يوم باعَ الغرب شرفه

تقارير إعلامية في مدريد تحدثت عن موافقة الحكومة الاسبانية يوم الجمعة على تسليم مواطنَيْن جزائريَيْن إلى حكومة بلادهما. ينتمي صالح عبونة وخضير سكوتي إلى منطقة وادي ميزاب (جنوب) التي شهدت في السنتين الأخيرتين اضطرابات أمنية واجتماعية أوقعت قتلى وجرحى وأصابت الكثير من الممتلكات بالخراب. وهما متهمان من طرف الحكومة الجزائرية، على خلفية تلك الاضطرابات، بالإخلال بالأمن العام والانتماء إلى جماعات تحرّض على نشر العنف والمَسِّ باستقرار البلاد.
وصل الرجلان إلى اسبانيا بداية تموز/يوليو الماضي قادمَيْن من المغرب. بيد أن إقامتهما فيها ستنتهي إلى الكابوس الذي طالما خشيا حدوثه. مرَّ الخبر مرور الكرام، ليس لأنه عديم الأهمية، بل لأنه ليس الأول ولن يكون الأخير من نوعه في علاقات دول الشمال بدول الجنوب.
قبل عقدين من الزمن، كان هذا الخبر سيأخذ مساحة واسعة في الدوائر الإعلامية والسياسية والحقوقية الغربية، ويمر بالعديد من المحطات القضائية والقانونية الشائكة قبل وصوله إلى مرحلة الموافقة على التسليم. وما كانت الحكومة الاسبانية لتأخذ قرار تسليم رجلين مهددين في حياتهما بهذه السهولة. لكن الزمن تغيّر، وفي تغيّره ضحَّى الغرب بالقيم التي بنى عليها حضارته الإنسانية وسمعته الأخلاقية والسياسية.
حالات التسليم موجودة منذ زمن، لكنها لم تكن فجّة وبهذه السهولة. ترحيل الفلسطيني أبو قتادة من بريطانيا إلى الأردن في 2013 تطلب معركة قضائية وقانونية مضنية استغرقت سنوات. وتسليم أبو حمزة المصري في 2012 إلى الولايات المتحدة،تطلب هو الآخر جهداً كبيرا. وتسليم الإسلامي الليبي عبد الحكيم بلحاج إلى نظام القذافي في 2004، سراً، لا يزال مطروحا أمام القضاء اللندني وبمثابة شوكة في حلق الحكومة البريطانية.
القادم أسوأ على الرغم من أن الأنظمة القمعية الحاكمة في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية هي ذاتها وربما زادت سوءا وقمعا. والسر يكمن في الشكل الجديد الذي تتأسس عليه العلاقات بين الدول. أسوأ لأن المصالح التجارية والمادية باتت تسمو فوق الإنسان. وأحد أسباب سمو المصلحة موجود في الدول الغربية ذاتها التي يقودها التنافس في ما بينها على الصفقات مع حكومات العالم الثالث إلى التضحية بالقيم التي شكلت أسس نهضتها الإنسانية.
اسبانيا، وهي توافق على تسليم سكوتي وعبونة، تدرك أن أي قرار آخر غير التسليم سيضر بمصالحها في الجزائر ويجعل الأخيرة تختار أي دولة أخرى، وما أكثر المنتظِرين، توفر الصفقة ذاتها أو أفضل. وفي ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة وضغوط العولمة، توصلت الحكومات الغربية إلى أنه ليس من «الحكمة» أن تخسر، وبسبب شخص لا يعني لها شيئا ولا يفيدها في شيء، مصالح تجارية واقتصادية مع شريك من العالم الثالث يتوفر على الثروة ويشكل سوقا محتملة.
الرئيس ترامب وطريقته المختلفة في إدارة علاقات بلاده مع العالم، هو النموذج الصارخ والفج لهذا الواقع الجديد، لكن الحكومات الغربية الأخرى، بلا استثناء، هي نماذج مصغرة لترامب.
ما يزيد الحال سوءا أن الأمور تُدار بصيغة «السوابق»: إذا تجرأت الحكومة الفرنسية أو البريطانية على تسليم مطلوب ما، فلِمَ تمتنع الإيطالية أو الاسبانية أو أي حكومة أخرى؟
في المقابل، أدركت الحكومات صاحبة المصلحة، خصوصا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، حاجة نظيرتها في الغرب وتلهفها للمصلحة الاقتصادية، فراحت تمارس عليها أنواعا من الضغط والابتزاز.
غير اللُعاب الذي تسيله الصفقات الاقتصادية، هناك بعبع الإرهاب الذي عندما يحضر كمصطلح يصمّ أذان القادة السياسيين والأمنيين في أوروبا وأمريكا عن أيّ نقاش آخر. ولأن الحكومات في الجهة المقابلة «شريك ضروري وقوي» في كل ما يتعلق بالإرهاب، وجدتها فرصة سانحة لممارسة أنواع من الابتزاز مقابل التعاون الأمني وقبول المرحّلين المشتبه فيهم وغير ذلك.
وفوق كل هذا، هناك عامل نفسي ترتب عن التطبيع مع الوضع الجديد الناتج هو الآخر عن كثرة المهاجرين واللاجئين، وكذلك كثرة عدد المطلوبين ومَن يطلبهم. في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كانت الحالات قليلة عددا لكنها ذات وزن (الذين عاشوا في الغرب آنذاك يذكرون أن حالات المعارضَين السعوديَيْن محمد المسعري وسعد الفقيه، أو الجزائريَيْن أنور هدام في أمريكا ورابح كبير في ألمانيا، وقبلهم رؤساء دول وقادة جيوش من افريقيا، كانت تشكل عناوين في نشرات الأخبار).
العامل النفسي الجديد أثّر حتى على المنظمات الحقوقية العريقة التي أصبحت تبدو وكأنها أقل إصراراً في دفاعها عن حالات الترحيل مقارنة بذي قبل.
في تلك الفترة من العلاقات الدولية، وبسبب صعوبة، بل استحالة، كسب حالة تسليم، كانت الحكومات الذكية تقلل من طلبات تسليم مواطنيها، وتكتفي بمراقبتهم وطلب إبقائهم تحت دائرة الضوء الاستخباراتي. ذلك أقل إزعاجا لها وكلفة. بالمحصلة، لا يأمن اليوم أي معارض في عاصمة غربية على نفسه من التسليم. ولو كانت قضيته مع حكومة تجيد ممارسة الضغط والابتزاز، فقد «يُسفَّر» بلا مقابل.

٭ كاتب صحافي جزائري

يوم باعَ الغرب شرفه

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    ” يوم باعَ الغرب شرفه ” إهـ
    وهل كان يا أستاذ رباحي للغرب شرف ؟
    أين الشرف في تهجير الشعب الفلسطيني من بلده ؟
    أين الشرف في قتل مئآت الآلاف من شعب الجزائر والمغرب ؟
    أين الشرف في ما يحصل بسوريا ؟ قال أصدقاء سوريا قال ! قاتلهم الله
    لقد إستبدل الغرب كلمة شرف بكلمة مصالح والدليل هو بدعم الطغاة والإنقلابيين
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول عبد الوهاب عليوات:

    وصل الرجلان إلى اسبانيا بداية تموز/يوليو الماضي قادمَيْن من المغرب..
    هذه الجملة تلخص كل شيء وتكفي…

    1. يقول ابن الوليد. المانيا.:

      كفاني فيك يكفوني. و بعد …

    2. يقول ابن الوليد. المانيا.:

      لا تقلق يا عبد الوهاب، هذه مستملحة لغوية، هل تعرفها؟ اردت ان افرج بها كربك و حزنك على المغرب.
      .
      انت تعلم انه من موقع دفاع، نحن لا نوزع الورود على من يهدينا اشواكا، الترسانة في الانتظار يا بابا :)
      .
      و دائما اهلا و سهلا بكل راي بدون اسائة متعمدة، و كيف ما كان الراي طبعا.

  3. يقول نسيم:

    يا كروي.. شرف الغرب أنك تعيش فيه أنت والملايين من المسلمين والعرب وغيرهم. ألا يكفي هذا؟ كون بعض الحكومات تخون قيمها الإنسانية لا يعني أن الغرب كله بلا شرف.. فلو كان كذلك لماذا هربنا إليه جميعا؟؟؟؟
    ولا حول ولا قوة إلا بالله :)

  4. يقول عبد المجيد- المغرب:

    يا عبد الوهاب يبدو أن عشقك للمغرب قد أنساك الموضوع فبدل مناقشة جوهر الموضوع وهو لماذا قررت إسبانيا تسليم مواطنين جزائريين إلى نظام لا يرحم توقفت عند المغرب الذي مر به الرجلان كما مرا من الجزائر نفسها لقد كان على السلطات الجزائرية أن تقبض عليهما وتريحنا من إيحائك الذي ينطوي على تجن لا مبرر له إلا حبك الدفين للمغرب. إذا كانت السلطات الجزائرية التي تطلبهما تركتهما يفران فلماذا تفترض أن على المغرب أن يكون أحرص على شؤون الجزائر من الجزائر نفسها.

  5. يقول تونسي ابن الجمهورية:

    آخر من يعطى الدروس للغرب فى مجال الحقوق و العدالة و الحريات الفردية خاصة الحريات الدينية منها هم العرب و المسلمين منهم ….الفرد فى بلاده لا يساوى جزرة ….و عندما يذهب للغرب يصبح يتنطع و يعطيهم الدروس و بعدها يكفرهم و يبداء فى اسلمتهم حتى بالقوة و العنف و الارهاب البشع …..و فى نفس الوقت يتمتع بالطبع بالإعلانات الاجتماعية و الرعاية الصحية و…و….و من شرف الغرف ان يواصل استقبال الملايين و احترام حقوقهم ….شكرا لهم ألف مرة . ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

    1. يقول ابن الوليد. المانيا.:

      تتمة لك يا ابن الجمهورية، ان اردت طبعا … و حتى لو لم تريد :)
      .
      و منهم من يتزوجون مثنى و سداس في دول غربية تمنع هذا عقوبة السجن في احتيال واضح … احتيال …
      و يتورعون علينا بالاحاديث و الدروس و الموعضة الحسنة …
      .
      لعله انفصام في شخصية بعضهم، و لا حول و لا قوة الا بالله.

  6. يقول أبو صلاح:

    يا إخوتنا المعلقين أعلاه، إن المسألة بسيطة جدا و هي أن الدول مرتبطة مع بعضها بمعاهدات تسليم المطلوبين، و كل دولة طرف في معاهدة من هذا النوع هي ملزمة بالوفاء بالتزامها و إلا سيأتي عليها الدور عندما تطلب هي تسليمها مطلوبا موجود في الدولة الأخرى، و إسبانيا لها مطلوبين عديدين، ليسوا حتما من جنسيتها و ليسوا حتما مقيمين في الجزائر بل يكفي أن يمروا عبرها أو يزوروها لكي توقفهم و تسلمهم إلى الدولة التي تطلبهم. هذا كل ما في الأمر.

اشترك في قائمتنا البريدية