فيدل كاسترو: الثوري أم الطاغية؟

حجم الخط
13

انقسم السياسيون والجمهور العام في العالم على الموقف من رحيل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، فالبعض عاد إلى خزانة المصطلحات السياسية القديمة حول الشيوعية ومعاداة الامبريالية (كما فعل الرئيس الصيني ورؤساء كثر في أمريكا اللاتينية والرئيسان الإيراني)، فيما اكتفى البعض باستذكار الواقعيّ: التنمية الذاتية والرعاية الصحية والتعليم (كما فعل جاستين ترودو رئيس وزراء كندا والزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف)، أو باعتباره شخصية تاريخية مؤثرة (كما فعل باراك أوباما ومسؤولون أوروبيون كثر)، انتهاء بدونالد ترامب ونائبه اللذين اعتبرا كاسترو دكتاتورا وحشيا وطاغية.
بغض النظر عن الاختلاف في الآراء حول الزعيم الكوبيّ الراحل فإن الواضح من ردود الفعل العالمية والشعبية الهائلة على وفاته أن كاسترو يلخص في شخصه والبلاد التي حكمها (والحوادث التي أدت لاستلامه السلطة والنجاة من محاولات الاغتيال الكثيرة والصمود أمام تغيّرات التاريخ العاصفة) تناقضات العصر الحديث ومآلاته العجيبة.
قدّمت وفاة كاسترو مناسبة لمقاربة الإلهام الذي قدّمته الثورة الكوبية للثورات العالمية التي وجدت معنى كبيراً في قدرتها على مقارعة الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت أقرب البلدان جغرافياً لكوبا، وهو أمر انعكس على حركات ثورية كثيرة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، كما كان لتعاطفه مع ثورات الجزائر ومصر وفلسطين ودوره في حركة عدم الانحياز دور كبير في إعطائه رمزيّة كبيرة.
هي مناسبة أيضا لتفحّص الحقيقي والأسطوري في تجربة الزعيم الراحل وانتصاره عام 1959 على حاكم كوبا المزمن الكولونيل باتيستا، فوهج هذا الانتصار غير المتوقع وما تبع ذلك من أزمة تاريخية هائلة عام 1961 كادت تفضي إلى صراع نووي مميت بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي إضافة إلى ترافق هذه الظاهرة مع ظهور أسطورة غيفارا، الثوري الأرجنتيني الشهير الذي شارك كاسترو ثورته وبعدها ترك مناصبه الكبيرة (كوزير للاقتصاد ومدير للبنك الوطني الخ…) لينتقل لخوض حرب عصابات لـ»مقاتلة الامبريالية» في العالم ولينتهي قتيلاً في غابات بوليفيا عام 1967.
هذه الأحداث الخطيرة والأساطير اللاحقة رفعت جداراً هائلاً يمنع رؤية التفاصيل المهمة حول كاسترو وحركته وأسباب نجاحها، ومنها أن قراره بالنضال المسلح كان بعد انقلاب فولغنستو باتسيتا الذي قضى على طموح كاسترو بالترشح لمجلس النواب الكوبي بعد تخرجه من الجامعة كمحام، وأن كاسترو أخفى، حتى عن بعض رفاقه، ميوله الماركسية، وقدّم نفسه، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، إلى الأمريكيين كمدافع عن عودة الديمقراطية، وأن صراعه مع باتيستا ترافق مع التراجع الأمريكي عن دعم الأخير وصولاً إلى حظر تزويده بالسلاح وبذلك ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية، عمليّاً، في إسقاط باتسيتا وصعود كاسترو الذي عيّن مجموعة من الوزراء المعتدلين وزار أمريكا بعد ستة شهور من استلامه السلطة والتقى نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، ريتشارد نيكسون، وما زال المنفيّون الكوبيون إلى أمريكا، حتى الآن، يعتبرون أن لقاء «نيويورك تايمز» بكاسترو، والتغطيات الكثيرة التي قام بها الصحافي لخمس سنوات لاحقة، قد ساهمت في خلق أسطورة كاسترو وخلقت تعاطفا أمريكيا شعبيا ورسميا مع حركته، مما ساهم في نجاحها، ولأهمية هذا الحدث فقد سجّل في متحف «الثورة الكوبية» بهافانا وكذلك على يافطة حجرية في مكان اللقاء في أعالي جبال سييرا مايسترا.
لم يدقّق المحللون في التناقض الواضح بين نجاح كاسترو وسقوط شريكه تشي غيفارا قتيلا بعد سنتين فقط من بدء «حرب عصابات عالمية»، ففي الأولى نجح كاسترو في خداع الأمريكيين (والكوبيين أنفسهم) في اعتبار حركته محاولة لاستعادة الديمقراطية من دكتاتور وليست حركة لتأسيس نظام دكتاتوري جديد مرتبط بخصمهم الأيديولوجي الكبير، الاتحاد السوفييتي، وهو ما وفّر فرصة تاريخية لا تتكرر له للتغلب على قوات خصمه الكولونيل القويّ (الذي كان قد اعتقل كاسترو بعد محاولة سابقة للاستيلاء على قاعدة عسكرية ثم أطلقه بعد سنتين)، بينما كان غيفارا يقاتل الحكومة البوليفية وحلفاءها الأمريكيين بأجندة أسطورية في شجاعتها ولكن إمكانيات نجاحها صفريّة.
أما ما حصل بعد ذلك فضاعت معه التفاصيل التي تهم الكوبيين أنفسهم وأهمّها، أنهم كانوا يأملون، بعودة الديمقراطية ففوجئوا بالدكتاتورية، وبالعدالة الاجتماعية فانتهى الأمر بهم في مهاوي الفقر، وبالسيادة الوطنية فأصبحوا مخلباً في إطار الصراع الهائل بين تيّارين سادا العالم وحين انتهى لم يعد هناك معنى لكاسترو وثورته إلا في الذكريات التي ينتقي منها كل جزء من العالم ما يريد.

فيدل كاسترو: الثوري أم الطاغية؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ع.خ.ا.حسن:

    بسم الله الرحمن الرحيم. رأي القدس اليوم عنوانه (فيدل كاسترو: الثوري أم الطاغية؟)
    { انقسم السياسيون والجمهور العام في العالم على الموقف من رحيل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، فالبعض عاد إلى خزانة المصطلحات السياسية القديمة حول الشيوعية ومعاداة الامبريالية (كما فعل الرئيس الصيني ورؤساء كثر في أمريكا اللاتينية والرئيسان الإيراني)، فيما اكتفى البعض باستذكار الواقعيّ: التنمية الذاتية والرعاية الصحية والتعليم (كما فعل جاستين ترودو رئيس وزراء كندا والزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف)، أو باعتباره شخصية تاريخية مؤثرة (كما فعل باراك أوباما ومسؤولون أوروبيون كثر)، انتهاء بدونالد ترامب ونائبه اللذين اعتبرا كاسترو دكتاتورا وحشيا وطاغية.}
    بهرج كاسترو كثوري شيوعي خفت _ان لم يكن انطفأ_ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ، ابو الشيوعية وراعيها عبر العالم. واما تخليه عن كرسي السلطة طواعية لشقيقه راؤول فهي من النوادر التي تحدث مع زعماء شيوعيين ؛ اذ ان التخلي عن الكرسي ليس مطروحا في النظم الشوعية والكرسي تذهب مع الجالس عليها الى القبر. وهذه الصفة اكثر ما تجدها في عالمنا العربي، حيث الزعيم هو (الدولة والدولة هو) وهو يتشبث بالسطة ما دام فيه عرق ينبض، الا اذا اطيح به بانقلاب او ثورة.

  2. يقول سامح //الاردن:

    * (كاسترو) زعيم وطني في نظر محبيه
    والأصدقاء.
    * وطاغية دكتاتور في نظر أعدائه.
    * عموما؛ يكفيه فخرا أنه بنى وطن (كوبا)
    واهتم (بالصحة والتعليم) وهي من أعلى
    النسب مقارنة بدول أمريكا الجنوبية
    ودول العالم الثالث.
    سلام

  3. يقول الصوفي الجزائر:

    اقل مايقال عنه انه رجل تعاطف مع الفقراء والمسضعفين وامن بافكار وعمل من اجلها ولم يكن منقاد بالريموت

  4. يقول تاوناتي:

    دول امريكا اللاتينية التي عرفت ديكتاتوريات عسكرية تحولت الى ديموقراطيات او في طريق الديموقراطية،اما كوبا فبقيت دكتاتورية يحكمها ال كاسترو بالحديد والنار،شعبها فقير يعيش في سجن كبير ممنوع من الخروج واكثر من 20% منه هرب الى امريكا،و اقتصادها منهار.
    هذه هي الحصيلة التي يجب ان يحاسب عليها كاسترو وليس معادات امريكا او حتى الشيطان.
    من يعتقل ابناء شعبه وينشر الرعب في بلده لايستحق ان يفتخر به.انظر الى دول ككوريا الجنوبية والسويد والنرويج لااحد يعرف اسم حكامها ورغم ذلك لامجال للمقارنة بينها وبين شعوب هذه الظواهر الصوتية .

  5. يقول عبد الكريم البيضاوي . السويد:

    كان ثوريا واستمر ثوريا إلى أن مات, عملة أصبحت ناذرا في زمن قيل عنه أن من كان ثوريا في الشباب وبقي ثوريا في الشيخوخة فهو إما غبي أو مجنون. لاأدري أيهما كان كاسترو, غبيا لاأظنه كان.
    دكتاتوريا كذلك كان , شبكات التجسس في أحياء السكن مما يسمون “حراسي الثورة”, ومن سمع أو شك في أمره يؤذب, لم يكن أحد ينتظر منه إقامة حكم ليبرالي يسمح بحرية الرأي أو تكوين أحزاب ومنظمات سياسية مستقلة, نظامه لم يكن ليصمد, داخليا في قمع الحريات وخارجيا من الجارة الكبرى.
    يمكن القول كان الرجل الثوري الدكتاتوري, الإثنين معا, والثورات الشعبية خصوصا في القرن المنصرف غالبيتنها أنجبت أنظمة دكتاتورية وحزب حاكم أوحد وثوار ينعمون في خيرات البلاد وفساد يغطى عنه بالشعارات الثورية.

  6. يقول صوت من مراكش:

    يخبرنا التاريخ وهو اصدق العارفين ان الثوري حينما يتزوج

    بالسلطة يصبح حثما ديكتاتورا ، كما يخبرنا الثوري فيديل

    وهو اصدق العارفين بمعالم الثورة ان الثوري يعبد السلطة او

    كما قال في حديث آخر «لن أتقاعد أبدا من السياسة، السلطة عبودية وأنا عبدها»

    وتحياتي

  7. يقول مراقب.المانيا:

    كل ينظر إلى نصف الكأس .الذي يريده .انا شخصيا انظر إلى بطلا حارب الاستعمار وصندوق وانتصر .وسيبقى قدوة هو ورفيق دربه تشي غيفارا ورمزا للشعوب التي تنتفض بوجه الطغاة .المثل القديم يقول. إن الثورة تأكل أبناءها .ربما كان هناك من تجاوزات بالنسبة لحقوق الناس لكن مع الآسف للضرورة احكام.

  8. يقول حسن:

    كوبا تعتبر الصف الأول لمن سيسير على خطاها في الإعتماد على الذات دون تبعية رغم أن هذا البلد ضحى أهله ولم يستسلموا. لا محالة أن كاسترو رجل عظيم كان بطلا صمد حتى شيئا من انفتاح جراء التقدم التكنولوجي كان لازما إلا أن كاسترو رفض هيمنة أمريكا. إنما هي العزائم وليست الأحجام من تكون قوية وما كوبا ذاك البلد الصغير وقف في وجه أمريكا. رحم الله فيديل كاسترو.

  9. يقول Passerby:

    كان كاسترو ثورجي علاًك ذو خطابات طويلة مملة ومن النادر أن يفهم مستمعيه ما يقول. وأنا أشك أن أمريكا أرادت التخلص منه ولو أرادت لفعلت من دون شك ولكنها كانت تتجاهله أو سعيدة بوجوده هذا إن لم هي من تدعمه لأنه مجرد علاًك أي جعجعة بلا طحين وهناك الكثير من أمثاله في العالم وأولهم حافظ الأسد ومعمر القذافي وسواهم كثر!

  10. يقول عبدو الصحراء الغربية:

    الحكم على كاسترو ينبغي الا يغفل الظروف الإقليمية التي كانت تحيط به. أما أمريكا التي دعمت بينوشيه في الشيلي، ومولت عصابات الموت في السلفادور ودعمت ولاتزال أنظمة القمع العربية، لا يمكنها أن تغسل يديها بكلمات معسولة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. صحيح اللي اختشوا ماتوا.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية