يوسف قنديل والتنوير العربي

حجم الخط
3

يكاد يكون سلوك رئيس مجلس أمناء «مؤمنون بلا حدود»، يوسف قنديل، في فبركة حادثة اختطافه وتعذيبه من قبل «متطرفين إسلاميين»، نتيجة طبيعية للسياق التاريخي الذي مرّ به مفهوم التنوير في عالمنا العربي، إذا تأرجح بين التكلس الثقافي والتوظيف السياسي. فما أطلق عليه عصور النهضة في بدايات القرن الماضي، وتمثل بأصوات ليبرالية عرفت الغرب وتأثرت به، انحسر سريعاً بمجموعة أفكار معزولة عن حركة المجتمعات التي بقيت رهينة بناها التقليدية. والعزلة هنا كانت مسؤولية مشتركة، ففي حين مانع الناس أفكار التغيير، كانت هذه الأخيرة مجردة من الأبعاد الاقتصادية، التي تضمن لها الترجمة الواقعية وتخرجها من دائرة التبشير.

في مرحلة لاحقة، أي مع سطوة الأنظمة التي رفعت شعارات الاشتراكية، رُبط العامل الاقتصادي الذي غالباً ما يشكل رافعة للمفاهيم، بالأنظمة السياسية، فغدا التصنيع والإنتاج وحركة الأموال امتداداً لأيديولوجيا النظام، التي أخذت من أفكار التنوير ما يناسب دعايتها أمام «الجماهير». فنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مثلاً كان «تنويرياً» بهذا المعنى، يسعى لنشر التعليم وتحرير المرأة وإلغاء الألقاب، ولكن، لبناء مواطن مؤدلج يؤمن بعقيدة النظام السياسية بدون جدل.

هكذا اقتطعت جوانب من مفهوم التنوير لتصبح في خدمة الاستبداد الذي كان صناعه يستخدمون الاقتصاد كمصدر للرشاوى، بدل أن يكون قاعدة مادية تتقاطع مع سياسات ديمقراطية تؤسس لتغيير في المجتمعات. ومع بروز الإسلاميين كخصم قوي للأنظمة، شكّل هؤلاء ضدية مزيفة لتنوير يجري التحكم به وضبط انتشاره من قبل الأجهزة الأمنية، التي صارت تدير لعبة مكشوفة بين الإسلاميين والتنويريين الذين توزعوا على قسمين، واحد ورث أفكارا تحاكي تجارب الغرب، وطورها وأسس لها مقاربات تمارس التعالي على الواقع، وآخر نتج عن استثمار الأنظمة بالأفكار التنويرية واجتزائها لصالحها.

قنديل والإسلام السياسي، مهما تخاصما فهما امتداد لبعضهما بعضا، ضمن لعبة رسمتها الأنظمة

والقسمان، وإن اختلافا لناحية المرجعية، جمعهما الولاء للدولة، بوصفها جهازا بيروقراطيا يسيّر الصالح العام، بدون الاهتمام بهوية من يحكم وكيف يحكم، مقابل منافع بسيطة. وهذا ما يفسر جزئياً قبول مثقف مثل جابر عصفور محسوب على التيار التنويري، بمنصب وزير ثقافة بحكومة كان هدفها امتصاص غضب ثوار 25 يناير/كانون الثاني وخداعهم. وإن، كان مفهوم التنوير قد اختلط في بعض البلدان بالصراعات الأهلية، المخفية والمعلنة، لكنه لم يخرج عن المعادلة السابقة، لناحية تظلل التنويريين بالمؤسسات الحكومية.

ولعل هذا المسار لمفهوم التنوير وتوظيفه واستثماره وصولاً إلى تفريغه من فاعليته، وتحويله معركة للتسلية بين خصمين مزيفين، يستفيد منها الاستبداد، حال دون وجود تنوير ليبرالي حقيقي يجتهد فكرياً لخلق ظروف مناسبة لتحقيق قيمه، كما حال أيضاً دون وجود إسلام سياسي حيوي يجادل خصماً وجودياً، وليس تابعاً لنظام أو جهاز أمن. ما وضعنا أمام فراغين، الأول ينتج شخصية مثل يوسف قنديل تفتعل مسرحية لتحظى بتعاطف، فيما الثاني ينتج تياراً إسلامياً يشمت ويبدي شعوراً بالنصر.

وعليه، فقنديل والإسلام السياسي، مهما تخاصما فهما امتداد لبعضهما بعضا، ضمن لعبة رسمتها الأنظمة، مستفيدة من عدم أصالة مفهوم التنوير في بلادنا، وإذا كانت بطولة المسرحية هذه المرة لطرف، فغالباً سنرى عرضاً في القريب العاجل يلعب بطولته الطرف الثاني، عبر فتوى من هنا أو سلوك من هناك.

*كاتب سوري من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابوتاج الحكمة.شاعروكاتب ساخر.باريس:

    السيد ايلي
    قبل المسلمين نجد المسيحي الحيوي يرفض الإساءة إلى الإسلام
    نعلي تعاليم المسيح لأجلهم
    ويبجلون لأجلنا الإسلاما

  2. يقول ابراهيم أبا زيد:

    ما عدا الفقرة الاولى والثانية .. ما علاقة الموضوع بقضية يونس قنديل؟

  3. يقول ابوتاج الحكمة/فرنسا:

    انت رائع اخي أ.ابراهيم أبا زيد وأوجزت وأبلغت مع تقديري للأخ السوري العزيز كاتب الموضوع

اشترك في قائمتنا البريدية