رام الله/ “القدس العربي”:
قبل أيام انتشر فيديو لشاب فلسطيني على المنصات الاجتماعية يظهر فيه شابان، يتحدث الأول عن صديقه “احمد” بعد تعرضه لهجوم من مستوطنين في منطقة الأغوار الشمالية، ويوجه رسالة إلى الرئيس الفلسطيني جاء فيها: “يا سيادة الرئيس محمود عباس، لقد كسروا اليد التي مدت لهم بالسلام، هذا هو حال الأغوار الشمالية، كل أسبوع يقوم المستوطنون بكسر يد أحد الرعاة والمزارعين”.
وأضاف الشاب: “أحمد مزارع يرعى بأغنامه في منطقة الفارسية، هاجمه 20 مستوطنا مسلحين، ومدعومين بالشرطة والجيش الإسرائيلي”.
وحمل الفيديو الذي انتشر على تطبيق “تك توك” مناشدة للحماية حيث قال: “أطلب من الجميع حمايتنا، هذا هو حالنا وهذا هو وجعنا اليومي”.
تبدو حكاية أحمد وتجمع الفارسية الزراعي امتدادا لتجارب وقصص 6 تجمعات بدوية أصبحت أثرا بعد عين خلال العامين المنصرمين.
وعلى الأغلب فإن قلة من الفلسطينيين تحفظ الأماكن التالية: “رأس التين” و”عين سامية” و”البقعة” و”القابون” و”خربة سيمري” و”دادي التحتا”، وهي خلال العامين الماضيين تم مسحها من الوجود، وهو ما يعزز عدم تذكرها بشكل مطلق في عموم الضفة الغربية.
وحسب منظمة “بتسيلم” المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة” (وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية)، فإن إسرائيل تتخذ منذ سنوات، سلسلة من الإجراءات لجعل حياة عشرات التجمعات الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية بائسة ومريرة بهدف إجبار سكانها على مغادرة أماكن سكنهم على نحو يبدو إراديًّا، في الظاهر، وذلك حتى يكون باستطاعة دولة الاحتلال تحقيق طموحها بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في مناطق (ج).
وتمنع دولة الاحتلال سكّان هذه التّجمعات من بناء منازل أو مبان للماشية أو مرافق عامّة، ومن ربط مواقع سكنهم بشبكتي المياه والكهرباء، ومن تعبيد الطرقات كما تسارع إلى تهديدهم بهدم منازلهم ومبانيهم وفي بعض الحالات تقوم بهدم ما بنوه رغم كلّ شيء، في ظلّ غياب أي خيار آخر لديهم.
6 تجمعات
في المنطقة الواقعة بين شرق وشمال- شرق رام الله تم تهجير على الأقل أربعة تجمّعات رعوية قسرًا، جزءٌ منهم كانوا يعيشون على أراضٍ تابعة لفلسطينيين يسكنون في المنطقة وبموافقتهم، وذلك بعد طردهم من أماكن أخرى داخل حدود إسرائيل السياديّة وأنحاء الضفّة.
وفي المقابل فإنه وخلال السنوات الأخيرة أقيمت عدّة بؤر استيطانية ومزارع من حول التجمعات الأربعة، بمساعدة من دولة الاحتلال، كانت أوّلها “مزرعة ميخا” في العام 2018، على غرار البؤر الاستيطانية الأخرى في بقيّة أنحاء الضفة الغربية.
وبحسب تقرير بتسيلم فإنه “يتمّ ربط هذه البؤر أيضًا بالبنى التحتيّة للمياه والكهرباء وشبكة الطرق، بشكل فوري تقريبًا، وهي تتمتع بحصانة من عمليات الهدم ويعمل سكانها بتنسيق وتعاون تامّين مع الجيش الذي يوفّر لهم الحماية. أقيم بعض هذه البؤر الاستيطانية على أراضٍ تعرّفها إسرائيل بأنّها “مناطق إطلاق نار”، وهي مناطق ممنوع أن تقام فيها مستوطنات بشكل رسميّ، لكنّ الدولة دعمت إقامتها فيها رغم ذلك”.
والتجمعات الأربعة التي تمّ تهجيرها بالقرب من رام الله، مركز ثقل السلطة الفلسطينية السياسي والاقتصادي على النحو التالي:
“راس التين”
قبل أكثر من عام تقريبا، أي بتاريخ 7 تموز 2022 ترك نحو 120 فردًا – نصفهم من القاصرين تقريبًا – من أبناء تجمّع راس التّين منازلهم.
يقول تقرير بتسيلم: “لقد أقام سكان هذا التّجمع في نهاية الستّينات بعد أن طردتهم إسرائيل من منطقة جنوب تلال الخليل، كانت الإقامة على أراضٍ خاصة ومنظّمة يمتلكها سكان قريتي كفر مالك والمغير. وعلى مرّ السنين هدمت إسرائيل ثلاثة مبانٍ ليست للسكن في التّجمع. وأصدرت الإدارة المدنية أيضًا أمر هدمٍ لمدرسة كان سكان التّجمع قد بنوها”.
“عين سامية”
قبل أشهر قليلة، أي بتاريخ 23 مايو من العام الجاري ترك آخر من تبقى من سكان تجمع عين سامية، والذي سكنته 28 عائلة وصل عدد أفرادها إلى نحو مائتي فرد، مكان سكنهم.
ويشير تقرير المؤسسة الحقوقية إلى أن السكان وصلوا للمكان بعد أن استأجروا أراضيه من سكان قرية كفر مالك القريبة في عام 1980، بعد أن طردتهم إسرائيل من أماكن أخرى عدة مرات.
بمرور السنين هدمت إسرائيل في التجمّع أكثر من 21 منزلًا، كان يسكنها 83 فردًا، بينهم 52 قاصرًا، و28 مبنى غير سكنيّ. كما أصدرت الإدارة المدنيّة أوامر هدم لبعض منازل السكان وكذلك لمدرسة التّجمع التي كان من المفترض أن تخدم نحو أربعين طفلًا هم أطفال التّجمع.
“البقعة”
بتاريخ 10 تموز من العام الجاري تمّ تهجير 33 شخصا من سكّان تّجمع البقعة، بينهم 21 قاصرًا. وبعد ذلك بأسابيع تم تهجير آخر عائلة مكونة من 5 أنفار من بينهم قاصر.
ويشير تقرير المؤسسة إلى أنه سبق التّهجير اعتداءات يومية من المستوطنين الذين أقاموا “مزرعة” على بعد نحو خمسين مترًا عن منازل التّجمع ونصبوا ألواحًا شمسية وربطوها بالبنية التحتيّة للمياه التابعة للبؤرة الاستيطانية المجاورة “نفي إيرز” وسيطروا على الطريق الذي يصل بين التّجمع والشارع الرئيسيّ.
“القابون”
تم تهجير هذا التّجمع الذي يضمّ 12 عائلة – 86 فردًا، بينهم 26 قاصرًا – في بداية آب 2023. عاش سكان التّجمع في هذا المكان منذ العام 1996 بعد أن قامت إسرائيل بطردهم من النقب في أوائل الخمسينيّات.
ويشير التقرير التوثيقي إلى أنه وعلى مرّ السنين هدمت إسرائيل في التجمّع 6 منازل كان يسكنها 41 فردًا، بينهم 18 قاصرًا، و12 مبنى كانت تُستخدم لأغراض غير سكنيّة. صدرت أوامر هدم ضد بعض منازل السكان.
خربة سيمري وودادي التحتا
بعيدا عن وسط الضفة الغربية وفي منطقة جنوب تلال الخليل تم تهجير على الأقل تجمعين قسرًا: التّجمع الأوّل هو تجمع “خربة سيمري”، الذي سكنته عائلتا شقيقين مكوّنتان من عشرين شخصًا، ثمانية منهم قاصرون.
في عام 1998 أقيمت البؤرة الاستيطانية “متسبيه يائير” على قمة التلة التي كانوا يسكنون عليها، ومنذ ذلك الحين ازدادت أعمال العنف ضدهم. حيث قام المستوطنون بالتنكيل بأبناء العائلة، هدّدوهم ودخلوا إلى منازلهم ومنعوهم من رعي أغنامهم واقتحموا منازلهم. في العام 2020 جلب مستوطنون قطيع أبقار إلى المكان وأخذوا يرعونه في الأراضي التي اعتاد سكان التّجمع على رعي ماشيتهم فيها. في تموز 2022 قرّر السكان مغادرة المكان.
أما التّجمع الثاني فهو تجمّع “ودادي التحتا” الذي يبلغ عدد سكّانه 20 شخصًا، بينهم 12 قاصرًا، سكنوا هناك نحو خمسين عامًا.
يشير التقرير إلى أنه وقبل نحو سنتين أقام مستوطنون بؤرة استيطانية على بعد 500 متر تقريبًا عن بيوت التّجمع. منذ ذلك الحين حاول المستوطنون مرارًا وتكرارًا منع السكان من رعي أغنامهم في المراعي التي تحيط بمنازلهم.
ومن جملة ما اعتاد المستوطنون فعله استخدام مروحية رباعية لترويع القطيع في المرعى وتشتيته، وكانوا يدخلون في جميع ساعات النهار، وهم مسلّحون، إلى منازل السكان – وفي بعض المرات مع كلب، وكانوا يهاجمون ويضربون سكان التّجمع ويهددونهم بالسلاح.
وبحسب منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية، فإن إسرائيل تنفّذ عملية “ترانسفير” في الضفّة، كما انها المسؤولة عن ارتكاب جريمة حرب.
وبحسب تقرير المنظّمة، فان إسرائيل تعمل على تنغيص حياة أهالي التجمّعات الذين يعيشون في المناطق التي تريد دولة الاحتلال السيطرة عليها، لاجبارهم على مغادرة منازلهم وأراضيهم.
واشارت في تقريرها الى ممارسات يرتكبها المستوطنون يوميًّا وأصبحت روتينًا مرعبًا لعشرات التجمّعات الفلسطينيّة، حيث يقومون بطرد الرعاة من حقولهم، والاعتداءات الجسديّة على الاهالي واقتحام منازلهم في جوف الليل، وعمليّات الحرق، وتخويف الأغنام وإتلاف المحاصيل، والسرقات، وسدّ الطرق وتدمير خزّانات المياه، مؤكدة انه يُمارَس هذا العنف بتشجيع من الاحتلال.
وفي ظلّ عدم وجود مَن يحمي هذه التجمّعات وفي ظلّ عدم وجود أيّ خيار آخر، اضطرّت 6 تجمّعات فلسطينيّة، على الأقل إلى الفرار من منازلها خلال العامين الماضيين ولا تزال عشرات التجمّعات الأخرى معرَّضة لخطر التهجير الفوريّ.
الله ينتقم من كل من يصم اذنيه لكي لا يستمع لهذا النداء