هل نحن بشر؟

حجم الخط
7

يتوقف المرء ملياً عنما يسمع مسؤولاً سورياً يعلق على مجازر دوما التي راح ضحيتها المئات مطلع الأسبوع الماضي بالزعم بأنها لم تقع أساساً.
وبحسب المسؤول –وزير الخارجية ما غيره- فإن ما رآه الجميع بأعينهم من آثار مدمرة لقصف الطيران الحربي السوري على سوق شعبي يغص بعامة أهل سوريا، ما هو إلا «أخبار ملفقة يتم ترتيبها بفن إعلامي معين». ولكنه لم يعلن عن هذا الكشف العلمي العظيم إلا بعد شفعه بزعم أن «الإرهابيين» يتخذون المدنيين دروعاً بشرية. فأي طرفي الجملة صحيح يا ترى؟ هل ما حدث هو أن «الإرهابيين» اتخذوا المدنيين دروعاً بشرية مما أدى إلى قصفهم؟ أم أن الأمر كان كله فبركة «إعلامية»؟ وممن؟ ولماذا؟
نود أن نسمع ما يقوله الوزير وبقية أركان ما بقي من النظام السوري حول القصف الذي تجدد على دوما منذ السبت الماضي، وأدى إلى قتل مدنيين كثر. هل هو كذلك تخيلات إعلاميين؟ أم هو مجرد آثار جانبية لقصف الإرهابيين؟
في نفس الأسبوع، عندما أثير موضوع المفقودين في مصر بمناسبة ذكرى فض اعتصام رابعة، استمعت كذلك إلى شخص قيل إنه محام وناشط حقوقي، ينفي وجود ظاهرة الإختفاء والإخفاء، ويزعم أن «الإخوان» يخترعون مثل هذه الأمور. وكانت قمة إبداعاته حينما طالب أهالي المفقودين بإثبات أنهم فقدوا!! وبحسب رأي هذا الألمعي فإن البينة في الاختفاء هي على أسر المفقودين، وليس من واجب الدولة المتهمة بخطفهم أو قتلهم مجرد البحث عنهم. ولا أدري في أي بلد درس ذاك الرجل القانون، ولكن المعلوم في أي نظام قانوني أن مجرد الإبلاغ عن فقدان شخص ما يفرض على المؤسسات الشرطية والأمنية البحث عنه، والتحري فيمن سبب اختفاءه. ولكن مجرد رفض مؤسسات الدولة المصرية (ومن يدعون أنهم محامون وحقوقيون من أنصارها) أداء هذا الواجب هو بمثابة قول المريب: خذوني!
أستبعد أن يكون وزير الخارجية السوري يجهل أن أكثر من مائة سوري، بينهم أطفال كثر، ماتوا جراء القصف في ضواحي عاصمته. وأياً تكون هوية من قتلهم أو اتخذهم «دروعاً بشرية»، فإنهم يبقون مواطنين سوريين تقع مسؤولية حمايتهم على الحكومة التي يتحدث باسمها السيد الوزير. بنفس القدر، فإن المحامي المصري والناشط الحقوقي المزعوم يعلم بأن المئات قتلوا في رابعة، وأحرقت جثثهم. وأن هناك مصريين كثرا يخطفون ويقتلون ويعذبون كل يوم تقريباً. وأن من يتولى كبر هذه الجرائم هو النظام. وكونهم من الإخوان أو الشياطين لا ينفي أنهم مواطنون مصريون على الجهة التي تسمي نفسها دولة وتدعي أنها مصرية مسؤولية حمايتهم والتحري عن الجهة التي غيبتهم.
الخطاب المصري الرسمي أصبح يستخدم كلمة «الإخوان» كما تستخدم داعش صفة «المرتد». فقد قرأت تصريحاً لرئيس جامعة الأزهر يفتخر فيه بأنه طهر جامعته من الإخوان، كما هتلر يفتخر بإبادة اليهود، ويتبجح بأنه طرد خمسمائة طالب لأنهم من الإخوان، وفصل عدداً لم يحدده من الأساتذة. مؤكداً أن الإخوان «لن يعودوا أبداً» إلى الأزهر. فهل هذه تصريحات لمعلم ومربٍ، فضلاً أن تكون لرئيس أعرق جامعة إسلامية في العالم، وهو يفتخر بتشريد طلابه لمجرد خلافه معهم في الرأي؟ هل هي لمصري؟ بل هي لإنسان؟
إن مثل هذا الإنكار لحقوق المواطنة للمخالف سياسياً، بل الإنكار لآدميته، بل لوجوده فضلاً عن معاناته، لا تمثل فقط غياب الضمير والإنسانية عند هذه الجهات السادرة في غيها المودي إلى سقر. هناك في هذا السلوك ما هو أبعد من الكذب والتعامي عن حقائق شهد عليها العالم كله. فقد تجاوز الأمر التعامي إلى العمى، كما يظهر من حالة كاتب سمعته أمس الأول يعبر عن تألمه وفجيعته لإصابة بضعة عشرات من المتظاهرين «السلميين الأبرياء» في بيروت، رغم أنه تخصص خلال السنوات الماضية في نفي تعرض أي أبرياء في سوريا لمكروه، رغم أن مئات الآلاف قتلوا هناك والملايين شردوا. ولعل هذا «المحلل السياسي والاستراتيجي» الهمام يعتقد أن قرابة المليون ونصف مليون سوري الذين وصلوا إلى لبنان خلال الثلاث سنوات الماضية جاءوا للسياحة والاستمتاع بجمال لبنان!! عندما تعمى البصائر لهذه الدرجة، فإن الأمر ينتقل من التواطؤ في الإجرام إلى حالة مرض عضال.
في عالمنا العربي، لا تقتصر هذه الحالة على أفراد أعماهم الهوى والغرض، وربما المنفعة، مما لدعم القمع والطغيان والإجرام. بل هناك قطاعات واسعة، إن لم يكن شعوب بكاملها، لا ترى بأساً بالإبادة الجماعية للأبرياء، وتسوية المدن على رؤوس أهلها، وتعذيب الأبرياء حتى الموت. وقد شهدنا في سابق العهود رجالا هجروا مواطنهم للدفاع عن الأبرياء والمظلومين. ولكننا لم نسمع حتى أيامنا هذه بمن يهاجر تاركاً دياره للدفاع عن الظالمين، وللتشفي بقتل الأبرياء كما تفعل الميليشيات التي تكاثرت في أوساطنا تكاثر الأوبئة. سمعنا كذلك بمن يثور على الظلم والطغيان والقمع، ولكنا لم نسمع بمن «يثور» على الحرية والديمقراطية، ويهلل للقمع وقتل الأبرياء. فأي أمة هذه التي يكثر فيها أمثال هؤلاء؟
خلال قرون، ظل التحسر العربي هو على تخلفنا عن اللحاق بركب الأمم المتحضرة. ولكن يبدو أن الأمر لم يعد مسألة حضارة وتقدم، بل مسألة انتماء إلى جنس الآدميين. فما يرتكب في حق الأبرياء في طول العالم العربي وعرضه لا يمكن أن يقوم به بشر. أما من يهلل للظالمين فهو يحتاج إلى قطع مسافة طويلة في سلم التطور قبل أن يجري اتهامه بذلك.
لم تعد القضية في زماننا هذا هي الحضارة، ولا الأخلاق ولا الدين، فهذه طموحات بعيدة. ما كنا نتمناه أن ينتمي البعض إلى فصيلة البشر، أن يؤرقهم أن يعذب الأبرياء وتتحول البلاد إلى عذاب مقيم. وعندما تبلغ أمة هذا المبلغ في التردي في سلم الإنسانية، فإن هذا مؤذن بهلاكها.
لقد جعل الله فرعون موسى عبرة لكل ظالم، رغم أن فرعون موسى كان أفضل من بعض فراعنة عصرنا. فهو على الأقل لم ينكر عذابات ضحاياه، بل كان يعترف بجرائمه ويفاخر بها: «سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون.» ولنذكر الغافلين بأنه لم تكن في عهد فرعون موسى على الأرض قوة «عظمى» أخرى تنتصر لضحاياه الأبرياء. ولكن القوة العظمى التي في السماء تتدخل تحديداً حين تغيب كل قوة أخرى. وحتى الإغريق، وهم من المشركين كانوا يعرفون القانون السماوي بأن من ترد الآلهة هلاكه تصيبه أولاً بالعمى. وقد شهدنا العمى، والهلاك يتبعه حسب سنة إلهية لا تتخلف.

٭ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

د. عبدالوهاب الأفندي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أبو عمر أسبانيا:

    لقد أسمعتَ لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
    و لو نار نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

  2. يقول عبدالقادر محمد/ مصر الحبيبة:

    الله عليك يا دكتور يا عظيم انا بستعد للهجرة خارج مصر مش.عارف اروح اليونان او مقدونيا او تركيا

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    لم تعد القضية في زماننا هذا هي الحضارة، ولا الأخلاق ولا الدين، فهذه طموحات بعيدة. ما كنا نتمناه أن ينتمي البعض إلى فصيلة البشر، أن يؤرقهم أن يعذب الأبرياء وتتحول البلاد إلى عذاب مقيم. وعندما تبلغ أمة هذا المبلغ في التردي في سلم الإنسانية، فإن هذا مؤذن بهلاكها.
    – انتهى الاقتباس –

    هذا الكلام ينطبق أيضا على أمريكا !
    فسجن أبو غريب ليس بعيدا
    فهل ستهلك USA

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول Hadib:

    أتعاطف مع نقد الأفندي لمجرمي النظامين المصري والسوري وأحمد له الإستشهاد بقصة فرعون التي استخدمها القرآن الكريم لتفنيد عقلية الدكتاتورية عامة ودكتاتورية الدولة العظمي خاصة أو ال Imperial Matrix أي المصفوفة الامبريالية. ومن الإشياء التي أحسب أننا نمر عليها مر الكرام، ذكر المولي جلّ وعلا إستخدام فرعون لنظرية المؤآمرة to silence a legitimate debate أي لإسكات نقاش ضروري ومشروع. وذلك عندما نكص عن العهد عندما هزم سحرته (قال فرعون أمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون) (الأعراف 123). بالمناسبة المستند المسمي CIA Document 1035-960، الذي تم الإفراج عنه من خلال برامج حرية تلقي المعلومات بعد مرور سنين معينة علي حدوثها، يوضح أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي من إخترعت عبارة (نظرية المؤآمرة) الإستهزائية لصد الناس عن البحث الجاد في موضوع إغتيال جون كنيدي.

    نعم! إننا في أمس الحاجة للتعرف والبحث عن the powers that be أي القوي إياها التي تحيك المؤآمرة الكبري ليست ضدنا نحن العرب فحسب وأنما ضد الإنسانية قاطبة. وهي التي سمحت لمجرمي النظامين المصري والسوري بالوصول الي السلطة تنفيذاً لخطتها الشيطانية. وأدعو القراء الي مراجعة هذا الفيديو لناشط سويدي إسمه Ole Dammegård أصدر كتاباً بعنوان Coup d’etat in Slow Motion تحدث فيه عن مكر مجموعة ال Globalists or the illuminati اي العالميين أوالمستنيرين في المدينة. لاحظ حديثه عن حادثة شاري إبيدو إبتداءاً من دقيقة 14 وتوضيحه في دقيقة 21 للخط المرسوم سلفاً علي الأسفلت والحذاء الذي رفعه القاتل المفترض لكي يوضح ان عملية شاري إبدو خدعة القصد منها الإسائة للعرب والمسلمين وإشعار الأوروبيين بحوجتهم للحماية.

    https://www.youtube.com/watch?v=Wpgn7PBc_nc

  5. يقول الشربيني المهندس:

    يصبح الصمت أحيانا أبلغ وأنا لااملك رفاهية العمي لهذه الأوضاع ولا استسيغ ما نسميه التعامي لكن سؤال الضجيج كيف ونحن نقرأ في كتاب اللـه ( رب لم حشرتني أعمي وقد كنت بصيرا ) تحضرني النكته وارجل يسأل الشيخ بعدوجبة دسمة يا مولانا لا اتذكر ان كنت محتفظ بوضوئي ام لا .. قال وكيف .. قال هو ريح بسيط قال هل سمعت / لها صوت .. قال كما الطبل .. قال هل ريحت /لها رائحة قال كما القبر ..تحسس الشيخ بطنه الممتلئ وقال قوم ياراجل صلي وبلاش الوسوسة ..نعم هو العمي ولكن ليس عمي البصر بل عمي البصيرة .. رحمتك يارب العالمين

  6. يقول خليل ابورزق:

    احسنت يا أستاذنا الفاضل و لكن ما نفيته بقولك ” سمعنا كذلك بمن يثور على الظلم والطغيان والقمع، ولكنا لم نسمع بمن «يثور» على الحرية والديمقراطية، ويهلل للقمع وقتل الأبرياء. فأي أمة هذه التي يكثر فيها أمثال هؤلاء؟” حدث فعلا في 30 يونو 2013 عندما خرج الناس ضد الحريات و الديموقراطية بتأثير اعلام فاجر

  7. يقول فلسطيني بلا هوية:

    نحن بانتظار مقالاتك د. عبد الوهاب عسى ان يكون المانع خيرا

اشترك في قائمتنا البريدية