جاؤوا من أقطار مختلفة والتقوا على متن سفينة يونانية مبحرة إلى أوروبا.
لم تفتكم طبعا.. إنها رواية «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا. زمن سردي لم تدركه إشكالية الساعة، إشكالية الهجرة، الآخذة في ربط السفن ربطا عضويا بمأساة إنسانية حلت محل ملذات الرحلة وملاذاتها. وقد فاقمت جورجيا ميلوني الوضع في الساعات الأخيرة.
أجل.. انتهكت الحكومة الإيطالية الجديدة وبقوة حسن السلوك الدولي، الذي يقضي بأن يوكل إلى أقرب مرفأ، استقبال سفينة غادرت في رحلة غير مؤمنة، تحمل على متنها رجالا ونساء وأطفالا هم، أولا وأخيرا، بشر.
إنها إسعافات أولية.. فالإسعافات ليست مجرد إسعافات طبية، إنها أخلاقية أصلاً.
الإشكال ثقافي أصلا لأننا هنا في أوروبا فقدنا صلاتنا بكبار مفكرينا من عصر النهضة، الذين حددوا معالم «النزعة الإنسانية» ونظروا لها فكرا وفلسفة
لكن بعد أن قلنا ما كان لا بد من قوله من باب مبدئي ونظري، توجب إكمال الحديث من حيث التطبيق والعمل. وهنا نعود إلى الإشكالية الأزلية، المتفرعة عن الإشكالية الرئيسية، إذ وصلنا إلى حيث وصلنا، لأننا لم نعد العدة لتجنب الوصول إلى حيث وصلنا. أهذا تأنيب ضمير؟ لا، لأن تأنيب الضمير لا ينفع معه علاج. لنتحدث، بدل البكاء على الأطلال، عن استخلاص العبر، أولاها أن «حلفاء شبه الجزيرة» الإيطالية من أقدم حلفاء القارة العجوز، ثانيها أن وقت تقاسم الأعباء قد حان ولا يعقل أن تكون أوروبا قد اكتفت باستقبال 117 نازحا من أصل الـ8000 الذين التزمت باستقبالهم، ثالثها أن أوروبا، لو رعت التزاماتها، لبدأت تشق طريقها في سبيل تحقيق المقاصد التي حددتها واحدة من أكثر الشخصيات الأوروبية محل إجماع، الإيطالي ماريو دراغي، حين تحدث عن وجوب قيام «إدارة أوروبية في مستوى قيمها وتاريخها ودورها العالم». لو فعلت أوروبا ذلك لقلصت من فرصة إتاحة اليمين المتطرف تعزيز مكانته في مناطق متفرقة من القارة. إن لم يقتنع القادة الأوروبيون بأن مشكلة الهجرة واللجوء والنزوح مشكلة بلا نهاية ما لم تقع معالجة جذور الملف وأولها سياسات التنسيق، ستتصاعد أصوات أخرى مماثلة لصوت جورجيا ميلوني، التي تحكم الجمع بين العبارات المنطقية (استقبلنا 90000 في العام الماضي وأنتم لم تستقبلوا سوى 117)، والإجراءات الخارجة عن المنطق كتعهدها للرئيس الفرنسي بالانخراط التام في سياسة التنسيق، والتملص الفوري من تدبير حالة مستعجلة في الوقت ذاته.
بتعزيز اليمين المتطرف موقعه على نحو يمكن للمراقب معاينة مدى فوضوية تنظيم هذه التشكيلة السياسية، تخطينا في أوروبا عتبة غير مسبوقة: انتشار خطاب ازدواجية المعايير، الذي ينشد ظاهرا وحدة الصف في سبيل تحقيق وحدة المصالح، لكنه باطنا لا ولن يتخلى عن دغدغة مخزون انتخابي انطوائي انكماشي تقليدي، وهذا يسمى صناعة سياسة بما لا يصنع سياسة. كل التحاليل تجمع على أن المحور المفضل لدى هذه الشريحة من الرأي العام، محور الهجرة كخطر على اليد العاملة المحلية، لا يستقيم، بل توفر الهجرة على العكس، يدا عاملة إضافية، بل أساسية لشغل عدد من الوظائف الفارغة. أما المحور الأخلاقي، فيحتاج إلى وقفة.. في اعتقادي، الإشكال إشكال ثقافي أصلا، لقد فقدت شعوب ارتباطها بتقاليدها، ومنها تقاليد الانفتاح والاستقبال وبالتالي الاندماج. من هنا، تعمم تأويل للهوية يقوم على فرضية أن الهويات لا تتكامل، وأن لا هوية قادرة على أن تفرض نفسها وتتطور وتنمو، إلا على حساب هوية أخرى. حينها، يصبح التعايش مهددا أكثر من أي وقت مضى. والإشكال ثقافي أصلا لأننا هنا في أوروبا فقدنا صلاتنا بكبار مفكرينا من عصر النهضة، الذين حددوا معالم «النزعة الإنسانية» ونظروا لها فكرا وفلسفة.
فقدنا ثقافة الانفتاح التي ورثناها عن اليونان، والتي ورثناها، طبعا، عن روما.
في سنة 1558، نشر الشاعر الفرنسي Joachim du Bellay ، ديوانه الشهير «أنتيكات روما»، (آثار روما القديمة) الذي يترحم فيه على انحطاط «العظمة الرومانية». ديوان لم تقرأه ميلوني بكل تأكيد…
باحث أكاديمي وإعلامي فرنس