الإخوان وحكم سورية

حجم الخط
0

رياض معسعس ‘ لم يتوقف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن التصريح لدعم النظام السوري مؤكدا بأن النظام لن يهزم حتى ولو تم تسليح المعارضة وأن مذبحة كبيرة ستمتد لسنوات في سورية. في حين أن تصريحات أخرى لأكثر من جهة ومنها رفعت الأسد عم بشار الأسد بأن نهاية النظام باتت وشيكة وأن السؤال لم يعد هل يسقط النظام السوري، بل متى سيسقط هذا النظام. ومع سقوطه ستطرح مسألة تسلم الحكم من قبل المعارضة السورية. وكثر هؤلاء الذين يتخوفون من فراغ سياسي، أو فوضى سياسية، أو صراع على السلطة. ويذكي هذا التخوف أجهزة النظام في سورية بالتحذير من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة الذين ‘سيستأثرون بالسلطة ويحرمون الأقليات من حقوقها’، ويضربون الأمثال بالحالة الليبية أو اليمنية. أو أنهم يشوهون من رموز المعارضة بشتى الوسائل باتهامهم ‘ بمغازلة إسرائيل، أو بيع أنفسهم لأمريكا ودول الخليج’. ولو محص أحدنا وضع سورية بعد سقوط النظام فإنه لا شك أنه سيضع جميع الاحتمالات بالحسبان، فإن سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط أذياله، فنظام استمر في الحكم لمدة نصف قرن تقريبا لن تسقط مؤسساته بهذه السهولة، فسقوط حكم مبارك لم يسقط نظامه كاملا، فالمجلس العسكري ما زال هو الحاكم الفعلي في مصر، وكثير من مؤسسات الدولة يسيطر عليها رجال النظام المخلوع. وهذا ما ينطبق أيضا على الحالة اليمنية. وإلى حد ما في الحالة التونسية، فلن يكون مستغربا بعد سقوط الأسد أن نشهد عمليات إرهابية يقوم بها رجال المخابرات والشبيحة لنشر الفوضى والذعر في قلوب المواطنين، وإظهار أن المعارضة غير مؤهلة لإحلال النظام والأمن في البلاد. وربما تتطور الأمور إلى أكثر من ذلك بالتخطيط والتحريض لإدخال سورية في حرب طائفية بافتعال عمليات قتل طائفية من شأنها تأجيج الشعور الطائفي وهذا ليس غريبا على هذا نظام مارسها أكثر من مرة خلال نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي في معركته ضد الأخوان المسلمين الذي حملوا السلاح في وجهه. ويستخدمها حاليا في أكثر من موقع في سورية. ويبدو حاليا من خلال دراسة عميقة لأطراف المعارضة السورية حاليا، بأن حزب الإخوان المسلمين ورغم الضربة القاصمة التي تلقاها من قبل حافظ الأسد في حماة في العام 1982 يبقى الأكثر تنظيما، والأكثر عددا من جميع أحزاب المعارضة التي لا تعد بعضها سوى بضع مئات، أو حتى بضع عشرات. وكردة فعل شعبية لن يستغرب أبدا أن يلقى حزب الإخوان شعبية كبيرة في الأوساط السورية المسلمة، على غرار ما حصل في كل الدول مر عليها الربيع العربي أو لم يمر، خاصة وأن السوريين باتوا يرفضون الأحزاب القومية بعد ما لاقوه من حزب البعث خلال فترة حكمه الدموية. وكذلك الأحزاب اليسارية بشكل عام بعد أن كانت التجربة ‘الاشتراكية’ فاشلة بكل المقاييس. فالاسلاميون يحكمون اليوم في تونس وليبيا ومصر، وفازوا في المغرب والكويت أيضا، بمعنى آخر أن هناك تسونامي إسلامي يهب على العالم العربي، بعد الربيع العربي. ومن المحتمل جدا أن سورية لن تشذ عن القاعدة، خاصة وأن الغرب بمجمله يوطن النفس على القبول بهم والتعامل معهم، وهذا ربما من نكد الدنيا. وإزاء عمليات الترهيب والتخويف من وصول الإخوان إلى السلطة من قبل آجهزة الحكم في سورية، شعر الإخوان بأنه من الضرورة بمكان توضيح موقفهم السياسي واستراتيجيتهم التي سيبنون عليها مستقبل وجودهم كقوة سياسة اساسية في سورية المستقبل. فقام الحزب في الخامس والعشرين من آذار (مارس) الماضي بوضع وثيقة العهد والميثاق التي أكد فيها على بناء ‘دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدنيّ، منبثق عن إرادة أبناء الشعب السوريّ، قائم على توافقية وطنية، تضعه جمعية تأسيسية منتخَبة انتخاباً حراً نزيها، يحمي الحقوقَ الأساسية للأفراد والجماعات، من أيّ تعسّفٍ أو تجاوز، ويضمن التمثيلَ العادل لكلّ مكوّنات المجتمع’ وأن كل مواطن سوري ‘ له الحق ان يصل إلى أعلى مراتب الدولة’ وهذا يعني إلغاء لمادة الدستور السوري التي مازالت قائمة منذ الاستقلال إلى الآن وحتى في الدستور المعدل الذي صدر أخيرا عن النظام بأن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلما. وهذا ما من شأنه طمأنة المكونات الأخرى من المجتمع السوري بحقهم في المساواة في التمثيل السياسي على أعلى المستويات. وقد ساق الكثير من قيادات الإخوان في أحاديثهم، وأطروحاتهم، وتصريحاتهم من الأمثلة على انفتاحهم على الآخرين دون الدخول في حسابات الطائفية الضيقة فمصطفى السباعي مؤسس حزب الإخوان المسلمين في سورية كان يشترك في العمل النيابي مترشحا كغيره من المرشحين في المرحلة الديمقراطية التي عرفتها سورية بعد الاستقلال، كما أن هناك مرشحين مسيحيين كانوا يتقدمون بترشيحاتهم على قوائم الإخوان، ولا أحد ينسى فارس الخوري الذي انتخب رئيسا للوزراء في العام 1944 وشكل توليه كمسيحي لهذا المنصب سابقة في تاريخ سورية الحديث عكست جليا ما بلغه الشعب السوري الخارج من استعمار ‘دولة مسيحية’ من نضوج قومي. وهذا النضج المبكر تكرس في أذهان السوريين على مختلف انتماءاتهم العرقية والطائفية. وهذا ما جعل القوى السياسية السورية المعارضة اليوم تفكر في وضع اللبنات الصحيحة في بناء سورية الغد على أساس المواطنة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع. وهذا هو الأساس في نظام ديمقراطي. ‘ كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية