء القديمة بينما تحاول مخيلتي إعادة تشكيل أحجارها وأعمدتها من جديد.
٭ كاتب من سلطنة عُمان
يورد الكاتب و الباحث العماني سعيد بن عبد الله الدارودي في كتاب له تشابه
–
لغة اهل ظفار بسلطنة عمان و الامازيغية بشمال افريقيا لا شك ان ارض عمان
–
عرفت استيطان الانسان لها منذ القدم و من المرجح حسب الكثيرين قدوم الفينيقيين
–
للبنان و منطقة الشام من سواحلها
–
تحياتي
ماأجمل اللغة … وماأجمل ان نعي ارتباطها الازلي بوجودنا وقدرتها على فك رموز مايبدو عبثا او صدفة.
راقتني الفقرة الاولى ..كتبتها بحس انساني عالي احييك على ذلك.
دمت متميزا .
نعم وفي الارض تنبت اللغات ، كما نبت من قبلها الانسان .. اللغات لاتموت وسر بقاء كل لغة مستمد من الحضارة التي تنتمي اليها مثل السومرية والاشورية والبابلية والفرعونية ..
في كتاب ( مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) للمرحوم الاستاذ الدكتور طه باقر العالم العراقي في الحضارة السومرية ( ان ساحل هذا الخليج – ويقصد ساحل الخليج العربي – كان يمتد في عصور ما قبل التأريخ البعيدة مسافة إلى الشمال أبعد من حده الحالي ، وان معظم القسم الجنوبي والاوسط من العراق كان مغموراً بمياة البحر ) بحيث ان مدينتي أور وأكد السومريتين كان لهما مينائين على الخليج ..
ان التمازج والتقارب الانساني وتداخل اللغات هي من أهم عناصر الحضارة ، وربما تندثر بعض اللغات أو اللهجات لكن دائما نلحظ جود خيوط الحياة لتلك الالسن .. ونتيجة للهجرة والغزوات والحروب والتجارة نجد تعدد اللغات ، وهذا طبيعي ، ومن ثم انصهارها في بودقة الحضارة بمرور الزمن .
الصديق العزيز عمرو مجدح شكراً جزيلا على هذا المقال الشيق والغزير بالمعلومات ، وقد سافرنا مع نصوصه في بحر وجبال عُمان تاريخ وحضارة وشعب .
تحياتي
نجم الدراجي – بغداد
قدر بعض اللغات أن لها عمر معين لقلة الناطقين بها ، وطبيعي ان تتبدل اللغة واللهجات بسبب تجاور البلدان وانفتاح الشعوب على غيرها كما هي في اللهجة العراقية ، وحسب ما سمعت ان لهجة اهل القامشلي في سورية هي قريبة جدا الى لهجة اهل الموصل في شمال العراق .
تطور اللغة مهم مع الحفاظ على الاساس ، فاللغة الأنكليزية الحديثة وخصوصا في امريكا هي غير لهجة لغة شكسبير القديمة ، واللهجة الفرنسية في مقاطعة كوبيك الكندية تختلف عما هي في فرنسا .
يُقدر عدد اللغات في العالم بين 5000 الى 6000 لغة ، حسب الأحصاءات أن كل سنة تموت حوالي 25 لغة ، وأن 600 لغة أخذت طريقها نحو الانقراض . لكن اعتقد أن مع تطور التكنولوجيا بالامكان الحفاظ على اللغات من الانقراض بواسطة خزنها عن طريق التسجيل الصوتي حتى وان لم يعد ان يتحدث بها الناس ، لكن أقلها بالامكان اعادتها الى الحياة .
موضوع واسع الجدل والنقاش من الاستاذ عمرو مجدح ، وننتظر منه موضوع آخر عندما تعود سفينته من رحلتها التأريخية الى ميناء عُمان .
اللغة الآرامية لم تخرج عن جغرافيا بلاد الشام الكبير الا الى بعض مناطق شمال العراق ولم تصل منطقة الخليج العربي وخليج عُمان.
هل يسمح لنا المنبر بقول بعض الكلمات في وجه هد ا الموضوع الثقافي التاريخي التوضيحي شكرا بين قوسين ان من آيات الله العظيمة التي تتبث وجوده وبحق اختلاف اللغات واللهجات والصور كدالك فهو سبحانه يتفنن بشكل جيد في هد ا كله فمن اللغات واللهجات من انتهى اجلها بانتهاء من كانوا يتكلمون بها لكن بعد مرور سنين بقيت رائحتها وبلغة لاختصار اقول يكفي اللغة العربية فخرا رغم مرور عشرات القرون وهي شامخة مثل الجبل وسط هد ا العدد الهائل من اللغات واللهجات كدالك فهي الوحيدة التي كتب لها العمر الطويل الانهائي وزادها لاينفد أبد ا دائما في تجدد مستمر لازالت لنا كلمة فالمساحة محدودة وتحية للكاتب العماني وتحية خاصة لسلطنة عمان