هذا نقاش هادئ أرجو ممن يهمهم أن يتقبلوه برحابة صدر. أقول هذا لأن الجو في الجزائر، بسبب قضية «الخبر»، مسموم ومشحون إلى حد الخوف والدنيا معسكران.. «معنا» أو «معهم»، ويكاد العقل يغيب!
صفقة بيع مجمع الخبر هزت الوسط السياسي الجزائري لأن الأمر مرتبط بترتيب البيت بعد بوتفليقة، ولأن آل الرئيس الحالي يرفضون التنازل عن البيت. لكن هذا نقاش آخر سأعود إليه في مقال لاحق.
بداية ً لا أستطيع أن أخفي دهشتي من المبلغ الزهيد للصفقة. المجمع الضخم الذي بدأ هزيلا بصحيفة واحدة متعثرة، تجاوز من العمر ربع قرن، ويملك اليوم:
ـ أربع مطابع موزعة على التراب الجزائري بشكل متوازن مدروس.
ـ جريدة واسعة الانتشار.
ـ مقر فخم من عدة طوابق في أرقى أحياء العاصمة.
ـ شركة توزيع.
ـ محطة تلفزيونية.
ـ سيارات.
ناهيك عما يسمى في سوق الأعمال في الغرب «البراند»، أي اسم الجريدة الذي يجعلها مثل الدجاجة التي تبيض ذهبا.
هذه الأصول مجموعة تساوي، على الأقل، عُشر مرات المبلغ الذي بيع به المجمع والمقدّر بأربعمئة مليار سنتيم (نحو 32 مليون دولار)، عندما تقاسمها المساهمون (عددهم نحو 20) بالتساوي كان نصيب كلٌ منهم 20 مليار سنتيم، تزيد أو تقل قليلا.
20 مليار في جزائر اليوم، وبلغة الجزائريين، هو ثمن شقة أو اثنتين في حي تيليملي أو «كاركاسة» في حيّ الحميز (قرب العاصمة) الغارق في الأوحال بلا انقطاع.
لماذا قرر مالكو مجمع الخبر بيع الجمل بما حمل والانصراف إلى حياتهم الخاصة؟ يقفز للذهن هنا أكثر من تحليل، بعضها داخلي والآخر متعلق بظروف العمل الصحافي المنكوب نكبة أي عمل شريف في الجزائر.
نظام الحكم الجزائري يتحمل مسؤولية كبرى وعلى أكثر من صعيد. هو الذي خنق الصحف غير الخاضعة له، وبينها الخبر، وشجع الرداءة والتشرد المهني وجعل الصحافة مهنة يكاد صاحبها يستحي بها.
منذ اليوم الأول، تحكم هذا النظام في سوق الإعلانات التجارية: ممنوع على الشركات والجهات الحكومية نشر أي إعلان دون المرور على شركة الإعلانات الحكومية المسماة «أناب» التي تتولى توزيع الإعلان كما تشاء. (روى لي مدير أحد أكبر مستشفيات البلاد مرة أنه طلب نشر إعلان عن إنجاز ورشة بالمستشفى، فاختار صحيفتين كبريين معروفتين، واحدة بالعربية وأخرى بالفرنسية. بعد فترة لم يرَ خلالها إعلانه، اتصل بـ»أناب» فأبلغته أن الإعلان نُشر منذ فترة في جريدة تسمى «لاديبيش دوكابيلي» ـ التي لم يكن قد سمع عنها من قبل. عندما حاول الاحتجاج، قالوا له: نحن أدرى منك بسوق الإعلانات).
هذا الاحتكار أحيا صحفا وقتل أخرى، رفع أناسا وأذلّ آخرين، جرّد البعض من شرفهم، وتحوّل إلى الهمّ الأول في أحاديث الوسط الصحافي الجزائري.. مَن أخذ ماذا ومتى وكيف ولماذا!
أزمة الخبر تؤشر إلى نهاية عهد الصحافة الخاصة بالصيغة التي أرادها رئيس الحكومة مولود حمروش قبل 26 سنة. اليوم لا مجال لصحافة يملكها صحافيون ويرعونها مثل أمٍّ ترعى أيتامها وسط بيئة معادية. أن تكون صحافيا ناجحا أو ناشرا متفوقا في جزائر اليوم، أمامك معسكران، معسكر السلطة بما فيه من أوساخ، ومعسكر المال وهو يصب، في النهاية، في مستنقع السلطة. لا صحافة بلا تنازلات، والتنازلات مطلوبة أحيانا لأكثر من جهة.
المجتمع الجزائري تغيّر كثيرا، وضمن هذا التغيّر يدخل فقدانه الثقة في السياسيين والصحافيين الذين يعتبرهم جزءا من مؤسسة الحكم والنفوذ. تحتاج الخبر، وغيرها، إلى جهد خارق لكي تصمد في هذه البيئة غير السوية.
النتيجة أن الخبر لم تعد قادرة على المنافسة، فظهرت عليها الحيرة والإرباك أمام زحف نوع آخر من الصحافة الفضائحية ومانشيتاتها الصادمة:
ـ زوجي يحب المعاشرة من الخلف، فماذا أفعل؟ وهل حلال أو حرام؟
ـ أعماه الشك فطعنها وهي ساجدة تصلي.
ـ الشيخ العريفي (أو غيره) يفتي بجواز قضاء المرأة حاجتها في الخلاء عند الضرورة.
ـ الشيخ فلان يداوي العقم والسرطان والسكري برشة ماء.
ـ معلم يمارس الجنس مع تلميذاته بعد أن يغريهن بأسئلة الامتحانات.
يستطيع الانسان الجزائري اليوم أن يصطحب جريدة الخبر إلى بيته لتقرأها ابنته المراهقة، لكنني أشك أنه يجرؤ على اصطحاب صحف أخرى تفوح بمثل العناوين المذكورة آنفا.
في دردشة حول غداء بالجزائر العاصمة قبل ثلاث سنوات أو أكثر، قلت لمسؤول صحيفة لها باع في ترويج هذا النوع من الموضوعات: أنتم تصنعون الدروشة، وبعد عقدين سينشأ جيل أبله من الجزائريين يحمل اسم جريدتك!
تزامن هذا مع خوف صحيفة الخبر من اختيار معسكرها بشجاعة.. لم تجرؤ على معارضة الحكم بوضوح، واستحت من تأييده بصراحة.
هناك أسباب داخلية لا يمكنني إغفالها، تتعلق بالخبر ومزاجها العام وتركيبتها. كانت هذه الجريدة منذ اليوم الأول أرضية خصبة للخلافات بين مالكيها، لأسباب ليست دائما وجيهة. أغلبية هؤلاء المُلاك تخلوا بسرعة عن ثوب الصحافي إلى ثوب التاجر المهموم بشبح الإفلاس. أمام انسحاب المؤسسين والمالكين أصحاب رأس المال، تُركت الجريدة لصحافيين شباب سرعان ما يتحولون إلى موظفين، الشيء الذي جعلها تأخذ مساراً غير تنافسي وتبتعد عن الابداع.
أخيرا، في جزائر الواجهات المزيفة ـ عشرات الأحزاب ولا تعددية، برلمان بلا ديمقراطية، انتخابات عدة ورئيس واحد منذ 17 عاما (مفتوحة)، عشرات الصحف بلا صحافة ـ لا غرابة أن يشتري الخبر رجل الأعمال يسعد ربرب أو غيره. فمثلما تحتكر السلطة أذرعا إعلامية عدة، يحق لغيرها أن يفعل. حزني أكبر على صحافة بلادي التي دخلتها قبل أكثر من ربع قرن بطاقة ظننت أنها تهد الجبال، وانتهى بي المطاف متنقلا بين البلدان أحمل حقائب من الخيبات والذكريات.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي
يقال أن الصحافة هي السلطة الرابعة, لكنها ببلادنا بلا أي سلطة حتى على نفسها
ولا حول ولا قوة الا بالله
لا أرى أي تعليقات للأخوة الجزائريين مع أن المقال جزائري محض
وحين يتعلق الأمر بالمغرب نراهم يعلقون أكثر من المغاربة ثم يخبرونك بأنهم لا يتدخلون في شؤون المغرب
حمى الله المغرب والجزائر وسائر بلاد العرب
مقال موفق وتحليل رصين في موضوع مهم. فما بال أهل البلد لا يعلقون ولا يتفاعلون؟. ما بال تعليقاتهم تنزل كالمطر الغزير حينما يتعلق الأمر ببلد جار اسمه المغرب ثم تجف حينما يتعلق الأمر بالبلد واهله واحواله؟. هل هو حب ام جنون ام على قلوب اقفالها؟.
شكرا للسيد توفيق الذي عودنا على نشر مقالات تتميز بتحليلات موضوعية رصينة و تتضمن نفحات وطنية صادقة… والحق أن جزائر اليوم تعج بالإخفاقات و المشاكل خاصة على مستوى العقليات، بخلاف فترة السبعينيات من القرن الماضي، فترة التطلعات والآمال العريضة.
ترددت قليلا قبل ان افتح قلبي واحل عقدة لساني لأدلو بدلوي في هذه الهلمة التي تغرق الجزائر في القيل والقال وفي شد خيط من يقف وراء هذه المهزلة ( المزبلة) التي يتعالى دخانها فيحرق العيون ويصيب بالحساسية والحكة. ماذا يجري في الجزائر ومن يتصارع على ماذا، وماذا يريد الذين يروحون للفتنة النائمة او مغمضة العين الواحدة. قضية الخبر المفتعلة هي القطرة التي افاضت الكأس والغاز المتسرب الذي يوشك على الانفجار .
لب الحديث في هذا المقام ان الرؤيا لم تتضح بعد لان هناك الكثير ينتظرون طفو ( الخز) على سطح الماء حتى يتسنى لهم المناورة ممن يقتاتون من السلطة .
حقيقة تدمي القلب ، نعم ، هذا هو حال الصحافة اليوم في الجزائر ، إمّا أن تقرأ و تشاهد مرغما موادا إعلامية ركيكة تافهة ملهية مضيـّعة للوقت ، مستغبية للمواطن الجزائري، وإمّا أن تكتفي و أنت راضي و تدعو اللّه أن يحفظ القلة القليلة النادرة المحاصَرة ،المُضيّق عليها باللّيل و النّهار ، من صحافة محترفة موضوعية وطنية صادقة..إنّه الإنهيار المبرمج..