سنة على الانقلاب التركي الفاشل

حجم الخط
15

في خطاب الرئيس التركي في الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة جمع رجب طيب إردوغان خصوم الجمهورية التركية وعلى رأسهم أنصار جمعية «خدمت» التي يرأسها الداعية المقيم في أمريكا فتح الله غولن، وحزب العمال الكردستاني الذي يقود حرب عصابات داخل تركيا (كما يهددها عبر امتداده العراقي في جبال قنديل وفرعه السوري «الاتحاد الديمقراطي»ّ)، وتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي تنحسر سيطرته الجغرافية بعد سقوط الموصل، وأخيراً أعطى تلميحاً واسعاً تحت إطار من سماهم «من يحاولون محاصرة حدودنا»، والذي يُفهم على أنه يعني الاتحاد الأوروبي (كما يمكن أن يعني أشياء أخرى).
ضمن معانيها المتعددة، آذنت محاولة الانقلاب الفاشلة، عملياً، بانتهاء مرحلة سيطرة الجيش على السياسة، والتي كانت سبباً لخضّات كثيرة في تاريخ تركيا الحديث، وإسقاط الانقلاب، لهذا السبب بالذات، يعتبر إنجازا تاريخياً كبيراً في حياة الشعب التركي والإقليم المحيط بما فيه العالم العربي، فسقوط تركيا في قبضة العسكر كان سيكمل المشهد السوداوي المريع في المنطقة والثورات المضادة لأنظمة الطغيان العربية الراسخة وحلفائها الجدد والقدامى وهو ما يفسر الترحيب الشديد الذي لقيته أخبار الانقلاب الأولى في بعض وسائل الإعلام العربية وخصوصاً في القاهرة ودمشق وأبو ظبي.
لكن الغريب كان مواقف عواصم غربية ووسائل إعلامها حيث ران الصمت انتظارا لحسم العسكر لمعركتهم، هم أيضاً، ضد نتائج الديمقراطية التركية التي جاءت بحكم حزب «العدالة والتنمية» وليس بأحزاب العلمانية والقومية المتشددة التي كانت حليف العسكر الدائم في انقلاباتهم.
قدمت محاولة الانقلاب الفاشلة درسا مهما وهو أن الشعب التركي، بما فيه الأحزاب السياسية، وقطاع كبير من الجيش والإعلام، رفض، وبقوة مثيرة للإعجاب، قرار فئة متآمرة مجهولة التسلط عليه واعتبار نفسها فوق المؤسسات والأحزاب والإرادة الشعبية تحت أي شعار كان. تفسر هذه الخلفية التاريخية والملابسات الداخلية والخارجية في موضوع تأييد بعض الدول العربية، المعلن، أو الغربية، الخفي، للانقلاب التداعيات السياسية والعسكرية والأمنية اللاحقة بدءاً من موجة التطهير الواسعة التي طالت قطاعات الجيش والدولة والإعلام، وتزايد قائمة الخصوم الطويلة، وتفسر أيضاً التقارب التركي الروسي وحالة التوتر المتصاعدة مع أوروبا والتعامل مع العلاقة مع واشنطن بمنطق الضرورة الذي لا يخفي الحذر والقلق والتوجس وخصوصا من إصرار واشنطن على تسليح فرع العمال الكردستاني في سوريا وتعهيده مهمة قتال «الدولة الإسلامية».
رغم هذه التداعيات الكبيرة المؤثرة فقد استطاع إردوغان وحزبه النجاح بالفوز باستفتاء التعديلات الدستورية التي عززت قدراته الرئاسية وتحكمه في الجيش والأمن والإعلام والحزب، وإذا كان فشل الانقلاب قد حسم المعادلة الباهظة لتحكم الجيش بالسياسة فإنه، من ناحية أخرى، دفع نحو استقطاب جديد في الساحة التركية ساهمت في دعمه إجراءات التطهير الكبيرة التي طالت، حسب ما ذكرت وسائل إعلام عديدة، قرابة 169 ألف موظف وثلث قيادات الجيش وعددا كبيرا من الأمنيين والصحافيين والقضاة، والضغوط الغربية على تركيا في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتعبير.
لا يمكن المجادلة في ضرورة الإجراءات اللاحقة الهادفة للحفاظ على الديمقراطية التركية ومنع محاولات انقلاب أو تآمر جديدة لكن ذلك لا يمنع من القول إن رد الفعل الكبير الذي استهدف هذه الأعداد الكبيرة من الأتراك وضع آليات الحفاظ على الديمقراطية التركية، وهي الآليات نفسها التي جاءت بـ«العدالة والتنمية» إلى السلطة، في وضع صعب جدا وأعطى مصداقية للضغوط الغربية وللاحتجاجات الداخلية التركية.
لا يمكن المجادلة أيضاً في أن تركيا هي موضع استهداف كبير سببه موقعها شديد الخطورة على خريطة العالم، فهي أكبر جسور اللقاء للعالم الإسلامي مع الغرب، جغرافيا وحضارياً، وهي أيضاً نقطة وصل بين روسيا، التي أثبتت قدرة عظيمة على التدخل في مجريات العالم، وأوروبا، من الغرب، ودول الاتحاد السوفييتي السابقة الإسلامية، من الشرق، إضافة إلى كونها على حدود إيران والعراق وسوريا، وهي حيثيات تؤهلها لتكون عاملا أساسيا للتأثير في أوروبا والعالم، وبالتالي، فإن الحفاظ على استقرار تركيا وازدهارها هو مصلحة عالمية وإقليمية وعربية.
جدير بالذكر، هنا، أن كل هذه العوامل ترتكز، أساساً، على تقليل قائمة الخصوم الداخلية، وبعد الانتصار على الانقلاب، يصبح الاتجاه نحو التسوية والعدالة والمصالحة الوطنية، وتعزيز أسس الديمقراطية، هو السلاح الأكبر الذي يمكن لإردوغان و«العدالة والتنمية» ولتركيا عموماً الاعتماد عليه.

سنة على الانقلاب التركي الفاشل

رأي القدس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    الغرب المنافق دائماً مع المسلمين
    1- الرفض المبطن لإنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي
    2- دعم العسكر الإنقلابيين على الإسلاميين دوماً وكما جرى في مصر
    3- رفض بيع منظومة صواريخ الباتريوت الدفاعية الأمريكية لتركيا الشريك في حلف الناتو !
    4- الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان المزعومة مجرد لعبة بيد الغرب يخرجها للعيان حسب مصالحه فقط لا غير
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول الجزائر:

      بعض الشروط الواجب تحقيقها للخروج من الهيمنة الصهيوامريكية
      الاعتماد على الذات و الاستخدام اللامثل
      للموارد البشرية و المادية
      تحقيق و الحفاظ على السيادة الوطنية
      الشرعية السياسية و تكريس المواطنة
      الحكم الراشد و حسن التدبير.
      التعاون على قاعدة رابح-رابح مع الدول خاصة دول الجوار.

  2. يقول Passer-by:

    الغرب، الذي أعيش فيه وكما عرفته، لئيم، منافق وحقود لا يطيق أن يرى الديموقراطية في أي دولة وخاصة الدول العربية والإسلامية وما يتشدق به من قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان لا يقصدنا نحن المسلمين بها أبداً إنما هي للتجارة والإبتزاز وممارسة الضغوط عند الحاجة. الغرب يريد دولنا أن تبقى متخلفة وإتكالية ومحكومة بالدكتاتورية إلى أبد الآبدين كي يسرق خيراتنا ويضمن دولنا كأسواق لسلعه وهذا بالضبط ما يحققه الدكتاتور للغرب. دكتاتوريينا دجاجات تبيض ذهباً للغرب ولا تكلف كثيراً سوى بضع حفنات من الحبوب تلقى لها كل يوم
    كي تستمر على قيد الحياة.
    ما حصل أن تركيا بدأت مسيرة التحديث والإنعتاق من الطغمة العسكرية الغاشمة وهذا هدد إسرائيل كواحة للديموقراطية في الشرق الأوسط ولذلك أومأت الصهيونية العالمية لعملائها بوأد الديموقراطية التركية قبل أن يشتد ساعدها وينتشر وباؤها في الإقليم، والحقيقة المرة أن عملاء الصهيونية العرب هم الذين مولوا عملية الإنقلاب ولذلك طارت عقولهم من الفرح عند الساعات الأولى للإنقلاب ولكنها عادت وطارت عقولهم ثانية من الغيظ هذه المرة بعد أن تبين لهم فشل الإنقلاب. ولذلك أرى أن أردوغان لديه كل الحق أن يوجه رسائل لكل من يهمه الأمرمن الخونة والعملاء عرباً كانوا أم عجم- وهم يعرفون أنفسهم- بأن تركيا ستنقتم ولو بعد حين وهيهات للتركي أن ينام على ضيم.

  3. يقول زيد حسين - الجزائر:

    الانقلاب على العسكر وترسيخ الدولة المدنية مكان الدولة الأمنية إنجاز لم يتأت لأحد من قبل، فالخطة والإخراج والنتيجة تبهر الأبصار، تخيلوا حتى الدول الغربية وعلى رأسها أميركا وقعت في شر مكائدها، وهي التي كانت تمني النفس بزوال حكم “أردوقان” في تلك الليلة المشهودة ليكتمل المشهد بعد تنحية “مرسي” من قبل ليخلو الجو لأنظمة الطغيان لتعيث في الأرض فسادا.
    أدرك السيد “أردوقان” أنه لا بد من قوة تحمي اختيار الشعب في مواجهة السلطة الفعلية التي تتحكم في كل مفاصل البلاد، فأبرم لهم أمرا بليل لم يستفيقوه إلا ضحى الغد وقد طار الحكم من أيديهم.

  4. يقول الصوفي الجزائر:

    اردوغان اخذ الكرسي بالديمقراطية وثبته بتعاطف قطاع كبير من شعبه لنزاهته وكفائته
    السيسي اخذ الكرسي بانقلاب عسكري دموي وثبته بارتمائه في احضان اسرائيل
    ال سعود وحكام ابو ظبي ورثوا الكرسي وثبتوه باموال البترول وبالتآمر والخضوع لاملائات الغرب
    ياترى لمن تكون الغلبة والاستمرار والانتصار

  5. يقول محمد جبرؤوتي - ألمانيا:

    بسم الله الرحمن الرحيم. الدول التي ساندت غزة تتعرض لأذى كبير لكن هذا امتحان من الله ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز..فالإنقلاب العسكري زاد الدولة التركية قوة وثبات ومناعة وخلال السنوات القليلة المقبلة ستنتهي الاتفاقيات الظالمة وستتمكن تركيا من استخراج النفط ومن أخذ رسوم مرور السفن التجارية عبر مياهها فهذا سيزيدها قوة وهذا كان أحد أهم الأسباب لمحاولة الإنقلاب بالإضافة للتحريض الصهيوني…الهجوم الشرس على تركيا والتحريض لانقلاب عسكري شاركت فيه دولا عدة عربية وأوروبية بعلم أمريكا لكن من يتزعم كل هؤلاء إسرائيل.

  6. يقول ع.خ.ا.حسن:

    بسم الله الرحمن الرحيم العسكري.رأي القدس اليوم عنوانه (سنة على الانقلاب التركي الفاشل)
    العين الصهيوماسونيةالصليبيةالصفوية على تركيا
    وعلى قادتها في حزب العدالة والتنمية الاسلامي وخصوصا على رئيسها رجب طيب اردوغان. هذه العين ليست عين رعاية وحب لتركيا ولكنها عين الحسد والتوجس والخوف من بعبع الاسلام السياسي الذي طرح نفسه بقوة في حراك الربيع العربي ولم يجد الا السند التركي له ظهيرا.
    الربيع العربي وقف ضده وافشله حاليا عسكر السيسي وكل قوى التغريب المحلية من شيوعية وعلمانية ولادينية،بالاضافة الى الانظمة العربية المرعوبة على عروشها من اي حراك شعبي كالامارات والسعودية وغيرهما.
    واما محاولة الانقلاب التركية فهي استنساخ فاشل لانقلاب السيسي على الشرعية في مصر. لكن الشعب التركي بعمومه ونظرا لما عاناه من العسكر وديكتاتوريتهم وفسادهم طوال عقود طويلة وعجاف،ونظرا لما قدم حزب اردوغان لتركيا من خدمات ومشاريع عملاقة واستقلال قرار واقتصاد متين، عض عليه السعب التركي بالنواجذ واسقط الانقلاب العميل،بالرغم من مساندة امريكا واوروبا له ولكن بالسر انتظارا للحسم. واعداء العدالة والتنمية اعلاه هم المرعوبين من نموذج الديمقراطية التركية.
    لكن الغريب كان مواقف عواصم غربية ووسائل إعلامها حيث ران الصمت انتظارا لحسم العسكر لمعركتهم، فهم أيضاً(ضد نتائج الديمقراطية التركية التي جاءت بحكم حزب «العدالة والتنمية» وليس بأحزاب العلمانية والقومية المتشددة التي كانت حليف العسكر الدائم في انقلاباتهم.)
    (وبعد الانتصار على الانقلاب، يصبح الاتجاه نحو التسوية والعدالة والمصالحة الوطنية، وتعزيز أسس الديمقراطية، هو السلاح الأكبر الذي يمكن لإردوغان و«العدالة والتنمية» ولتركيا عموماً الاعتماد عليه.)

  7. يقول اليمانى المملكه المتحده:

    الحمد لله على فشل الانقلاب فى تركياء واذ كان قد تم له النجاح فاننا سنعيش اوقات مظلمه وحالكه ولن يترك لنا اى بصيص او امل فى الحياه الديمقراطيه بمعنها الصيحيح كما نعيشها نحن فى اروباء.

    تركياء تضل الدوله الوحيده فى الشرق الاوسط التى تمنح مواطنيها حق الاختيار لمن يحكمهم وعلى اى اساس تكون دولتهم وهذا سوف يعطى الحافز لدول مناطقنا لتحذو حذوها حتى ولو تعسرت الطرق وطال امدها.

  8. يقول سامح //الأردن:

    *البطل الموهوب المبدع (اردوغان) نعمة
    عظيمة لتركيا لتنهض وتقود العالم الإسلامي
    نحو التقدم والازدهار (وفقه الله).
    سلام

  9. يقول ابن الجاحظ:

    تركيا و تونس ..أمل الامة و الانسانية جمعاء….
    حب من حب و كره من كره…

  10. يقول محمد حاج:

    فشل الانقلاب ، نعم فشل ، ولكن لم تتوقف محاولات العربان مع الغرب لعمل انقلاب اخر مع تلافي السلبيات ، يجب على اردوغان نسيان الانقلاب الفاشل و النظر بعين ثاقبة تجاه تكتيك من دعموا انقلاب السيسي ، لانهم سيحاولون الكٓرة مرة ثانية ، لعلهم اذا حصل انقلاب حقيقي في تركيا ، يستفردون بقطر وتكون لقمة سائغة لهم .

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية