سؤال المديونية المحرج يتدحرج في الأردن: «أزمة مالية» برسم إنتظار «مشروع سياسي»

عمان ـ «القدس العربي»: لا أحد في الأردن يمكنه مطالبة وزير المالية الجديد الدكتور عمر ملحس بالاسترسال في الحصافة السياسية ومراعاة الاعتبارات الشعبوية عندما يتعلق الأمر بوضع الميزانية والخزينة الفعلي وأزمة المديونية والملف المعقد بعنوان الدين الخارجي.
الدكتور ملحس ينتمي إلى القطاع الخاص ولم يتدرج سابقا في السلك البيروقراطي وجلس على كرسي الوزارة المهمة خلفا لبيروقراطي عريق هو الدكتور أمية طوقان.
بهذا المعنى لا يؤمن ملحس بالألعاب اللفظية والسياسية ويقول المعلومات كما هي وهو ما اتضح في اطلالته الأخيرة تحت قبة البرلمان عندما أعلن ان صندوق النقد الدولي يشترط تخفيض 80 ٪ من المديونية حتى يتعاون مع الأردن.
طبعا يلمح الوزير ملحس لإجراءات اقتصادية ترشيدية لا يمكنها ان تكون شعبية ويفسر ضمنيا عاصفة الجباية التي اجتاحت مؤسسات الحكومة ضمن فلسفة رئيس الوزراء الكتور عبد الله النسور وهو يعتبر الجباية سببا في الاستقرار المالي والاقتصادي في الدولة.
بعيدا عن حسابات البرلمان والسياسة والإعلام يتجنب الدكتور ملحس وهو من خارج النادي التقليدي، المجاملات المعتادة.
لكنه يعرف في المقابل ان تخفيض الدين الخارجي بنسبة 80 ٪ هو بمثابة قنبلة يتم زرعها في حضن الرأي العام ليس فقط لأن هذا غير ممكن أصلا أو صعب المنال، ولكن أيضا لأن تخفيضا من هذا المستوى يعني إجراءات غير شعبية لا تقف عند انتهاك معيشة المواطن فقط، بل تزيد من مستوى الضنك الذي يواجهه. وهو ما يحذر منه برلماني عريق من وزن خليل عطية اعتبر عبر «القدس العربي « ان محاولة حل مشكلات المال والاقتصاد والمديونية على حساب المواطن عبث حساس وخطير.
يلتقط رئيس وزراء سابق بخلفية اقتصادية من وزن سمير الرفاعي جوهر أزمة الدين الخارجي ويطالب ان يتم التعامل مع البلد بعد الآن على أساس ان المديونية لن تنخفض خلافا للنغمات التي يرددها مسؤولون هنا وهناك.
وجهة نظر الرفاعي تبدو منطقية وواقعية وهو يتحدث عن ضرورة التركيز مستقبلا على توسيع النمو الاقتصادي لكي يصغر تأثير المديونية بدلا من صرف الجهد والوقت في الحديث عن المديونية نفسها أو تخفيضها.
بالنسبة لتقرير استراتيجي معمق اطلعت عليه «القدس العربي» وصدر عن لجنة دبلوماسية أمريكية تتابع الشأن الأردني، فعواقب أزمة المديونية متعددة واحتمالات اصابة البنية الاجتماعية بأضرار واردة خصوصا عند الأطراف وفي صفوف الطبقات الاجتماعية الأقل حظا.
لا يعتمد صناع القرار في دولة كالأردن على تقارير وتقديرات من هذا النوع عندما يتعلق الأمر بالبحث المتهوس عن حلول من أي نوع لأزمة المديونية التي تتفاقم وتقترب من حاجز الأربعين مليار دولار، في الوقت الذي يضغط فيه البنك الدولي بشدة وتختفي من وفوده التي تفاوض الأردن مساحات المجاملة والمرونة المعتادة.
هذا البحث المتهوس وصل إلى الانتباه لان الحاجة ملحة عشية شهر رمضان المبارك لحكومة جديدة بخلفية اقتصادية. الخيارات المنطقية والمقنعة هنا تبدو ضيقة للغاية خصوصا في ظل قناعة مؤسسات القرار المرجعي ان حكومة الرئيس النسور نقلت الأزمة الاقتصادية خلال ثلاث سنوات إلى مستويات الثبات دون ان تعالجها وبالتالي استنفذت هذه الحكومة طاقتها وخياراتها وفعلت في التقييم النهائي ما ينبغي عليها ان تفعله.
لا توجد مؤشرات ترجح اختيار شخصية اقتصادية قوية لوراثة ملف أزمة المديونية على نحو مؤلم، خصوصا مع ضمور النمو الاقتصادي وصعوبة الحصول على مليارات دعم اللاجئين السوريين والغلاء الفاحش في الخدمات والسلع وتراجع الاستثمار في مختلف القطاعات وسط الإقليم المشتعل بنيران لا تسمح حتى بالتفكير الاقتصادي الإيجابي الطبيعي.
شخصية من وزن رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي أصبحت مطلبا حيويا عندما يتعلق الأمر بدراسة الخيارات البديلة والحاجة لإدارة اقتصادية تستطيع عبور الأزمة، لكن الكباريتي لديه تحفظات على الإدارة المالية والاقتصاية للدولة وشخصيته طاغية بالقوة والتأثير ومهاراته مطلوبة وفعالة ولديه رصيد متراكم من الإيجابية والمصداقية في الشارع مقابل رصيد من القلق والارتياب عند النخب الطارئة.
في كل الأحوال حكومة مطبخ اقتصادي قد تكون الخطوة المقبلة قبل الانتقال للانتخابات وحكومات الأغلبية البرلمانية.
لكن أزمة المديونية تشغل ذهن الطبقات العليا في الدولة والمؤسات والبرلمان والوسط النخبوي خصوصا مع تنامي القناعة بضرورة التوقف عن طرح مشكلة المديونية كأزمة والذهاب الفوري غير المتردد نحو المعالجة التي يقترح الرفاعي علنا ان تكون تحت قاعدة توسيع الاقتصاد.
ولا تبدو رموز المطبخ الحالي في السياسة والاقتصاد قادرة على الإنتاج، ومن الواضح ان العناوين الجديدة التي تستخدم في تفسير أزمة المديونية في بلد كالأردن قد تؤشر على ما لا يريد الجميع التحدث عنه وهو حصريا الإندفاع في أحضان مشروع سياسي إقليمي يفرضه الآخرون مقابل تجاوز عقبة المديونية في حال الإقرار بإخفاق المعالجة المباشرة.
هنا حصريا يجلس الشيطان وسط العديد من التفاصيل ويعتقد بعض المفكرين ان الإفصاحات التي تكاثرت مؤخرا على السنة رموز الدولة حول المصاعب الناتجة عن أزمة المديونية هي شكل من أشكال التمهيد للقبول بمشاريع سياسية ذات بعد إقليمي ودولي، الأمر الذي يحذر منه كثيرون، لكنه قد يبدو الآن بمثابة الحل الوحيد عندما يتعلق الأمر ليس فقط بمعالجة المديونية ولكن بالتوازي بتوسيع النمو الاقتصادي بسبب مشاريع أمنية وإقليمية وسياسية بحيث يتقلص تأثير الدين.

سؤال المديونية المحرج يتدحرج في الأردن: «أزمة مالية» برسم إنتظار «مشروع سياسي»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    السعودية ستمتلك قريباً صندوق إستثمار بمبلغ 2000 مليار دولار حسب رؤية الأمير محمد بن سلمان
    والسؤال هو : لماذا لا تخصص عشر هذا المبلغ أي 200 مليار دولار في إقراض الدول العربية المتعسر إقتصادها
    أو في إستثمار مشاريع تعود بالمنفعة على تلك الدول
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول الهدهد - اربد:

    نفهم من هذا المقال بأن الأشخاص الذين سطو على المال العام ولم يحاسبوا لهم ضلع في توصيل الشعب الأردني الى هذه النقطة التي سوف تجبر الأردن للقبول بمشاريع سياسية ذات بعد إقليمي والظاهر ان الأردن اجبر على التعديلات الدستورية لكي يتم بيع الأردن او مشاركة
    وما نواب الشعب الا أداة لتنفيذ هذه المخططات دون علمهم أي انهم اشتركوا مع من قام بخراب الأردن مع عصابة اللصوص الذي اوصلوا
    الوطن الى هذه النقطة حسابهم عند ربهم.

  3. يقول فادي:

    خدمات الدين العام في الاردن تبلغ 1 مليار دولار سنويا على اصل الدين البالغ 20 مليار
    لو تم اقراض الاردن هذا المبلغ دفعه واحده فهذا يعني منحة دائمة بمبلغ مليار هي خدمة الدين وهل 20 مليار كثيرة على الاردن الذي يشكل صمام امان للعالم العربي وانسانيته باستقباله كل الملايين المهاجرة والباحثة عن الكفاف

  4. يقول خليل ابورزق:

    الحل بسيط. و لكن يحتاج الى ارادة جماعية و بدون بنك دولي و لا قروض:
    1- مزيد من الحرية و الديموقراطية تعني زيادة حقيقية في شعبية النظام ومن ثم استقراره و الثقة فيه
    2- تخفيض تدريجي لحجم القطاع الحكومي و الذي يستخدم نحو 40% من القوى العاملة لا سيما القوات المسلحة و الامن و الدرك لعدم الحاجة مع زيادة شعبية النظام و ارتفاع مستوى المواطنة
    3- اعطاء الاولية للصحة و التعليم و التعليم العالي لان الانسان المنتج هو الثروة الحقيقية.
    4- قطع دابر الفساد بالشفافية وتقوية و استقلال القضاء
    5- معالجة موانع الاستثمار ومنها وضوح و استقرار القوانين و تبسيط الاجراءات و سيادة القانون. و ستتدفق رؤوس الاموال و خاصة المحلية و العربية بشكل تلقائي مع استقرار النظام.

  5. يقول د. عبدالسلام أحمد:

    الحل الأول يبدأ بالأمتيازات التي يحصل عليها كبار الموظفين في وزارات ومؤسسات البلد بالأضافة الى رواتبهم. يكفي أن نائب رئيس جامعة حكومية يحصل على مبلغ 71 الف دينار كميوامات لعام واحد. ماذا عن إمتيازات الوزراء ونوابهم ومدراء المؤسسات المختلفة ورؤساء الجامعات، اعتقد أنها بعشرات الملايين، إن لم تكن بالمئات.

اشترك في قائمتنا البريدية