لجمال القاهرة وفتنتها المبثوثة في الطرقات والزوايا، يمضي الوقت سريعاً، مصحوباً بالضجيج وحركة السير الدائبة، التي تتواصل إلى ما بعد منتصف الليل، وفي الفجر تهدأ القاهرة، قد تنام قليلاً لتستيقظ سريعاً على وقع خطى المصلّين وأذان الصلاة، الذي يبدأ ببزوغ صوت خفيض يدعو الناس إلى الحياة، وإلى يوم جديد، يجددون فيه العهد مع خالقهم، فمصر من وجهة تبدو دينية، وذلك ما سوف نلحظه عند سائقي سيارات الأجرة، وسماعهم المتواصل للقراءات الدينية عبر التلاوات والتسبيح والإنشاد، فثمة قناة خاصة بالقرآن الكريم، وثمة أشرطة مسجلة لأحاديث دينية وصلوات وابتهالات. ومصر من جهة أخرى تبدو ترفيهية، ففيها ما فيها من نواد ليلية ومحطات سهر وحانات شبابية وملاه تسهر حتى الفجر، وكل يسير إلى هواه ويغني على ليلاه، فالأمن مستتب في مصر والقاهرة، ورجال الشرطة في كل مكان، فإذا حدث حادث ما، فجأة تراهم أمامك، بهيئة سرّية أو علنية، ومن هنا يبدو المسافر الأوروبي مطمئناً، ليلاً ونهاراً، فهو يعرف أن هناك عيناً ساهرة تراقب كل شيء، تحمي وتتحرّى وتواظب على أداء مشوارها المهني، من دون أن تشعر بوجودها، ولكنها موجودة ومتغلغلة في النسيج الاجتماعي، وبهذا فهي لا تتدخل في حياة الناس العامة، إلا إذا حاولت أن تخرق القانون وتمس الأمن العام.
في الليل حين أفيق لسبب ما، ألقي نظرة على الشارع فأرى ثمة حركة، ولكنها قليلة، لشباب يتمشّون، أو يتضاحكون أو يتنادون لأمر ما، فالقاهرة لا تنام بسهولة، ففيها من الضوء ما يغري، وفيها من المقاهي ما يجعلك تطيل السهر إلى ساعة متأخرة.
فهذه الأوقات المنيرة والمشعة غالباً بالشمس وأنت في أول شهر من السنة تشكل بحد ذاتها مدعاة للألفة والتحابب مع الوقت الجاري في القاهرة، فهي دافئة وأليفة على مدار العام، فإذا شعرت بلسعة برد فهي تأتيك في آخر الليل، برد لا يتغلغل في العظام، بل يلامس الجلد برفق وتأن لينبئك بأن تحترس.
في مثل هذه الأوقات الباردة في العاصمة البريطانية لندن، اعتدت على زيارة القاهرة، أثناء فترة إقامة معرض القاهرة الدولي للكتاب، أجيء بدعوة أحياناً وأحياناً أخرى من غيرها، هذه المرة جئت بدعوة كريمة من مدير المعرض والمُعدّين له، فجهّزت نفسي لحضور مأدبة الشعاع وكرنفال النور المتمثل في معرض كتاب القاهرة الدولي بدورته السابعة والخمسين، هذا المعرض متقن بتنظيمه المدروس والمتماشي مع الذائقة العالمية لمعارض الكتب الدولية. فالناس تملأ الصالات، والشراة يبحثون عن الكتاب الذي يسعون إليه، فدور النشر بالمئات والناس بالآلاف، والمتعة جوّالة تسير بين أجنحة الدور العربية والأجنبية، التي شاركت بجديدها وقديمها، لتوفّر كل ما هو مراد ومطلوب للمقتني العربي الباحث عن الكِتاب وبطرق حديثة وسهلة.
يتميز المعرض عادة فضلاً عن الكتب المعروضة بالندوات الأدبية والثقافية والعلمية والفكرية والفلسفية، ليلاحق كل ما يستجد في عالم الأدب والفكر والثقافة، فالندوات الروائية والشعرية والبحثية والفكرية كانت كثيرة، وحضور الشعراء والروائيين والكتاب يشغل الصالات، وحضور رواد المعرض للندوات كان متوسطاً بينما حضور الأماسي الشعرية كان أقل، فجمهور الشعر حيثما كنت في لندن أو باريس أو بيروت والقاهرة فهو قليل، قياساً بجمهور الندوات الأخرى، وهذا هو ما يتميز به الشعر غالباً كونه فنّ القلة، أو فن الأقلية الهائلة بتعبير الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث. مرة حضرت أمسية للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في باريس، وكان ذلك قد حدث في زمن بعيد. في تلك الأمسية البياتية كان الجمهور لا يتعدى العشرة أشخاص، وكذلك هو جمهور سعدي يوسف في لندن، أما الشعراء الذين كانوا يستهدفون الجمهور فهم أيضاً قليلون ولا يتعدّون أصابع اليد الواحدة، وهم الشعراء نزار قباني ومحمود درويش ومظفر النواب. وحسناً فعل أدونيس الذي كان مدعواً في عدم المجيء إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين هذا العام، كون جمهوره سيكون من جمهور الفئة الأولى، وأعني هنا جمهور عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف، فالملايين الخمسة أو الستة الذين يزورون المعرض كل يوم، يعتبرون أيام المعرض، فرصة للخروج والتنزّه حيث تفترش غالبيتهم الأرض خارج أجنحة الكتب والقاعات الكبيرة التي تقام فيها الندوات والأمسيات والجلسات الفنية والثقافية، من أجل السمر والدردشة وشرب الشاي وأكل الكعك البلدي، وهم لا يعرفون بالتأكيد من هو سعدي يوسف، أو كاتب هذه السطور مثلاً، فهم يعرفون المطربين أكثر من نجيب محفوظ الذي أقيمت الدورة باسمه، تكريماً لمنجزه الروائي وكونه الأديب العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل العالمية.
وأعود هنا للأمر ذاته، فقلّة حضور الجمهور لأي شاعر عربي أو أجنبي لا تعني أن الشاعر الذي يستقطب الجمهور هو الأفضل، قطعاً لا، فعلى سبيل المثال شعر الشاعر العراقي أحمد مطر لا يعني البتة أنه أفضل من شعر أدونيس، فجمهور أحمد مطر كبير، وجمهور أدونيس قليل، فالجمهور يرى من زاويته أن شعر أحمد مطر المباشر والساخر والمكتوب على طريقة اللافتات يلبّي حواسّه ويدغدغ مشاعره ويصل بسرعة إلى مداركه عبر نبرته الإيقاعية، بينما يجد صعوبة في استساغة شعر أدونيس، في فَهم رموزه ومظانّه الرمزية وإشاراته الفنية والتعبيرية، اللغوية واللفظية ذات المنحى الحداثي.
من الأمسيات التي حضرتها وقد حظيت بجمهور متوسط، أمسية الروائي إبراهيم عبد المجيد، وهي ندوة بدت احتفائية بمنجزه الروائي، وبما قدّمه من أعمال روائية وقصصية ومذكرات وكتابات نثرية كثيرة. وكان المتحدّثون في الندوة يتناولون أعماله وقصصه، تلك التي حملت رؤى وأفكاراً وسروداً فنية في سلسلة من أعمال عديدة، مسّت الواقع والحياة المصرية، بكل تحوّلاتها التاريخية وعبر أكثر من خمسة عقود في الكتابة المتواصلة والعمل الإبداعي الدؤوب.
أما بالنسبة للأمسيات الشعرية التي حضرتها، فكانت من بينها أمسية لشعراء مصريين وعراقيين وسعوديين وخليجيين، قُرِئ فيها شعر عمودي كلاسيكي وشعر تفعيلة وقصيدة نثر، وقد تآخت الأنواع والأمزجة والأشكال الفنية والتعبيرية، لتكون الخلاصة بما سيتركه الشاعر من أثر لدى الحضور.
كاتب عراقي