السيد يظهر في السماء!

تداولت صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه تشكل لغيوم على شكل رجل ملتح يضع على رأسه عمامة، وأشارت إلى أنها ظهور عجائبي لآية الله السيد محمد الصدر والد السيد مقتدى الصدر في السماء، وأن هذا الظهور يحمل رسالة إلى اتباع السيد الصدر.
وقد قوبل نشر الفيديو بحملة واسعة من التأييد من أنصار التيار الصدري، قابلتها حملة واسعة من الاستهجان والرفض من منتقديهم. وإذا تتبعنا الأمر لن نجد أن الأمر غريب أو فريد، سواء من ناحية ادعاء الشخصية التي ظهرت أو تكرار الظاهرة، أو أسباب حدوث مثل هذه الظواهر في مجتمعاتنا.
نشر صالح محمد العراقي، الذي يعتبره البعض ناطقا غير رسمي باسم السيد مقتدى الصدر، كما يعتبرون تصريحاته نوعا من التوجيهات أو التعليمات الصادرة من الصدر بطريقة غير رسمية، في صفحته على الفيسبوك يوم 22 يناير الجاري، رسالة مصاحبة لفيديو قصير طوله حوالي 30 ثانية يظهر فيه تشكل لغيوم في السماء على هيئة رجل ملتح يضع على رأسه عمامة، وهو جالس وكأنه يصلي، وذكر العراقي في منشوره ما يلي؛ «هذه رسالة واضحة للجميع: أولهم للصدريين ليتوحدوا، ومن ثم للمسيئين لكي يسكتوا ويقتنعوا، ورسالة لمن لهم باع في الباطن والعرفان فيخضعوا ويفنوا فيه ويتركوا القشور ولا يطلبوا أثرا بعد عين، فسلام على الصدر المتصدر عند رب العرش.. سلام على الصدر الذي علا في سماء الخلد ليكون شمسا في كبد النهار وقمرا يستضاء به في الظلمات».
ولمعرفة أهمية ما حصل يجب أن نشير إلى أن صفحة صالح محمد العراقي على الفيسبوك يتابعها 456 الف متابع، أما الفيديو المشار له فقد حظي بـ 265 الف مشاهدة، وتفاعل معه 11 الف متابع وتمت مشاركته على صفحات أخرى عددها 3274 صفحة في غضون أيام معدودة، وعندما نطلع على التعليقات نجد أصواتا قليلة نسبيا تهاجم الفيديو، باعتباره نمطا من التجهيل يقابلها طوفان من التأييد والتصديق، كما يوضح بعض المعلقين أنها ليست المرة الاولى التي يظهر فيها السيد محمد الصدر هذا الظهور العجائبي، وإنما سبق أن ظهر انعكاسا في الماء في البصرة، كما ظهرت صورته على القمر وهذا ما يبدو من إشارة الحاج صالح محمد العراقي في رسالته.
إن تاريخ الظهور العجائبي ممتد مع تاريخ الإنسان، وقد تعامل الإنسان على مر تاريخه مع ظواهر الطبيعة على أنها رسائل ذات محتوى ديني، وهذا ما يمكن أن نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر في تناول المؤرخ البيزنطي ثيوفانس لبداية الفتوحات العربية، وما كانت تمثله من تهديد للامبراطورية البيزنطية المسيحية، فهو يذكر في أحداث عامي 631 – 632 عندما هجم المسلمون على غزة التي كانت تابعة للامبراطورية البيزنطية ما يلي: «في الوقت عينه تقع زلزلة في فلسطين وتظهر علامة في السماء يقال لها «دوكيتس» في اتجاه الجنوب تنذر بالغزو العربي. ظلت مدة ثلاثين يوما وتحركت من الجنوب إلى الشمال، واتخذت شكل سيف». كما ذكر المؤرخ واللاهوتي الإنكليزي بيديه ظهور مذنبين في السماء كـ»انذار بالكارثة المقبلة» في الحقبة التي كانت الجيوش الاسلامية تغزو فيها إسبانيا وجنوب فرنسا، بدون أن يهتم، على غرار معاصريه، بأسباب الغزو ولا بمعتقدات المهاجمين.
كذلك يمكن أن نتابع الظهور العجائبي حتى في تاريخنا الحديث والمعاصر، مثل ظهور صورة الملك محمد الخامس ملك المغرب في القمر، عندما نفي إلى مدغشقر إبان نضاله ضد الاحتلال الأجنبي، وقد رأى حينها المغاربة صورته مرسومة على القمر على مدى ايام، كما رأى فقراء العراقيين صورة محبوبهم الجنرال عبد الكريم قاسم مرسومة على القمر بعد إعدامه ابان انقلاب 1963، وكذلك رأى المصريون السيدة العذراء تظهر على شكل انعكاس نوراني على ابراج كنيسة حي الزيتون في القاهرة عام 1969 عندما كان البلد يحاول النهوض من كبوة هزيمة 1967. كما رأى بعض أنصار الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين صورته ضاحكا مطبوعة على القمر بعد إعدامه عام 2006. وشاهد انصار السيد حسن نصر الله صورته على القمر بعد حرب تموز 2006، ومحاولة لملمة جراح لبنان والخروج من مأزق ما دمرته الحرب، وشاهد انصار الرئيس السابق محمد مرسي صورته مرسومة على القمر بعدما أطيح به بانقلاب عسكري عام 2013 وأودع السجن وحكم عليه بالاعدام.
واذا نظرنا إلى كل هذا الظهور العجائبي، سنجد أن ما يجمع بينه هو جو الأزمة الذي تعيشه مجموعات اجتماعية، فتسري بينها عدوى مرض نفسي فردي يعرف علميا بـ»الاستسقاط». والاستسقاط « كما يعرفه علماء النفس هو رؤية الـمعنى في اللامعنى، ورؤية النظام في العشوائية، وهي محاولة ربط عدة أحداث أو أشياء منفصلة لا رابط يجمعها لتحميلها معنى جديدا ليس من أصل أي من الأحداث أو الأشياء نفسها، كنوع من إضفاء الصفة العلمية أو المصداقية عليها، أو إعطائها أهمية تفوق حجمها الحقيقي، وقد صُيغ هذا المصطلح عام 1958 من قبل كونراد كلاوس. وقد حدد كلاوس الأفراد الأكثر تأثرا بالاستسقاط في شرائح اجتماعية، مثل الاشخاص المولعين بالظواهر الخارقة، أو المؤمنين بنظرية المؤامرة، أو المتدينين ذوي التفكير البسيط.
ومن اهم انواع الاستسقاط ما يعرف بالباريدوليا، وهي نوع من الوهم أو عدم القدرة على الإدراك، الذي ينطوي على حافز غامض أو مُبهم، تبدو فيها الأشياء «على غير حقيقتها» بجلاء وهي نوع من انوع الاستسقاط القائم على الهوس بتشكيل الهلاوس الصورية، القائمة على قراءة مظاهر طبيعية عشوائية ومحاولة إيجاد المغزى أو الرسائل المخفية في هذه الأشكال، مثل أشكال حبات الفاكهة أو الخضراوات أو الاشجار أو تشكل بعض الاشكال من الغيوم أو النقاط المضيئة أو المظلمة الظاهرة على قرص القمر، وقد يكون التعبير عما يحس به المريض تجاه ما يراه في حالات الباريدوليا مهما على مستوى التشخيص المرضي الفردي في الطب النفسي، ليتسنى للطبيب المعالج فهم تركيبة شخصية المريض نفسيا، ويستخدم الاطباء بهذا الخصوص ما يعرف بقراءة (بقع حبر رورشاخ) حيث يعطى المريض اوراقا عليها اشكال عشوائية من لطخات الحبر، ليقوم بشرح ما يراه أو يتخيله في هذه البقع، لكن خطورة الأمر عندما يخرج العارض النفسي من إطار حدوده الفردية، ليتحول إلى هوس جماعي، حينها نكون ازاء مرض اجتماعي – نفسي يجب أن نقف عنده ونحاول أن نفهمه لنضع له العلاج.
اذا اردنا أن نحلل ظواهر الظهور العجائبي، نجد انها كلها تصب في حالة اليأس والاحباط، التي تصيب المجتمعات فتدفعها للبحث عن حلول مشاكلها في المعجزات، التي يحاول العقل الجمعي أن يسوقها على شكل ظهور يجلب من كان يعتقد الجمهور انه اهل لحل هذه المشاكل، وفي بعض الحالات يحمل الظهور نبؤات تحاول أن تجد حلولا لما يحدث من أزمات، كما حصل في بداية شهر يناير الحالي وصور فيديو على انه ظهور عجائبي للسيد المسيح في سماء نهر الاردن، كنوع من رد الفعل على اثر الازمة التي اشتعلت إبان تصريح الرئيس ترامب بخصوص نقل السفارة الامريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لاسرائيل، وقد اثار فيديو الحدث الكثير من الجدل والخلاف.
لكن ماذا عن الظهور العجائبي للسيد الصدر في سماء لم يحددها مقطع الفيديو، لماذا يظهر الان والتيار الصدري في وضع قوي ويتصدى للانتخابات بائتلاف مميز مع قوى وطنية وعلمانية، وهنا ربما نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس الذي نقرأه في أحد الغاضبين من الفيديو حين قال «الكل يلبسون العمامة ويطيلون لحاهم، فلماذا يكون هذا الظهور العجائبي للسيد الصدر تحديدا؟ أم لأن الصدريين انخرطوا مع المدنيين في ائتلاف ربما مثل قليلا من انفتاح العقل، وإذا بك يا صالح العراقي تفاجئهم بفيديو تخريفي! لماذا هل هو الخوف من علمية العقل العلماني على شارعك الصدري الذي تحاول تجهيله؟».
كاتب عراقي

السيد يظهر في السماء!

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Imad:

    هذه كلها خرافات

اشترك في قائمتنا البريدية