لحظة المرآة، هي اللحظة الفاصلة في بروز نسق الجسد، هي الوجه المخيالي الذي يغذي ثورة الجسد الواقعي الكامنة في فوضى ما قبل المرآوي، حيث الوقوف أمام المرآة يمثل السياق التماثلي، الذي يبحث عن توافق بين بنيتين، بنية واقعية، وبنية مخيالية تقع وراء العالم وتساهم في بناء استراتجياته المختلفة، وبينهما يتموقع الحلم كشاهد على جرأة الماوراء في ترسيم حدود الماهية الوجودية، الطامحة دوما إلى مثالية تمثل الحدود القصوى للحضور الجمالي، وهو ما ينبع من «نظام المتخيل» بتعبير جاك لاكان، حيث تعتبر مرحلة المرآة لديه هي مرحلة متعلقة بنمو الطفل، الذي يكتشف ذاته وحدود جسده واختلافه عن الآخر، ولكن في الوقت ذاته، تكشف هذه المرحلة عن تشظي تجربة الجسد، حيث حدود الواقع والمتخيل في التجربة المرآوية تتحدد بالضوء الذي يعكس صورة الواقع على صفحة المرآة.
بداية الجسد.. بداية الوعي
الجسد كبنية شهوية تستقل بذاتها لتمنح الجمال مفهوما مغايرا للسائد، حيث يمثل عامل الإغراء حدثا استثنائيا لإكمال وجودية الجسد في الواقع، لكن الجسد، رغم ذلك يبقى محافظا على هامش من المتخيل، أسس بناءه على مدى تاريخية حافلة بالاستعراض، لأن الجسد المجمل بالكساء ما هو في النهاية سوى نسق حركي يبحث عن جمالية محددة داخل نسق آخر يضفي على إغرائيته انتشارا تواصليا، ويشكل الجسد لغته الخاصة، ولهذا لما تناول المفكر عبد الوهاب المسيري قضية الكليب، رأى أنه «بداية الجسد ونهاية التاريخ»، لأن لحظة الكليب هي لحظة لتفجر الجسد بكل شهوانيته في مواجهة الكيان الإنساني الوجودي، بحيث يتوقف الانتباه عند حركة الجسد بإغرائيته اللافتة.
فالجسد حينئذ، ومن وجهة نظر عبد الوهاب المسيري، كتلة من الغرائز الناهضة في لحظة معينة، يحددها ببرهة الحركة داخل منظومة الكليب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في إطار غرائزية الجسد، هو، هل الجسد طبقا لحركة مكرسة فيه، بل لعلها تعتبر من عناصره الهوياتية، يصبح محرما أو بمعنى أدق (تابو) داخل حركة الواقع؟
في اعتقادي، لا يمكن تعريف الجسد وفقا لعنصر واحد من عناصره التكوينية، لأننا حينئذ نمنع هويته الحركية من عدم إثبات وجوديتها خارج أطر الجمال متعدد الأفرع في الواقع الوجودي، فالتعبير الإيحائي الذي يقوم به الجسد داخل فضاءات المسرح، أو على قارعة الحلقة الشعبية أو على منصات الخطابة أو حتى تلك العروض التي تخضع للماركتينغ، ما هي في الأخير سوى تفجرات إغرائية لملمح وجودي يتحدد به وجود الجسد، فالإغراء حينها يخرج من شهوانية بهيمية مندمجا في شهوانية منافعية، ويصبح (الجسد) بالنسبة للتاريخ مكونا في تفعيل الحركة داخله (التاريخ)، وتصبح بهذا المفهوم لحظة الكليب، برهة محددة بزمنها وشكل الجسد الذي تتطلبه معزولا عن حركة شاملة للتاريخ في إنتاج القيمة وتكريس العقل، فيتأسس المعنى في حركة الجسد بأبعاده الواقعية والمنهجية والحياتية عبر التفكير خارج منظومة الكليب بإطلاق لحظة إغراء العقل.
مخيال الشاشة والجسد الحرام
لعل الجسد الشهواني يؤسس رمزية عابرة للوعي مستقرة فيه نظرا لاستخلاصات تاريخية تتعلق برؤية مركزة لتفاصيل الجسد، حيث يُعتبر حينذاك المشتهى الأول، من حيث الشبق الذي تثيره حركته، فالجسد تفاصيل مميزة تحمل على تبادل الاقتراب الخافق بالوجدان واللذة، من حيث إنه فضاء للمس، ولا يعني ذلك البتة التفكير الغارق في الأحلام المليئة بعنف الصورة الماثلة لعين الخيال، ذلك أن الحلم يتحول إلى موضوعة قابلة للإدراك، حينما تتحول الحياة إلى فلسفة شعرية تماما كما رسم مخيالها غاستون باشلار، فـ»ليس على الشاعر أن يترجم لنا لونا، ولكن أن يجعلنا نحلم بهذا اللون»، فالجسد حينها بفنتازميته وبإغرائه، لا يعدو أن يكون مجالا للمثال المتربع عرش الخلق والإبداع داخل منظومة تقبل به ولا تترصده كهامش للغواية، تُخفى حقيقته وفق دلالات تفسيرية تنتعش ضمن النصوصية التي يخطئ الفهم ارتيادها حين لا يتوسع في ترتيب مستويات تلقيه الأنطولوجية، ومن ذلك يتأسس عمود الوجاهة في الإشكال الجسدي لدى العقل النصوصي، فالشاشة حينها تغدو استلهاما ذكوريا يتجه نحو الصرامة في خطوط الوجه الذكوري، نابذا في الوقت ذاته ظرافة النعومة في الوجه الأنثوي الذي يشعل نداء الشهوة والإغراء، ومنه، تصبح الأنثى مجالا للرفض الذكوري لرهافةِ جسدٍ يلامس حركة المجتمع المتجه نحو التشارك الجمعي لإنجاز القيمة والمعنى، ومن ذلك بعض الفضائيات التي تشوش على وجه المرأة إذا اقتضت الضرورة الإعلامية الاستشهاد برأيها، وهو ما يركز الرؤية للجسد كحالة محرمة تنال من التزام المجتمع الطامح إلى الانفلات من الغواية، وهو لا شك فهم ينم عن قصور في تقدير القيمة الجمالية والمعنى الوظيفي للجسد داخل منظومة الحياة التي تُعاش، إذ التشويش عليه في عرض الشاشة يكشف عن حصر التفكير في شهوانية العلاقة مع الأنثى، فلا يتطلع الذكر إلى وجهها لأن ذلك يثير رغبة شبقية، ويبدو لي أنه ليس هناك من تفسير سوى ذلك الذي يعتبر المرأة عورة، وبالتالي يُقصى الاعتبار الجمالي للجسد لهيمنة مجموعة من العادات والتقاليد التي تختلف باختلاف المجتمعات، فجمالية الجسد تفتح الأفق الإنساني واسعا حول ما يسميه مرلوبونتي «الخبرة بالجسد»، واكتشاف عدم تصور الجسد حصرا في المتاهة اللبيداوِيَة، بل يتسع مجاله كي يرسم منحنى لحركة واعية تستقل التاريخ والواقع لتنجز واقعها وتاريخها الخاص، فـ»وجود جسم للمرء يعني الانضمام إلى وسط معروف والاختلاط ببعض المشروعات والارتباط بها بصفة مستمرة»، كما يرى ميرلوبونتي في فينومنولوجيا الإدراك.
لعبة الموت أو الجسد كسرد
تمثل حكاية ألف ليلة وليلة، الصياغة الجمالية للجسد، بدلالة الموقف من المرأة، التي يقرر شهريار في لحظة معينة الانتقام منها، حيث «اعتاد أن يفتض كل يوم عذراء من نساء مملكته ثم يقتلها»، وهو تعبير عن إعدام الجسد وإخفائه نتيجة خيانة موضوعها الجسد وقعت في حق شهريار، وهو في هذه الحالة يمثل أيضا سلوكا جسديا يمدد من حياته بإلغاء جسد الآخر، لأن الإفناء يتعرف في مجال شهريار كقاتل للنساء انتقاما لشرفه، وبالتالي، فإن أي جسد أنثوي يتحول إلى جثة يمثل إحالة رمزية على عنف القائم بالحدث الذي يمثل في الوقت ذاته السلطة المطلقة على مصائر الرعية، لكن ما ينقذ هذه الوضعية الفجائعية هو ظهور شهرزاد كحالة جسدية تمثل النموذج الذي يضحي من أجل وضع حد لديكتاتورية الجسد الذكوري، فشهرزاد تخاطب أبيها قائلة: «بالله يا أبت زوجني هذا الملك، فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء لبنات المدينة وسببا لخلاصهن من بين يديه».
تأتي شهرزاد مجهزة بفتنة الحكي، لتلعب مع الملك لعبة الجسد، أي أن مهمتها الأساس هي محاولة إحداث قطيعة بين سلوك الملك وتجثيث (من الجثة) الجسد، عن طريق تسريد الجسد، فانتباه شهريار يتحول مع تتالي الحكي من التركيز على الشهوة وتجثيث الجسد إلى الرغبة في استمرار الحكي، وتلقي غرائبيته، فشهرزاد انتقلت بالجسد من مجرد مستوى لتلقي العنف السلطوي المتمثل في تحويله إلى موضوعة للجنس والإنهاء، إلى مجال موضعته على مشارف السرد، ما يجعل «ألف ليلة وليلة» كحكاية تنصهر ضمن سردية إعادة الاعتبار للجسد، والتفكير في مجالياته المتعددة.
يا استاذ بن جلولي حبذا لو كتبت ترجمة بالحروف اللاتينية كلمة كليب clip حتى يتسنى للجميع فهم ما تقول و إلا سوف يشطح بنا الخيال الى كيدليب بن ربيعة التغلبي.
انا من قرائك الدائمين على صحيفة القدس العربي ليس فقط لان كتاباتك فيها الكثير من المتعة و الجمال افتقدناها في هذا الزمن الرديء و لكن ايضا لانك تحملني الى ذكريات “الطوبة” السعيدة بازقتها الضيقة المتربة في القصر القديم “و طريق الليسي” كما نغنى بها الشاب خالد. و ربما في طريق الليسي يجد جسد المرأة ركحا مسرحيا فريدا لنا نحن الفتيان اللذين بدؤا يحلمون و يتخيلون ما شاء لهم الله إن يتخيلوا و لا أعتقد أن في ذلك ما يشين اذا انحصر في صور الجسد حصرا في المتاهة اللبيداوِيَة ، ومرحلة المراهقة لها مخيالها الفطري الذي قطر الله الناس عليها. ربما كانت اغاني فيروز تاخذنا بعيدا في عالم حالم يكون فيه ابن الملح قدوتنا و جميل بثينة ملهمنا. و لكن مع مرور الزمن و ذبول نضرة الشباب و صعوبة نظرة العين نقتنع أخيرا ان ” جمال الجسد فاني و جمال الروح ما لوش آخر”. تحياتي
شكرا لكم أستاذ قصراوي.
وشكرا على التنبيه. طبعا وانت كذلك عصفت بذاكرتي قذفا إلى “طريق الليسي”.. حكاية الجسد حينذاك لها تأويلات أخرى،،، يا لجمال الشباب..
تحياتي