بيروت مدينة تغلي بحب الحياة على الرغم من أنف حروبها العبثية ومحاولات جــــرها إلى ســــلك «الموت الإجباري» والشحن المذهبي كخطوة ضرورية في حقل تجنيدها لقتل بعضنا بعضاً.
وغليان الحياة هذا، بعضه غليان الفقاعات الملونة وبعضه الآخر ينفع الناس ويمكث في الأرض كمشروع إصدار «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية». ما دخل بيروت في الأمر؟ الفكرة بدأت باقتراح من الدكتور رمزي منير البعلبكي، الذي لم يفكر في الهجرة من بيروت يوماً على الرغم من حروبها وعروض العمل التي تلقاها من أرقى الجامعات الغربية. وهكذا، عام 2011 اقترح د. رمزي بعلبكي على الدكتور عزمي بشارة في الدوحة أن يتبنى «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» المشروع، ووافق الدكتور بشارة على ذلك، بعد أن تبنته الجهات المسؤولة في قطر بالتمويل لمدة خمسة عشر عاماً. وتم إطلاقه في أيار/مايو 2013 أي أن المشروع صار في سنته الثانية، وعيّنوا د. رمزي بعلبكي رئيسا لـ«المجلس العلمي» الذي يضم حوالي خمسة وعشرين عضواً من خيرة لغويي العرب من مختلف أقطارنا العربية إلى جانب الدكتور عزمي بشارة المدير العام ومنهم الدكاترة عبدالسلام المسدي وإبراهيم بن مراد وحسن حمزة وعز الدين البوشيخي وسواهم.
رمزي بعلبكي وتواضع العلماء
في زمن الضوضاء والصراخ الإعلامي نفرح بالنواة الصلبة للإبداع والعطاء في عمل كهذا المعجم. فهو يدرس كل مفردة عربية من تاريخ ظهورها حتى يومنا هذا مع تعزيزه بالشواهد المؤرخة وبلغة عصرية مستقبلية تهدف إلى بناء مدوّنة تراثية مؤرخة ومحوسبة في متناول الجيل الشاب على «الإنترنت». وقد وجدتُ في هذا المشروع إثراء للمكتبة العربية بأدوات عصرية وفعل وفاء نحو لغتنا وتراثنا.
ولم يكن بالإمكان نشر ما تقدم من معلومات سارة لولا فضولي الأبجدي، وحصاري للبعلبكي الأستاذ المزمن في الجامعة الأمريكية بالأسئلة واستجوابي له عما يشغله الآن.. فهذا اللبناني الذي يفيض بتواضع العلماء يعمل بصمت.. ويعمل كثيراً.. أكمل معجم «المورد الكبير» بعد وفاة والده المعجمي وأستاذ الأجيال منير البعلبكي (دار العلم للملايين) ولرمزي بعلبكي عدد كبير من الكتب بالعربية والانكليزية وأكثر من سبعين مقالة عن النحو والمعجم والدراسات السامية نُشرت في مجلات عالمية محكمة، وقد أعيد نشر عدد منها في مجلد خاص في سلسلة «فاريوروم» التي تكرم الباحثين العالميين كما حاز جائزة الملك فيصل العالمية (2010) على مجمل أعماله ولا سيما أسهامه في دراسة تاريخ النحو العربي.. والحديث عن إنجازاته يطول.. وآخرها عن تاريخ المعجم العربي من القرن الثاني حتى القرن الثاني عشر للهجرة وصدر (2014) عن دار (بريل) العريقة في لايدن ـ هولندا.
وكلها حققها في بيروت التي لم يغادرها ذلك الأستاذ الزائر في جامعات شيكاغو وكامبريج (بريطانيا) وجورج تاون (واشنطن). إن مجرد ارتباط «معجم الدوحة التاريخي» باسم الدكتور رمزي يعطي ذلك المعجم كثيراً من المصداقية ويبعث على التفاؤل والطمأنينة.
وفي لبنان نجد الكثير من أهل العلم في حقول مختلفة يتلقون الصدمات اليومية ويهدون قمحهم لمن يغرف ويميز بين السنبلة والرصاصة العدوانية.
لبنان الابتكار وخفة الظل
أنتقل الآن إلى موضوع آخر له صلة بالغليان اللبناني وبالرغبة في العطاء على نحو ما.
غادرت باريس وكانت في وداعي تظاهرة لنساء عاريات الصدور وقد كتبن مطالبهن السياسية على لحمهن العاري (اعتراضاً على السياسي لوبان وابنته مارين زعيمة الحزب الانعزالي الحالية) ولم أجد شخصيا مبرراً لهذا التعري الذي تواظب عليه فتيات فريق (فيمن) وذلك للتظاهر بالكتابة على الجسد إلى ما تحت الخصر.. بقليل!.
في بيروت استقبلتني المجلات والصحف بصور لتظاهرة رائعة قام بها الرجال في الواجهة البحرية اللبنانية لمنطقة الضبية (قرب بيروت) وهم يرتدون الكعب العالي الأحمر النسائي وقد حملوا يافطة بالانكليزية كلها ذكاء ولعب على الألفاظ تقول: «إمشِ ميلاً في حذائها». والتعبير بالانكليزية يعني ضع نفسك في مكانها!
وهذه التظاهرة امتداد لتظاهرات عالمية تحت الشعار نفسه، ونظمتها شركة UF-Concept بالتعاون مع جماعة «كفى عنفاً واستغلالاً» المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة.
ارتداء الرجال للأحذية النسائية طريف وخفيف الظل وذكي لأنه لافت للنظر دونما التعري على طريقة الباريسيات المتظاهرات، ويخدم قضية المرأة.. وشارك في التظاهرة الكثير من الممثلين والفنانين والأدباء تعبيراً عن رفضهم للعنف عامة وللعنف ضد المرأة اللبنانية بالذات، مذكرين بالقانون رقم 2014/293 الذي صدر تحت عنوان «حماية النساء وسائر أفراد العائلة من العنف الأسري»، ومذكرين أيضاً بأن الدستور اللبناني ينص على المساواة بين المواطنين كلهم، ناهيك عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (وتصادف أن المرأة إنسان أيضا وهي حقيقة نصف منسية لدى بعض الفئات العربية).
تظاهرة الكعب الأحمر العالي أحببتها على النقيض مثلاً من تظاهرة باريسية شتائية حسنة النية، فوجئت بها في الشارع، لكنني وجدتها لا تخلو من الابتذال لنساء شبه عاريات تحت الثلج في ساحة الأوبرا الباريسية، وقد كتبن على أجسادهن عبارة: نفضل المشي عاريات على ارتداء الفراء!
والمقصود ما تدافع عنه بريجيت باردو باستمرار وهو عدم قتل «الفقمة» وسواها من المخلوقات لترتدي المرأة (وبعض الرجال!) الفراء. وعلى العكس من هذه التظاهرة وجدت تظاهرة الرجال عندنا بالحذاء الأحمر عالي الكعب ذكية وراقية ولافتة إلى معاناة المرأة.
هذا هو لبنان، يحمل القضايا الكبيرة أحياناً بلا ابتذال ولا سماجة منحازاً إلى المرأة بكثير من خفة الظل في أزمنة ثقيلة الظل.
غادة السمان
السلام عليكم
نظرا لبعض الإرهاق الذي أشعر به كنت أنوي فقط أن ألقي تحية الأسبوع على السيدة “غادة” ولكن نظرا لأهمية الموضوع الذي يحمل شقين واحد يخص “لغتنا الجميلة” والآخر يختص بـ”خال نصف مجتمعنا ” فقررت أن أساهم بتعليقي هذا…
1-إذا كان المختصون يجهدوا أنفسهم ويحرقوا دمهم من أجل إثراء “اللغة العربية” بمجموعة من الأبحاث المختلفة ومنها((معجم الدوحة التاريخي للغة العربية)) فكثير ممن يديرون دفتي الحكم في بلادنا يلوكون ألسنتهم بلغة “فولتر أو غيرها” للتبجح أمام مستعمريهم القديم أنّهم مازالوا يحنون إليه وتصريح مبطن يقولون ن من خلاله”مازلنا على العهد”(اتباع المغلوب للغالب) رغم قدراتنا الثقافية والاقتصادية ولكن مازلنا بواسطة بعض حكامنا “قوم تبع″…ليس فقط (داعش) هي التي تعيث فسادا في البلاد وتقتيل العباد جسديا فهناك من هو مثلهم وأكثر في زرع العبثية الثقافية بأعمالهم الهمجية ضد شعوبهم…
2-لبنان (سويسرا العرب) مشهود لها بالوقفات الايجابية والتي أسهمت في تنوير وتعمير المكتبة العربية ناهيك عن السلوكيات المتميزة التي تعالج المشكل في هدوء وذكاء من غير خدش أخلاق المجتمع على اختلاف أفكاره ومعتقداته…إنّه البلد الذي تعبث به الطائفية من أجل تفكيكه وتجزئته ولكن مادام في لبنان الهاجس العلمي حيّ فلا خوف عليه-إن شاء الله-
ولله في خلقه شؤون
وسبحان الله
الراحل منير البعلبكي ، من الذين تركوا بصماتهم بأعمالهم التي أضاءت درب الملايين . ودار العلم للملايين لها فضل كبيرعليَّ منذ وعيت على القراءة ، سواء كانت الكتب والقصص المترجمة أوقاموس المورد الذي هو اكثر كتاب يحمل بصمات اصابعي . وكنت قد اقتنيت لي نسخة جديدة منه اثناء اقامتي في ابوظبي في مطلع الثمانينات ولا زلت احتفظ به وألجأ اليه واتصفح اوراقه بين الحين والآخر و لي فيه ذكريات قديمة ومع كل صفحة ، فقد أدخلني في حينها عالما جديدا لم أكن أعرف عنه شيئا من قبل وفتح لي آفاق واسعة وكان خير رفيقا لي . أتمنى الموفقية للدكتور رمزي البعلبكي في مشروعه الكبير فهوفعلا خير خلف لخير سلف .
أفانين كبة
مونتريال
في بيروت استقبلتني المجلات والصحف بصور لتظاهرة رائعة قام بها الرجال في الواجهة البحرية اللبنانية لمنطقة الضبية (قرب بيروت) وهم يرتدون الكعب العالي الأحمر النسائي وقد حملوا يافطة بالانكليزية كلها ذكاء ولعب على الألفاظ تقول: «إمشِ ميلاً في حذائها». والتعبير بالانكليزية يعني ضع نفسك في مكانها!
وهذه التظاهرة امتداد لتظاهرات عالمية تحت الشعار نفسه، ونظمتها شركة
– انتهى التعليق –
لا أدري ان كان لقرائك الحق في نقد فقرة مما كتبتيه يا أستاذة غادة أم لا
ولا حول ولا قوة الا بالله
هل سمعتم عن مثلث قطرب ؟ إنها قصيدة عجيبة جميلة نظمها أحد تلاميذ سيبويه النجباء
وهو : أبو علي محمد بن الميرزا اللغوي البصري الشهير بقطرب ، وقد سميت قصيدته بالمثلث
لأنه استخدم في كل بيت منها ثلاث كلمات لها نفس الحروف ولكن مختلفة المعنى
لأنها تجيء مرة بالفتح ومرة بالكسر ومرة بالضم ، وقد افتتح نظمَ الأبيات
بالترتيب الأبجدي من الألف الى الياء ، ثم جاء بعده الأديب الشاعر علي بن زريق البغدادي المتوفى سنة 1029 ونظم لها شرحاً ووضع تحت كل بيت منها ما يشرح معنى كلماته المفتوحة والمكسورة والمضمومة ، فجاءت كأنها قصيدة متكاملة رائعة،
وهذه بعض أبيات مثلث قطرب ،
☆☆
إن دموعي غـَمرْ * وليس عندي غِمْرْ * فقلتُ يا ذا الغـُمْرْ أقصرْ عن التعتّبِ بالفتح ماء كثرا*والكسر حقدٌ سُتِرا*
والضمّ شخص ما درى شيئاً ولم يجربِ بدا فحيا بالسَلام*
رمى عذولي بالسِلام*أشار نحوي بالسُلام بكفه المخضبِ بالفتح لفظ المبتدي*
والكسر صخر الجلمدِ*
والضم عِرق في اليدِ قد جاء في قول النبي تيـّمَ قلبي بالكـَلامْ*
وفي الحشا منه كِلامْ*
فصرتُ في أرضٍ كـُلامْ لكي أنال مطلبي بالفتح قولٌ يُفهَمُ*
والكسر جرح مؤلمُ*
والضمّ أرضٌ تبرمُ لشدة التصلـّبِ ثبتُ بأرضٍ حَرّة*
معروفةٍ بالحـِرّة*
فقلتُ يا ابن الحـُرّة إرْثِ لما قد حلّ بي بالفتح للحجارة*
والكسر للحرارة*والضمّ للمختارة مِنَ النسا في الحُجُبِ*
وهكذا حتى نهاية الحروف الأبجدية ثم يزيد فيها بعد ذلك ابن زريق ما شاء ، وما يهمنا هنا هو عشرات الألفاظ المتطابقة الحروف التي اختلفت معانيها لاختلاف حركة الحرف الأول ،
ففي فتحه معنى وفي كسره معنى آخر وفي ضمه معنى ثالث ،
اللغة العربية لغةً عظيمة”
يا غادة السمّان أنا لاحظت أنَّ أهل ثقافة الـ أنا من علم الكلام/الفلسفة، احتاروا هل اللغة أول أم الفكر أول، ولم يأت أيّا منهم على سيرة الترجمة ببساطة لأنّه لم يعترف بوجود الـ آخر ووجود لغته وهناك ضرورة للترجمة ما بين لغة الأول ولغة الثاني على الأقل من أجل تلاقح الأفكار وتبادلها.
فلذلك أنا لاحظت أنَّ أي فكر سينحرف بالتأكيد عندما لا يحترم اللغة الأم أو غيرها والترجمة فيما بين اللغات من خلال أصول كل لغة على حدة وعدم الخلط ما بين مفاهيم كل لغة عن معنى أي مصطلح من مصطلحات تلك اللغة، حتى تكون هناك أمانة في النقل لمعنى المصطلحات ما بين اللغات لرفع أي سوء فهم أو ضبابيّة لغويّة، يمكن أن تؤدي إلى نفور كل جانب عن الجانب الآخر.
أنا لاحظت مفهوم الترجمة في العولمة اساسها مفهوم التوطين أو التعريب بما يُخص اللغة العربيّة لأن اللغة العربية تتجاوز حدود سايكس وبيكو، في حين الترجمة في النظام البيروقراطي تعتمد على النقحرة (النقل الحرفي) كما هو حال مصطلح البيروقراطي نفسه، وهذه أدّت إلى عدم احترام اللغة العربية من قبل مثقفي دولة “الحداثة”، كما هو حال سعيد عقل في لبنان مثلا.
على اللغة الحديث، يقول أن هناك لغات اساسها الاستقراء والاستنباط مثل العربية والصينية التقليدية، وهناك لغات اساسها التأويل مثل اللاتينية والفارسية وبقية اللغات الأور آسيوية، وما يصلح للغات الاستقراء والاستنباط يصلح بالتأكيد على لغات التأويل ولكن العكس ليس بالضرورة صحيح، كما هو حال في الرياضيات من يستطيع حل معادلة من الدرجة الرابعة بالتأكيد سيستطيع حل معادلة من الدرجة الثالثة والثانية والأولى ولكن العكس غير صحيح.
فبيان حقوق الإنسان يعمل على ترسيخ مفهوم الذكورة من جهة والأنوثة من جهة أخرى وأي جنس آخر من جهة ثالثة بسبب ثقافة الـ أنا التي بُني عليها، ومن هذه الزاوية نفهم مظاهرات جمعية فيمن للتعرّي ومظاهرات الرجال بالأحذية النسائية العالية الكعب، وأساس مشاكل الإقصاء والإلغاء لكل طرف للطرف الآخر هو ثقافة الـ أنا ولتجاوزها من الضروري العمل على نشر ثقافة الـ نحن أو ثقافة العولمة (وبسبب طبيعتها التجارية يكون معناها هو ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر وترجمة للوصول إلى لغة مشتركة متفق على معنى المعاني فيها لرفع أي سوء فهم لتوقيع عقد تجاري أو أسري أو دستوري وقانوني).
ولذلك أنا من أنصار الحكمة أو ثقافة الـ نحن ولست من أنصار الفلسفة أو ثقافة الـ أنا.
ما رأيكم دام فضلكم؟