مسلم أكباش غورسيس … المطرب صاحب الصوت الجهير

يعتبر المطرب الشعبي مسلم أكباش، الشهير بين معجبيه بمسلم بابا، صاحب لقب مسلم غورسيس، أحد أشهر وأكثر المطربين الأتراك شهرة في مجال التراث الشعبي التركي والذين مزجوا بين النجومية والنجاح في كل من الغناء والتمثيل.
فاقت شعبية وشهرة غورسيس – صاحب الصوت الجهوري- كل متوقع، للدرجة التي وصلت ليكون له أتباع يقدسونه ويطلقون عليه لقب “بابا” وكان لافتاً أن مسلم كان يمثل منبتهم طبقياً في أطياف المجتمع التركي المختلفة، فعندما يغني، كان يبثهم عبر اختيار كلمات أغانيه المنتقاة بعناية لكي تعبر عن أوجاعه وهمومه، والحياة الصعبة التي عاشها في صغره، وأصوله الطبقية البسيطة التي عانت الكثير على المستوى الاقتصادي والحياة الاجتماعية القاسية، مما وفر لمسلم شرائح كبيرة من المجتمع لتجعله نجمها المتوج الذي يعبر عن آلامها وآمالها مع صوته المتهدج والذي يضج بأوجاع الحياة وقسوتها، القادر لينفذ لأرواح معجبيه المتعبة.

الأداء الباهر

رافق وجود هذه الظاهرة من المعجبين المخلصين وصمة كانت سلبية للغاية، حيث كانت كلمات الأغاني بالإضافة لأداء غورسيس الباهر المشبع بفرط التأثر والصدق بالأداء تأثيراً انعكاسياً تفاعلياً كئيباً على متابعيه، الذين كان بعضهم يقوم بتجريح نفسه كناية عن الإفراط بالافتتان بمطربه المفضل، وهذا جعل من مسلم ظاهرة درسها علماء الاجتماع في الجامعات التركية لفرط تأثيره على جمهوره، الذي كان يبدو مسلوب العقل والإدراك حين يتابع حفلة من حفلاته، يضاهي بذلك كثيراً من المشاهير وأصحاب التأثير على معجبيهم من الفنانين العالميين.
حين تكون الشهرة والموهبة رمساً يدفن فيه الفنان مشاعره وذكرياته تتحول هذه المادة الخام من الوجع لتصبح عدوى ترادفية تؤجج مشاعر يتركها العامة مخفية تحت رماد الذكريات الخالية، تكفيه لفحة من الكلمات الصادحة من حنجرة أشبعت بالوجع، فيستطير الرماد عن جمر متقد من ألم الفقد واعتلال المشاعر فيفضي لحالة من السلبية المخيفة كالتي ظهر عليها معجبو مسلم من المتعصبين.
في فيلم Müslüm نجد نوعاً من التسجيل الوثائقي لمسيرة حياة الفنان الشهير بطريقة درامية ترصد مراحل زمنية من حياته الحافلة المختلفة، وتعرض للكثير من مفاصلها الحرجة، التي كانت حبلى بالألم والقسوة، خصيصاً على مستوى والده، الذي تسبب له بجرح في ذاكرته منذ نعومة أظفاره، حيث كان أباً قاسياً ومدمناً على الكحول ووضيع الصفات الأخلاقية، وهذا أثر بشكل تام على حياته الأسرية وتسبب بكارثة في حياة عائلته بأكملها في مرحلة لاحقة، ما قلب حياته بمجملها لتشكل بحراً متلاطماً من الذكريات المغمسة بالدم والخوف والقلق وهي التي صاغت لاحقاً تجربة “بابا مسلم” الغنائية لتكون ذات طابع سوداوي متشح بالكثير من موّالات الوجع والآهات والألم والأسف من تدابير القضاء التي لم ترحم ذاكرته المتعبة وأرهقت روحه المضطربة منذ كان بعد طفلاً صغيراً.

مسيرة شاقة

كانت مسيرة نجاح مسلم الفنية مسيرة شاقة، ما تسبب بنقش تجاربه الشخصية في الحياة على أسلوبه في الغناء، يذكر أن مقتل والدته على يد والده- مدمن الكحوليات وصاحب السجل الجنائي غير النزيه- قد عمقت لديه مشاعر الفقد والغضب وأحاطته بسور عال من الأحزان والأوجاع ثقيلة الوطء على نفسه الضعيفة.
خاف مسلم من أن يكون قد ورث عن أبيه حس التدمير لمن هو واجب عليه حمايتهم ورعايتهم، لذلك تزوج من فنانة تكبره بالعديد من السنين، ولم يلتفت لموضوع الإنجاب لأنه لم يرد أن يكرر بقية أخطاء أبيه خصيصاً أنه ورث عن أبيه الإدمان على الكحوليات، ما دفعه ليقوم بأمور مؤسفة حتى لأقرب المقربين إليه، وهو غير واع لما قد فعل.
يمكن لعشاق الأغنية الطربية التركية أن يستمتعوا للغاية بالفيلم كونه يزخر بالعديد من الأغاني التي تقمص أداءها كل من الفنان Timuçin Esen والفنان Alper Parlak، وبالرغم من كون الأغاني غير مترجمة ولكنك تتمكن من الاندماج سريعاً والتفاعل مع المطرب بالرغم من كونك لا تعلم اللغة التركية أساساً، وهذا سيكون دليلاً مضافاً على اختراق شيفرة الوجع والألم لعالم اللغة واختلاف الجنسيات في عالم الغناء.
بحق، كان تأدية الشخصية بارعاً على مستوى التسلسل الزمني لنموها بمراحل حياتها المختلفة، وإظهار حالات التقلب التي كانت تطرأ على الفنان الذي ابتلي بالإدمان على الكحول وحاصرته الهموم والابتلاءات، حتى أن جثته وُضعت في المشرحة بعد أن ظن المسعفون أنه مات خلال حادث سير ولكنه نجا وتمكن من مزاولة مهنته بالرغم من الإشكاليات الصحية اللاحقة التي لاحقته حتى مماته عقب عمل جراحي في قلب متعب ومثقل بالهموم والأحزان، لم تتمكن الشهرة ولا النجومية من جعله ينبض بالفرح والسعادة .
أخرج الفيلم كل من Can Ketche و Ulkayوكتب سيناريو الفيلم كل من Hakan Gunday و Gürhan Özçiftçi ومن تمثيل كل من النجوم Timuçin Esen و Zerrin Tekindor و Ayça Bingöl وآخرين.
ولد مسلم أكباش في عام 1953 وتوفي في عام 2013 عن عمر ناهز 59 عاماً وترك وراءه تركة فنية لـ 38 فيلماً كان فيها ممثلاً أساسياً وغنى في غالبيتها أيضاً، ومزج بين العديد من أجناس الأغاني التي تدرجت من فئة الأرابيسك للموسيقى الشعبية التركية، والعثمانية القديمة، والجاز والبوب روك.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Aboulala-kadri Dallal:

    مقال جميل لصديقنا المحترم والمثقف عبد الكريم انيس حفظه الله

  2. يقول Aboulala-kadri Dallal:

    جميل ورائع وكلمات لم اتوقع ان تكتبها وانت الحاصل على ليسانس في الادب النكليزي من جامعة حلب اتمنى منك المحاولة بكتابة بعض التحليل والنقد لبعض الاعمال الاجنبية باللغة الانكليزية لكي تكون انطلاقتك نحو العالمية.
    بارك الله بك وبقلمك الراقي ????

اشترك في قائمتنا البريدية