(1) في كانون الثاني/يناير من عام 1999، نشرت مجلة «أتلانتيك مونثلي» الأمريكية مقالاً مطولاً بعنوان «ما هو القرآن»، هللت فيه لما وصفته بأنه اكتشاف لا سابقة له عن نسخ قديمة من القرآن عثر عليها في العاصمة اليمنية صنعاء، قالت إنها ستغير نظرتنا إلى القرآن، وتثبت أن «تاريخاً»، وأنه لم يشهد «تطوراً» بخلاف ما يعتقد المسلمون.
(2)
المشكلة هي أن «الاكتشاف» المشار إليه وقع، بحسب المجلة، في عام 1972 حين عثر عمال بناء على كوم من وثائق في علية مسجد كان يجري ترميمه. واتضح فيما بعد أن هذه كانت صفحات قديمة من نسخ لمصاحف تالفة، تم التخلص منها بهذه الطريقة تورعاً من إتلافها أو حرقها. وقالت المجلة إن جهات ألمانية استجابت لطلب من هيئة الآثار اليمنية التي أعادت اكتشاف تلك المجموعة من الوثائق في عام 1979 وأرسلت بعثة لمعالجتها وتصويرها وحفظها، ثم أجرت دراسات عليها في مطلع الثمانينات كشفت أن بعضها يعود إلى القرنين الأول والثاني الهجري، وأن هناك تنويعات في الخط والترتيب قد تكشف أن المصحف لم يكن دائماً بالترتيب الذي هو عليه اليوم.
(3)
في كانون الثاني/يناير من عام 2008، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالاً مطولاً آخر عن نسخ مصورة على الميكروفيلم من مصاحف قديمة زعم أنها دمرت في قصف بريطاني على الأكاديمية البافارية للعلوم في ميونيخ عام 1944، ولكن أحدهم احتفظ بها سراً في منزله، ثم كشف عنها لإحدى تلميذاته السابقات في مطلع التسعينات. قامت تلك السيدة بدورها بدراستها وزعمت حولها مزاعم تشبه المزاعم حول الموجودات اليمنية.
(4)
الفترة بين المقالين نظمت حملات «أكاديمية» وإعلامية مكثفة، تمثلت في مؤتمرات ومشاريع بحثية جيدة التمويل بغرض إيجاد ثغرة يتم النفاذ منها لنسف أو زعزعة الحقيقة العلمية المتفق عليها في أن القرآن الكريم سجل بكامله خلال السنوات القليلة التي تلت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتم تداوله بشكله هذا منذ ذلك العهد، مما يزيل أي شك بأنه النص الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم بدون زيادة أو نقصان. وعليه سواء أكنت ممن يؤمن بأن محمداً مرسل من ربه أو كنت تعتقد بأنه افترى القرآن على الله، فلم يكن هناك جدال علمي حول صحة نسبة القرآن إلى محمد.
(5)
الهدف النهائي لمثل هذه الحملات هو إزالة الاختلاف الجذري بين القرآن والكتب السماوية الأخرى، خاصة الإنجيل الذي تم تأليفه بعد قرن من رحيل المسيح عن الدنيا، وفي أكثر من نسخة بينها باختلافات كبيرة. والمؤمل حينها أن يتعرض القرآن لما تعرضت له الأناجيل من نقد «تاريخي» أدى إلى التشكيك في صحتها، بل حتى في تاريخية شخص المسيح نفسه. ولكن مثل هذا النقد لتاريخية القرآن لم يكن متاحاً، نسبة لصلابة الحجج العلمية التي تسند تاريخية القرآن ودقته.
(6)
لم يمنع هذا مجموعة صغيرة من المستشرقين على رأسهم باتريشيا كرون من جامعة برنستون (رحلت عن عالمنا في وقت سابق هذا الشهر) من المحاولة الدؤوبة. وفي عام 2012، قدم توم هولاند، أحد ممثلي هذه المجموعة، برنامجاً وثائقياً على تلفزيون القناة الرابعة في بريطانيا كرر فيه مقولة أن معظم تاريخ الإسلام منتحل، وأن الديانة الإسلامية لم تنشأ في مكة في القرن الأول الهجري، وإنما بعد قرنين من الزمان في شمال الجزيرة العربية على يد طائفة يهودية. وإن الرسول محمد لم يوجد بالفعل.
(7)
عندما أعلنت جامعة بيرمنغهام في وقت سابق من هذا الشهر العثور في خزائنها على نسخ قديمة من مخطوطات قرآنية قالت إن تاريخها يعود إلى السنوات الأولى من التاريخ الإسلامي، اعاد هذا «الاكتشاف» طرح التساؤلات القديمة حول إمكانية تجاوز الفهم الموروث للقرآن المتداول، وإن كان بدرجة أقل، لأن هذه المخطوطات لم تأت بجديد يخالف المتداول من النص القرآني.
(8)
غني عن القول إن كل هذه المحاولات باءت بفشل ذريع. فما زلنا ننتظر نتائج «الكشف» الموعود من قرآن صنعاء أو ميكروفيلم ميونيخ، رغم مرور عقود على هذه المساعي العبثية لإثبات ما لا يمكن إثباته. وفي حقيقة الأمر، إن مجرد تعليق الآمال على «اكتشافات» أثرية أو حفريات تلغي بجرة قلم كل موروث العلم الديني الإسلامي لصالح «كشف» يأتي على يد «عالم» غربي يثبت أن الأمة الإسلامية كلها كانت على خطأ في فهم تاريخها وتراثها هو أقرب إلى الوهم والتخريص منه إلى منهج علمي. ذلك أن الأجيال الأولى من علماء الإسلام اتبعت ابتداء أدق الأساليب العلمية المتاحة وقتها في تمحيص الروايات. وقد تم ذلك في تدوين وحفظ القرآن بالاعتماد على النسخ المكتوبة معضدة بالشهادات الحية المتواترة. فكيف يكون المنهج العلمي إلغاء كل هذه الشهادات والوثائق المتواترة والبناء على شهادات متناثرة، شرطها الوحيد أن تكون من خارج الفضاء الإسلامي-العربي؟
(9)
إن المعجزة القرآنية متعددة الجوانب، ولكن أقوى جوانب المعجزة هو أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً، كما يصدقه الواقع، كما في حالة الآية: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». وأيضاً في قوله تعالى: «إن علينا جمعه وقرآنه». فهو جل وعلا لم يكلف حتى رسوله الكريم جمع القرآن وحفظه، بل تعهد بذلك بنفسه تعالى علواً كبيراً. وها هو القرآن محفوظ هذه الأيام، ليس فقط في المصاحف المكتوبة والوسائط الالكترونية، بل في صدور الملايين من المسلمين حول هذه الكوكب، مع أن غالبهم لا يحسن اللغة العربية التي نزل بها. ولو هلك البشر جميعاً لبقي القرآن محفوظاً كما تعهد جبار السموات والأرض، ولو لم يجتهد الخلفاء وعلماء الصحابة في جمعه وتدوينه لتم الوفاء بالتعهد الإلهي بوسيلة أخرى يعلمها الخلاق العليم.
(10)
ليس أقل إعجازاً التعهد الإلهي بإبقاء الرسول الكريم على قيد الحياة حتى يكتمل نزول القرآن: «وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلاً». وقد كان، فقد بقي صلى الله عليه وسلم حياً رغم تعدد محاولات قتله، حتى نزلت: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي.» وصدق الله العظيم، وقتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون.
٭ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن
د. عبدالوهاب الأفندي
شكراً .
وانت تتدبر القران في عام 2015 ، بعد نزوله باكثر من 1400 سنة ، تيقن إنه وحي يوحى وليس كلمات بشر حتى لو كان الرسول ( ص) .
مثال من بين آلاف : الآية ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) … كيف يعرف بشر أمي في القرن السابع الميلادي هذه الحقيقة العلمية البحتة التي ثبتت صحتها بتراكمات العلم البحثي خلال مئات السنين .
ثم إن القرآن في حالته الحالية اعجاز في كل سورة من سوره لمن يتدبره .
اتمني على سكرتارية صحيفة القدس العربي نشر حوار الدكتور عبدالوهاب الأفندي لصحيفة سودانية هذا الإسبوع لأهميته القصوى ولتعم الفائدة .
للأسف الشديد ، و من خلال متابعتي لشبكات التواصل الأجتماعي ، وجدت الكثير من هؤلاء الخراصين السادرين في غيهم من ابناء جلدتنا و يحملون اسماء مسلمين ، متربصين خلف لوحات مفاتيح اجهزتهم آملين ان يحقق لهم هكذا اكتشاف اوهامهم و تخاريفهم من أجل نقض القرآن ككتاب سماوي ، من اجل تبرير سخافاتهم و معتقداتهم الواهية و بالتالي تبرير تصرفاتهم في التفلت من كل ضوابط و التزامات.
لكن هيهات هيهات ، غاب عن ذهن هؤلاء ان ما شاد احد هذا الدين الا غلبه
و انهم يحفرون في البحر
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ، فلم يضرها ….و اوهى قرنه الوعل !
تناسوا ، انهم يتحدون الخالق في علياءه !
أحسنت يا دكتور عبد الوهاب أحسن الله اليك
بسم الله الرحمن الرحيم – إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) الاسراء
ولا حول ولا قوة الا بالله
5 ملايين حافظ للقران في باكستان فقط الغالبية الساحقة لايتقن من العربية شئ
من اعجب ماعرفت انه في احدى الدول الاسلامية في اسيا الوسطى وتحت الحكم الشيوعى الملحد قام اهل قرية في غابة بحفر جذع شجرة عظيمة وجعلوا منها مجلسا لتحفيظ القران حيث من المعلوم ان تداول القران حينها عوضا عن حفظه كان يودى بصاحبه الى الاعدام وظهرت الشجرة في صور بعد انهيار النظام الشيوعى وشيخ جليل طاعن في السن يشير الى الشجرة ويقول من تحت هذه الشجرة تخرج 300 حافظ للقران في زمن الالحاد الشيوعى
(قل صدق الله)
صدق الله العظيم
بارك الله فيك ايها الدكتور المحترم على هذا التوضيح .
بارك الله فيك يا دكتور عبد الوهاب، كلامك صحيح، أما هؤلاء فإنهم يريدون
ليطفئوا نور الله بأفواههم وأقلامهم وأيديهم و أرجلهم ولكن الله متم نوره ولو كرهوا
أنا لم أقفز فرحا عندما سمعت خبر العثور على ما يعتقدون أنه أقدم نسخة من القرآن الكريم و مع أني شاهدت يوما في متحف طوب كابي في اسطنبول ما يدعي الاتراك انه اقدم نسخ القرآن كذلك ، و مع ان الأمر كان ممتعا و شيقا فإنه لم يؤثر كثيرا في ايماني الراسخ بهذه المعجزة الربانية الخالدة التي لا يساورني شك ابدا في صحتها . و لا انتظر حتى اثبات بعض الحقائق العلمية في كتاب الله لتقوي ايماني فهذا الكتاب هو في النهاية كتاب هداية يعجز البشر عن الاتيان بآية من آياته لكن آية واحدة تستطيع ان تنفذ لاعماق الانسان و تنتشله من ظلمات نفسه و تحثه على العمل و التفكر و الخير في آن واحد ؛ و كيف لا و قد أنزله الله لكل عبد من عباده يخاطبه من خلاله. ان حروف القرآن و آياته و معانيها هي مفتاح الايمان و ليس ما يثبته البشر عنه، و هو بالفعل يصدق بعضه بعضا و يفسر بعضه بعضا كذلك و مهما حاولوا البحث عن اختلاف فيه فلن يجدوا و مهما حاول اعداء الدين من بعض المنتسبين اليه تحريف معانيهو تأويلها بشكل خاطئ فسيفشلوا. شكرا جزيلا على المقال و ما يحوي من معلومات.
بِسْم الله الرحمن الرحيم: “أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً” صدق الله العظيم / النساء ٨٣
شكراً
كتاب الله+معجزات