هل وصلت الفوضى الهلاكة إلى الخليج؟

قبل اندلاع الأزمة الخليجية كنا نتساءل: هل كان الربيع العربي ثورات شعبية حقيقية انبثقت من صميم المجتمعات والشعوب العربية، أم أنها كانت وقوداً لما أسمته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش مشروع «الفوضى الخلاقة». وفي أغلب الأحيان كنا ندافع عن الربيع العربي باعتباره حركات ثورية شعبية حقيقية طال انتظارها، فليس من المعقول أن محمد بو عزيزي الذي حرق نفسه احتجاجاً على وضعه المعيشي المزري في تونس كان وقوداً لمشروع غوندوليزا رايس، بل بالأحرى كان رمزاً لملايين المقهورين والمقموعين والمضطهدين من المحيط إلى الخليج. لقد حاججنا بهذه الأطروحة ومازلنا نحاجج ضد الذين اعتبروا الثورات العربية مجرد ألعوبة أمريكية لتحقيق الفوضى الخلاقة التي وعدت بها كوندوليزا رايس. لكن بعد أن بدأت تصل النار إلى الخليج العربي المرتاح اقتصادياً ومعيشياً بتحريض أمريكي اعترف به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بعد زيارته المشؤومة للمنطقة، لا بد لنا أن نعيد حساباتنا قليلاً ونتساءل: هل كل ما حصل وسيحصل في المنطقة جزء من المشروع الأمريكي سيئ الصيت؟
ماذا جنت الشعوب من ثوراتها حتى الآن في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر وتونس؟ أليست النتائج التي وصلنا إليها حتى الآن تشير إلى أن كل الثورات تقريباً لم تنتج سوى الفوضى المطلوبة أمريكياً لإعادة رسم خرائط المنطقة وإعادة توزيع النفوذ الدولي فيها؟ لا نقول طبعاً ولن نقول يوماً إن الثورات كانت لعبة، بل إن المتحكمين بالعالم حرفوها عن مسارها واستغلوها لتنفيذ مشاريعهم المرسومة لبلادنا منذ عقود. قد يبدو السيناريو الخليجي مختلفاً عن السيناريوهات الأخرى في بلاد الثورات، خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية في الخليج أفضل بكثير من بلدان الربيع العربي بفضل الوفرة المالية المعهودة، ولهذا لا بد أن يكون سيناريو الفوضى والتخريب مختلفاً عما حصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا. تعالوا نقارن بين ما حدث في بلاد الثورات، وما يمكن أن يحدث في الخليج لو، لا سمح الله، تطور الصراع بين دول الحصار وقطر وأخذ أبعاداً عسكرية.
ما هي أهم مظاهر الفوضى والتخريب في بلاد الربيع العربي؟ لعل أبرز ملامحها ضرب الشعوب ببعضها البعض وتمزيقها طائفياً ومذهبياً وقبائلياً ومناطقياً وقومياً وعرقياً لإعادة توزيعها جغرافياً واستغلالها بطريقة جديدة. فلو أخذنا العراق مثلاً لوجدنا أن اللعبة الأمريكية القذرة منذ أيام الحاكم العسكري الأمريكي الأول بريمر استهدفت النسيج الشعبي في العراق، فبدأ اللعب مبكراً على تفكيك الوحدة الوطنية العراقية، عن طريق تضخيم مظالم الشيعة والكرد، مع العلم أن المطلوب لم يكن بأي حال من الأحوال تحصيل حق الفئات المظلومة تاريخياً في العراق، بل كان الهدف ضرب مكونات الشعب العراقي ببعضها البعض طائفياً ومذهبياً وعرقياً. وقد نجح المخطط بشكل بارع بعد أن تحول العراق إلى ملل ونحل متناحرة بعد أن كان دولة وطنية بغض النظر عن بعض مساوئ وديكتاتورية النظام السابق. لقد تفتت العراق القديم وتحول إلى كانتونات عرقية ومذهبية مفضوحة.
وحدث ولا حرج عن سوريا. صحيح أن الشعب السوري كالعراقي عانى الأمرين على مدى عقود من بطش النظام وقمعه، لكن هل حصل السوريون بعد أن تدخل كل كلاب العالم في بلدهم على أي إصلاح أو على وضع أفضل من الوضع القديم، أم أن أكبر ضحية للثورة السورية كان النسيج الوطني السوري على علاته. صحيح أن الوحدة الوطنية في سوريا لم تكن مثالية، لكن على الأقل كان هناك شعب سوري متعايش ولو بأضعف الإيمان، فقد نجح النظام في سوريا كما في العراق بسحق أي تململ شعبي على أساس فئوي أو مذهبي أو طائفي على مدى عقود. ولا شك أن ذلك يتنافى تماماً مع المبدأ الديمقراطي، لكن هل الذي حصل عليه السوريون بعد الثورة له أي علاقة بالديمقراطية والحرية، أم إن الذي حصل كان تمزيقاً مفضوحاً للنسيج السوري الهش بموجب وصفة الفوضى الهلاكة؟ لم يحصد السوريون حتى الآن سوى تفكيك أواصر الوطنية، وتحولوا إلى ملل ونحل متذابحة كالعراقيين بعد أن أصبح بينهم آلاف الثارات.
ولا يختلف الأمر في ليبيا، فبرغم عدم وجود طوائف ومذاهب في ليبيا، إلا أن المتآمرين على الوطن الليبي وجدوا طريقة أخرى لتفتيت ليبيا وتمزيقها بالصراعات الفئوية والقبلية والدينية، فبدل أن يحصل الليبيون على ديمقراطية تنقذهم من ديكتاتورية القذافي، صاروا أيضاً فرقاً متصارعة حرقت الأخضر واليابس وجعلت بلدهم مسرحاً للاعبين الخارجيين.
وبدوره صار اليمن ساحة للتناحر بين اليمنيين على أسس مذهبية وحزبية. باختصار شديد، فإن المطلوب لم يكن تحقيق الديمقراطية والحرية للشعوب الثائرة، بل استغلال مظالمها لتحقيق المخطط الأمريكي القذر المعروف بالفوضى الخلاقة. وقد جاءت الأزمة الخليجية الأخيرة لتفتح جرحاً جديداً في الجسد العربي الذبيح. لم يجد أصحاب مشروع الفوضى الخلاقة نفس الظروف والأوضاع التي استغلوها لتمزيق بلاد الثورات وتفتيت شعوبها، فلجأوا إلى حيلة جديدة، فحرضوا بعض بلدان الخليج على دولة قطر، وساقوا حججاً سخيفة لا تنطلي على تلاميذ المدارس لدق الأسافين بين الشعوب الخليجية وتسليطها على بعضها البعض لتحويل الخليج إلى مسرح جديد من مسارح الفوضى الهلاكة. لم يكن حصار قطر أبداً مجرد عقاب للحكومة القطرية كما ادعت دول الحصار، بل كان محاولة مفضوحة لزرع الشقاق والعداوة والبغضاء بين الشعوب الخليجية ذاتها. وقد اعترف الرئيس الأمريكي نفسه بأنه هو الذي حرض دول الحصار على استهداف قطر بحجة رعاية الإرهاب، مع العلم أن كل الجماعات التي احتضنتها قطر كانت بضوء أخضر أمريكي كما اعترف المسؤولون الأمريكيون أنفسهم.
ندعو إلى الله طبعاً أن يبعد الفوضى الأمريكية الهلاكة عن الخليج، لأن ملامحها لم تعد تخفى على أحد، لكن لو تطورت الأمور باتجاه التصعيد، فلن يكون مصير المنطقة الخليجية أفضل من مصير بلاد الثورات، حتى لو كانت وصفة الفوضى في الخليج مختلفة عن سابقاتها العربية. ليس العبرة في الوسيلة إذا كانت الغايات والنتائج متشابهة. هل ستبقى الشعوب الخليجية عائلة واحدة متداخلة كما كانت قبل الأزمة الخليجية المفتعلة أمريكياً، أم إنها ستكون مشابهة لوضع الشعوب الأخرى المتناحرة؟ ألم تترك اللعبة الأمريكية جرحاً غائراً لدى القطريين مع العلم أن الأزمة لم تتطور إلى ما هو أعظم بعد؟ أليس ما يحدث في الخليج لو تطور أحد مظاهر الفوضى الأمريكية الهلاكة بامتياز؟

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

هل وصلت الفوضى الهلاكة إلى الخليج؟

د. فيصل القاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول يوسف بن علي:

    الأميركيون دورا ليس لهم بها .أقصد الفوضى الهلاكة. نحن العرب .خليجيون كنا كذلك أم لا. نحن فوضويون في حياتنا .في أفكارنا .انفصام الشخصية السياسية والاجتماعية هي رفيقتنا. هالكون.منهزمون. متشاءمون. حتى العظم .لكنه تفقدنا الصراحة والاعتراف. بأننا ذهبنا بعيدا في الطريق الخاطئ .هل نعود إلى الدرب الصحيح . لا بد من وقفة تأمل .وبسرعة .لأن (سيد) البيت الابيض.ينتظر كما انتظر الذئب ليلى .في روايات الأطفال. نحن نحب ليلى ونكره.الذئب . أيها الجمل العربي كم اشتقنا لك.

  2. يقول عبدالله:

    لو كان المقال قبل الازمة الخليجية لقلنا ان هناك اعادة نظر لدى الاستاذ فيصل في دعمه ومواكبتة لمشروع الفوضى الهلاكة كما يسميه ولكن للاسف كان هو وبعض البلدان الخليجية جزءا من هذا المشؤوع, اما وقد وصلت النار الى ثيابهم بدأوا يستفيقون مما هم فيه ولكن كما يقال ولات حين مندم

  3. يقول محمد حاج:

    الثورات الشعبية عندما تشتعل فهي حتام ستنتصر ولو بعد حين ،ولكن حينما تتحول لثورة عسكرية ومحرضة من عدة جهات خارجية تنفيذا لأجندة دولها تصبح فاشلة وعديمة الجدوى .

  4. يقول اليمانى المملكه المتحده:

    عزيزى فيصل الحريق الذى اشعله بو عزيزى فى تونس الخضراء ريح يمتد الى كراسى وعروش من صبوا الزيت على النار وحاول اشعالها ثم اخمادها حسب مزاجهم ودرجه ثملهم.

    حسب المثل القايل من يلعب فى النار احرقت يديه. وارجع الى مقوله الزعيم معمر القذافى(رحمه الله) “الدور جى عليكم ايه نعم جى عليكم كلكم” اما قطر فلا خوف عليها فهيا فى مامن ومحصنه اكثر من ما يعتقده الغير.

  5. يقول سلام عادل:

    لم يكن هناك شيء اسمه ثورات لان الثورات بكل بساطة يجب ان يكون لها قادة من الاحزاب الثورية في البلد وهذا لم يحصل لا في تونس ولا مصر ولذلك اختلف الامر مع القذافي فتم تدخل الناتو ورجال الدين الذين افتوا بقتله والاعلام العربي الذي اجج الليبيين عليه ونفس الامر حصل مع سوريا وكانوا يعرفون ان ايران وحزب الله وروسيا سيتدخلون هل هناك مخطط نعم

  6. يقول بشير الزين / سوريا:

    لا يضير أن يتذوق الطباخ الطعام الذي قام بتحضيره للآخرين ليتعرف على المذاق والنكهة وصحتين

  7. يقول Maged alspaee:

    لماذا لا تقول أن هذه تراكمات لاعراضنا منذوا زمن عن قضية الشعب الفلسطيني …والمقدسات الدينيه … فاثوره الكل سيدفع الثمن فيها

  8. يقول أ.د. خالد فهمي - تورونتو - كندا:

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاتع أستاذنا الأعلامي العبقري… د. فيصل وشكراً لمقالك الجامع

    لو سمحت لي أريد أن أقف عند الفقرة الثالثة من مقالك حول العراق وأحتلاله وتنصيب بول بريمر من قبل بوش الأبن وبالتالي تنفيذ خطة أستهداف النسيج الوطني العراقي كما وصفته.,, فأقول… لقد مر العراق عبر التأريخ بأحتلالات قوى خارجية مثل المغول والدولة العثمانية ومؤخراً الأحتلال البريطاني ولكن النسيج الوطني الأجتماعي والعرقي والديني لم يتأثر كثيراً وذلك لأن الشعب العراقي بكل فئاته كان متماسكاً ومتلاحماً غير أن بعد 2003 و لأسباب غير معروفة ؟؟؟

    وهنا تنطبق على الشعب العراقي الآيتين الكريمتين 54 و55 من سورة الزخرف:

    فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)

    تفسير الجلالين: { فاستخف } استفز فرعون { قومه فأطاعوه } فيما يريد من تكذيب موسى { إنهم كانوا قوماً فاسقين } (54) { فلما آسفونا } أغضبونا { انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين } (55)

    ولا حول ولا قوة ألا بالله العليّ العظيم !!!

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية