أخذت امبراطورية الدعاة الجدد في التداعي في السنوات الأخيرة، وكان أول الضحايا المصري عمرو خالد، متورطاً تارةً في الترويج السياسي وتارةً أخرى، في الترويج التجاري، ويكاد يلحقه مواطنه معز مسعود الذي كان دخوله لعالم الفن، بعد أكثر من زيجة من ممثلات مشهورات، منتجاً مشاركاً في فيلم دارت حوله الكثير من الشبهات، التي تتعلق بتقديم قراءة غير منصفة وغير واقعية ومقاربة مستفزة للصراع العربي/ الإسرائيلي، وأخيراً، ينضم محمد نوح القضاة، الداعية الأردني، الذي شغل منصباً وزارياً، واستطاع أن يكتسح الانتخابات النيابية بعد ذلك، بعد حديثه بصورة غير لائقة عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، مع أنه، القضاة، لا يمكنه أن يتحدث عن أي من زملائه الوزراء مثلاً، من غير ما جرى عليه العرف من تقدير وتوقير.
أتذكر أن أول سجال خضته في رحلتي مع الكتابة الصحافية كان يتعلق بالداعية عمرو خالد، وتلقيت العديد من الردود الغاضبة، وكان نقد خالد قبل سنة 2005 أمرا يحتاج إلى الشجاعة، إلا أن الكثير من الأدبيات ظهرت لتدرس هذه القضية من مختلف أوجهها، وكان من أهمها كتاب «إسلام السوق» لباتريك هايني، ومع ذلك، فما زالت الفرصة مواتية لظهور الدعاة الحكواتية، الذين يعملون على تقديم أسلوب حياة مقترح بنكهة إسلامية، فلا يحصلون على مقاربة عصرية للعالم، ولا هم يقدمون شيئاً عن الإسلام، بوصفه حاضنة ثقافية أوسع كثيراً من مجرد مجموعة من النماذج المعلبة، التي يمكن الحصول عليها في كتب البوذية أو الطاوية، وفي المحصلة، فالأمر يشبه قراءة كتب التنمية الذاتية للإحاطة بعلم النفس وتفاصيله.
المفكرون الإسلاميون يريدون استعادة الإسلام حضارياً وإنسانياً، لأداء أدواره تجاه المجتمع في محاولة تقديم قراءة منصفة تفصل ما هو تاريخي عن ما هو عقائدي
ضربت ظاهرة الدعاة الجدد ما يمكن وصفه بالنسخة القياسية للإسلام، تلك التي تطورت خلال القرن العشرين بوصفها جزءاً أصيلاً من مشروع التنوير في مطلع القرن، وحركات التحرر الوطني في الأربعينيات والخمسينيات، وهي النسخة التي تواشجت وتكاملت عناصرها من خلال إسهامات لمثقفين مثل جورجي زيدان وأحمد أمين، وعمل على تنقيحها وضبطها وعصرنتها، رجال دين مختصون، مثل الأئمة محمود شلتوت ومحمد الغزالي، وعبرت هذه النسخة عن نفسها في منهاج الدراسة لمادة التربية الإسلامية، الذي عكفت على إنجازه دولة الكويت، من خلال استقطابها للاخصائيين التربويين، وكان المنهج السائد في دول الخليج العربي الأخرى، باستثناء المملكة العربية السعودية، وهو المنهج الذي يمكن وصفه بالمعتدل والمنفتح، والأهم من ذلك، التجاوزي، بمعنى بحثه عن روايات توافقية، وتجاهله للكتب المنسية والمهجورة، أو كانت كذلك، في التراث، وذلك لتعبيرها عن سياقات تاريخية غير ذات قيمة عقائدية. الحاجة إلى الحكايات والقصص، كانت تدفع للخوض في هذه الكتب التراثية، مرةً من طرف النقد والتهجم، الذي يبحث عن مادة ساخنة لوضعها على طاولة الإعلام المتلهف لمفاجآت تاريخية، ومرةً أخرى، من طرف الباحثين عن النموذج والقدوة، فيبحثون في تفاصيل حياة رجال كانوا يتصرفون في ظروف عصرهم، وبناء على تحدياته، وبين الجانبين جرى تغييب النسخة القياسية للإسلام التي بقيت تتشكل في القرن العشرين، وكان القوميون العرب، خلافاً لما يعتقده كثيرون، جزءاً من بناء هذه الصورة وصيانتها والعمل على سيادتها الفكرية والذهنية، لأهميتها في تشكيل الهوية الثقافية للمشروع القومي، وشخصية صلاح الدين الأيوبي، التي قدمت بوصفها شخصية فارقة، حملت أعباء إعادة التأسيس لدولة الإسلام من جديد، كانت صناعة للقومية العربية، وكذلك كان استدعاء النظام البعثي في العراق للقادسية.
ما الذي يتبقى في ذاكرتي الشخصية، ومعظم أبناء جيلي ممن تلقوا التعليم في المدارس الخليجية، يمكن أن أخمن أن وصية الرسول لأسامة بن زيد، وخطبة الوداع، ووصية الخليفة أبو بكر لجيش الشام، هي الأكثر حضوراً في الذاكرة، ولذلك، فإن الحديث عن نزعة عنف متأصلة في الإسلام تسوقها الأدوات النقدية الحديثة، أو نزعة خطيئة تتطلب تطهراً ذاتياً مستمراً وأداة بوصفها حلاً للارتقاء الذاتي، كما يذهب الدعاة الجدد، جميعها تبدو مناطق مستغربة أمام جيل كامل كانت ثقافته تتعلق بالحضارة الإسلامية العملية والمشتبكة مع مشكلات الحياة، التي تعتبر جزءاً من جهود العصرنة التي تقوم على معطيات أخرى مثل، الشعور القومي والفكر الإنساني. ما يمكن قراءته، هو حالة انتزاع للإسلام من سياقه الطبيعي، وتوظيفه كأداة للحرب على الشيوعية، أو التثوير بعد سقوط الشاه، وهو الأمر الذي ضرب النسخة القياسية المتوائمة مع القومية العربية والظرف التاريخي، لمصلحة نسخ تقوم على أرضية الصراع والتأثير والاستحواذ على الرأي العام والزخم بين الجمهور، ووسط هذه التعقيدات يكون الدعاة الجدد الطرف الأكثر استفادة والأكثر تضليلاً، لأنهم يقدمون نسخة ذاتية تقوم على القصص والوعظ، بينما يستغرق المفكرون الإسلاميون الذين يريدون استعادة الإسلام حضارياً وإنسانياً لأداء أدواره تجاه المجتمعات ومشروعاتها الوطنية، في محاولة تقديم قراءة منطقية منصفة تقوم على الفصل بين ما هو تاريخي وما هو عقائدي، تجاه بناء رافد هوياتي مهم لا يمكن التقدم من غيره، شأن الصين، التي استطاعت أن تخرج بمعادلتها الجديدة بعد الممازجة بين الأيديولوجيا السياسية والموروث السابق لفلسفات الصين القديمة، التي هي تعبير عن وجود الشعب الصيني في التاريخ. يتوجب تنحية هذه النوعية من الدعاة باستخفافهم بالموروث وتعقيداته، وقصر نظرهم عن المشروع الحضاري لمجرد تعبئة ساعات البث والتواصل مع المعجبين، الذين يبحثون عن تطهر سهل ويسير، تجاه البحث المعرفي الحقيقي والمسؤول وتجاه استعادة مناهج تعزز من الهوية والاندماج في الحياة المعاصرة، بعد سنوات من التراشق حول كتب وروايات أخرجت من أرشيف التاريخ الذي تناساها وتجاهلها لعدم فاعليتها لإجابة أسئلة الراهن وحاجاته الملحة.
كاتب أردني
القرآن صحيح 100% حيث وصلنا بتواتر وتعدد مصادر موثوقة بصيغة واحدة كما رواه محمد (ص) فبات مرجع للتشريع وبالمثل وصلتنا أحاديث صحيحة %100 بتواتر وتعدد مصادر موثوقة بصيغة واحدة فباتت مرجع للتشريع كالقرآن، لكن قسم ثاني أحاديث لا تأكيد لصحتها 100% رواها آحاد أو رواتها غير ثقة ضعيفة أو تناقض القرآن أو تغادر روح الدين وإطاره العام لكن استمر تداولها جماهيرياً طوال 14 قرناً فضلوا وأضلوا وأنتجت فتن ودين موازي، وقسم ثالث أحاديث تأكد عدم صحتها لكن حرص أعداء الإسلام على استمرار تداولها 14 قرناً لتشويه الإسلام.
روح الإسلام بأول نظام حكم مدني بالعالم أنشأه محمد (ص) بالمدينة سماحة ووسطية وعدالة ومكارم أخلاق وحفظ نفس وعقل وعرض ومال وأسرة ومجتمع وحروبه تطوعية دفاعية لحماية مدنيين وحرية تعبير واعتقاد وليست لاستعباد وقنص ثروات، ومرجع المسلم آيات قرآن ربطت بأسباب وظروف نزول وتصرف النبي بحينها وبكل ظرف فاكتمل الدين قبل وفاته، أما قصص تاريخ بعد محمد (ص) ليست مرجع مطلق للمسلم بل جهد بشري بحينه يحدد صوابه أو عدمه بنسبة تناغمه أو نقضه لروح الدين السمح الواسع لكل البشر النقي من بدع وأهواء وفتن والمكتمل غير المجتزأ.
أتفق مع كل كلمة جاءت في المقال أ.سامح مع كون الداعية الحكواتي يسهم مساهمة سلبية في بناء الفكر الاسلامي لدى الأجيال القادمة بتشتيتهم واقحامهم في معارك جانبية كما تفضلتم لم تعد موجودة على رفوف الإرشيف .
مقال قيم اكرمك الله أستاذنا العزيز