ومشيت…

حجم الخط
2

خطوت واعيا على غير عادتي! قلبي يملؤه الأمل.. عجيب! أنظر للسماء كأنني أراها لأوّل مرّة، يا لزرقتها.. لولا كتل سحب متناثرة هنا وهناك لظننتها كساء أبي.. ومشيت.. أخطو خطوة تلو الأخرى، بين تلك الخطوات تبعثرني خيوط حذائي، تارة الأيمن وتارة الأيسر، ومشيت..
توقفت بين الزحام، أنزل.. أطأطئ رأسي، أحاول ربطها دون جدوى، خيوطي مهترئة، بالكاد تتماسك حتى تعاود الانقطاع، ومشيت..
حذائي قديم، قدم ما فات، ومشيت..
وضعت يدي في جيوب بنطالي، لم أجد الجيوب! اتسعت الثقوب مع الزمن لم أجد جيوبا. كانت جيوبي خزانتي، كم خبأت فيها خبزا وحبرا وورقا، ولكنني تركت يديّ في جيوبي المهترئة، فالجليد يقضم أصابعي، ومشيت..
أنظر أمامي، أراهم جميعا ولا أحد يراني، سألتهم، لا أحد رآني. ومشيت..
أنظر إلى الأرض أحسب خطواتي، أتأمل رجليّ وهما تخطوان، أجدهما جادتين في خطوهما، بل ومتحمستين! لولا انكماش أصابعي الظاهرة من الحذاء ومشيت…
آلمني حذائي، توقفت قليلا، التفت أين يمكنني أن أجلس وسط الزحام؟ رأيت كرسيا خشبيا يبعد عني خطوات، كأن لا أحد يجلس عليه، خطوت مسرعا نحوه، وقلبي يخفق بسرعة، وعيناي على حذائي وخيوطه المهترئة أخشى أن تسقطني أرضا. يجب أن أصل قبل أن يسبقني إليه شخص آخر.. وصلت، جلست.
رفعت رأسي للسماء، غيوم محمّلة بالأمطار.. بدأت نحنحة السماء.. آه.. ليس هذا وقت دمعك رجاءً، دعيني ألتقط أنفاسي، وابكي بعدها كما شئتِ، ماذا لو تمطرين حذاءً أكمل به الطريق؟ أو خبزا؟!
تلبّدت تماما وتغيّر لونها، والرعد أقوى من كل الأصوات.
اخترقتني الأمطار، كلّي ثقوب!
كثر قرع الأحذية من أمامي ومن خلفي ومن حولي وفي كل مكان، أصابتهم السماء. سأقف وأكمل الطريق.
وقفت، بعد أن كدت أستريح، ومشيت…

كاتبة جزائرية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سارة:

    حياتك يا صاحبي إبداع هذا راه رائع ❤️❤️

  2. يقول نجم الدراجي - العراق:

    الحياة بطبيعتها رحلة .. لكن إلى أين ؟. ربما البحث في المتاهات بين الاستكشاف والغموض والمفاجأت وسواها تجعل الانسان أكثر تعارفاً مع اعماقه .. اختارت الكاتبة المبدعة الصديقة منى مقراني ان تسير كلماتها تحت المطر ، ونجحت في تساؤلاتها وتصوير لحظات المشهد ، وبينما المطر يثقب الملابس وجدتها تفتش في تفاصيل المطر ..
    تعبر الكاتبة عن الامنية والرجاء من السماء بحبس الدموع لحين التقاط الانفاس ، ويعيدني هذا النص الى انشودة المطر للكبير بدر شاكر السياب :
    تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزال
    تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقال
    ثم ينشد :
    وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموع
    ثم اعتللنا ـ خوف أن نلامَ بالمطر .
    تمنياتي للصديقة المبدعة الكاتبة منى مقراني بمواصلة الابداع
    تحياتي
    نجم الدراجي – بغداد

اشترك في قائمتنا البريدية