في سياق اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وعقيلته، استعاد العالم تلفيقات الولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، غير أنّ هذه المرّة انتقل الصراع إلى جنوب الإمبراطورية، حيث أُلصقت تُهَمُ التهريب والمخدرات بدول أمريكا اللاتينية، بدل الإرهاب، وفي عالم يعيش اضطرابا وصراعا ينذران بتفجير الأوضاع، فلا مكان للسلام مع غطرسة رعاة الحضارة المادية ودعاة القيم الاستهلاكية، الذين يقفون كقطاع طرق ضد شعوبٍ تناضل لنيل حريتها وإنسانيتها. في وقت تتعالى أصوات رفض إمبراطورية اختزلت الليبرالية في طابعها اللاهوتي المقدّس، حيث يكون السوق إلها، والحرية طريقا للتهجير والقتل.
أقدّم في هذا المقال الموجز، والمرتكز على مقاربة نقدية فلسفية في تحليل التحوّل الإمبراطوري، تفكيكا للخطابات الليبرالية المهيمنة، بوصفها أنساقا معيارية، لا مجرّد سياسات، وقراءة للممارسات الاقتصادية والعسكرية ضمن بنيتها الرمزية واللاهوتية. وتستند المقاربة النقدية إلى تقاطع الفلسفة مع الاقتصاد واللاهوت في فضاء سياسي، من أجل الكشف عن كيفية تحوّل السوق والسيادة والأخلاق إلى منظومة عقائدية، تشرعن هيمنة وعنف الرأسمالية المعاصرة. فهل نشهد اليوم تحوّل النيوليبرالية الرأسمالية نحو الثيوليبرالية، حيث أصبحت التدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية تُبرَّر بلغة أخلاقية مطابقة للخطاب الإمبراطوري؟
إنّ التاريخ يربك الإمبراطورية؛ أقصد ذلك الذي يضع أسس الصراع الوجودي بين مكوّناتها الداخلية ورهاناتها الدولية. ولعلّ «الحلم الأمريكي» هو من يرسم الملامح النهائية للتاريخ، وللحضارة التي تستمدّ منه تعريفاتها للحرية والديمقراطية وللإرهاب كذلك. أن تكون الليبرالية لاهوتا مقدّسا غير قابل للنقد أو الرفض، هو النيوكولونيالية بكلّ تجلياتها العنيفة؛ إذ تتحوّل أدواتها الناعمة نحو إفراطٍ ممنهج للاستغلال المباشر للثروات الطبيعية، لا على مستوى العدوّ الخارجي فحسب، بل إنّها ترى أنّ مكوّناتٍ واسعة من المجتمع الأمريكي ترمز إلى خطر وجوديّ يتهدّد حركة الأموال والاستثمارات. ولنعد إلى ما أسميه «الثيوليبرالية»، وهي ارتكازُ اللاهوت الليبرالي على نظامٍ سياسيٍّ اقتصاديّ، تصبح فيه السوقُ معيارا أخلاقيا مطلقا، والحربُ طقسا تطهيريا، والهيمنةُ رسالةَ خلاص. لنُدرك أنّ ثمّة تحوّلا جذريا في بنية الإمبراطورية، انطلق من صراعات سياسية نحو خطاباتٍ دينية تُعيد صراع الحضارات، لكن هذه المرّة تكون الإمبراطورية ذاتها في مواجهة أشكال من الحضارة الإنسانية.
تقود الإمبراطورية الأمريكية توجّها بالغ التعقيد والحساسية؛ فهي تنتقل من النيوليبرالية المعزِّزة لحرية السوق وعولمة الحضارة، إلى نسق أكثر تصلبا وعنفا، حيث يصبح السوق مقدّسا، والإنسانُ سلعة، والحضارةُ حلما
قد يختلف كثيرون معي في افتراضي أنّ الثيوليبرالية نَعشُ الإمبراطورية الشر، أو بالأحرى آخر فصول تحوّل الليبرالية الغربية. ويعود الاختلاف إلى عوامل القوّة التي تمتاز بها الإمبراطورية في »إعادة إنتاج العدوّ» وقدرتها على «صياغة قيم استغلالية» تمكّنها من الاستمرار في تطويع العالم.
غير أنّ نقاط القوّة تلك هي ذاتها الحلقة الأضعف في بنية الولايات المتحدة الأمريكية؛ فنحن أمام صراعاتٍ عالمية تقف فيها روسيا في مواجهة أوروبا، وإسرائيل بالتمدد في المنطقة العربية، والصين تلوّح باجتياح تايوان، إلى جانب احتجاجات داخلية في إيران. كلّ هذه التناقضات تعيد صياغة التاريخ وحدود الإمبراطورية.
حرّكتْ عمليةُ اعتقالِ الرئيسِ مادورو ما يفترض أن يكون أسئلة جوهرية حول بنية الحضارة، وعلاقتها بالانتماء الحضاري للإنسان، بوصفه الفاعل في تحقيق قيم الحرية والعدالة والديمقراطية. ولنقل إنّ ثَمّة إشكالاتٍ مهمّة طُرحت عقب عملية الاختطاف حول ماهيّة الأسباب التي جعلت الإمبراطورية تتّخذ شكلا إلغائيا، يُحيلها إلى أدواتٍ في غاية الخطورة والعنف. من أجل ذلك، ساهمت الدعايةُ الأمريكية في شيطنة أعداء الإمبراطورية بوصفهم «إرهابيين» في منطقة الشرق بعد 11 سبتمبر 2001، واليوم تعتبرهم «تجّار مخدّرات» عندما تعلّق الأمر بأولئك الذين يتربّعون على ثرواتٍ طبيعية في ضفافها الجنوبية. ولم تقف الدعايةُ الإمبراطورية عند حدّ اتهام القادة وحركات التحرّر بمختلف صنوف الإلغاء الحضاري، بل ذهبت إلى جعل القانون الدولي لعبة سياسية. وهذا التحوّل في نمط الإمبراطورية سببه تكوينُ الساسة الأمريكيين وانتماؤهم المتحيّز، لأعتى الأدوات البربرية عبر التاريخ، حيث تضخّ الشركات متعددة الجنسيات أموالا طائلة لتحريك حاملات الطائرات نحو الكاريبي، أو لدعم إسرائيل في حروبها العبثية.
تستطيع الإمبراطورية أن تعيد صياغة مفهوم العدو وتطويعه؛ فليست روسيا والصين وحركات التحرّر ولا أوروبا ذاتها بمأمن من الاستعداء المباشر من طرفها. فإن تكون عدوا لأمريكا، مرتبطٌ بقدرة الكيانات، دولا كانت أم جماعات، على رفض التمدّد الأمريكي المتعلّق بهيمنة الدولار، وأمن إسرائيل، فمتى جرى استهدافُ أحدهما تحرّكت ترسانتها العسكرية، لتُبيد شعوبا بأكملها باسم الحرية والديمقراطية. يتحدّثُ الرئيسُ ترامب عن الأخلاق التي تحكم تصرّفات الإمبراطورية تجاه الحضارة، لكنه لا يقصد المبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا الحرية ولا الديمقراطية بوصفهما نتاجا لحضارة إنسانية، تعزز أخلاق الاعتراف والتعايش بين مختلف شعوبها، إنّه يشير إلى قيم إمبراطورية مهيمنة، من شأنها أن تعيد صياغة الحضارة وفق نمطٍ لاهوتيّ شديد القداسة، ومرتبطٍ بـ«دينٍ ليبرالي» لا يقبل التعدّد ويرفض بشكلٍ قطعي أصوات العدالة المناهضة للصهيونية.
تقود الإمبراطورية الأمريكية توجّها بالغ التعقيد والحساسية؛ فهي تنتقل من النيوليبرالية المعزِّزة لحرية السوق وعولمة الحضارة، إلى نسق أكثر تصلبا وعنفا، حيث يصبح السوق مقدّسا، والإنسانُ سلعة، والحضارةُ حلما. وتُنتج الإمبراطورية قيمها الخاصة، المتمثّلة في «ثالوثها» الأكبر: السوقُ إلها، والإنسانُ بضاعة، والحضارةُ قربانا؛ وهو نمطٌ من «الإمبريالية الحديثة» تتحوّل فيه الليبرالية من فلسفةِ حرية إلى لاهوتٍ سياسي، يُؤلَّه فيه السوق، وتُقدَّس المصالحُ المالية والجيوسياسية، بحيث تُعاد صياغة الحضارة، والقيم، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان بوصفها طقوسَ طاعة، لا حقوقا كونية. وهي بذلك تجعل من المبادئ الأساسية للحضارة والإنسانية أدواتِ هيمنةٍ ضد من يرفضون جبروتها وبربريتها، إذ تصبح الحرية والديمقراطية وسائلَ تدخّل بدل أن تكونا أساسا لبقاء الحضارة. وهذا التوجّه نتيجةٌ حتمية للتحوّل العنيف لليبرالية، التي عزّزت المصالح الإمبريالية بعيدا عن جوهر التبادل الإنساني.
إنّ تحييد الإمبراطورية للحضارة نتيجة حتمية «للثيوليبرالية»، حيث يتألّه السّوق ليصبح الحاكم في تقرير مصائر الشعوب والثورات، وهذا الإلغاء لقيم الحضارة أحد نتائج الإمبريالية المعولمة، التي اتّخذت من الدول رقعةَ شطرنج تحرّكها المصالح، وتعيد صياغة تاريخها وهويتها وثقافتها عبر أنظمةٍ ديكتاتورية. بالإمكان اعتبار الثيوليبرالية المرحلةَ النهائية التي تعيشها الإمبراطورية في ظلّ وهم الحرية والديمقراطية وحروبها المشتعلة في الشرق. فهذا الفصل الأخير من تطوّرها لا يعيد إنتاجها وفق نمطٍ حضاري يحفظ تجدّدها واستمرارها، بل إنّ وسائل الإنتاج الاقتصادية تصبح عبئا على أطراف الإمبراطورية، مُكبِّدة الأمريكيين خسائر حضارية واجتماعية. ولنتأمّل مثلا استهداف الأمريكيين من قِبل سياسات الهجرة، وكيف يعيد ذلك صياغة الأمن القومي نحو دعم لامشروط لإسرائيل، التي تُضخّ إليها المليارات، فهل يمكن للحضارة أن تستمر حين يتحول اقتصادها إلى لاهوت؟
كاتب جزائري
مقال عميق ومُحفِّز على التفكير، يفتح أسئلة جريئة حول الرأسمالية المعاصرة ويقاربها من زاوية فلسفية ولاهوتية غير مألوفة. طرح ذكي ولغة رصينة تكشف جهدًا معرفيًا واضحًا. فخور بصداقتك وبهذا العمل
شكراً أخي نور الدين قدور رافع. كلام وتحليل رائع. لكن هذا هو السؤال هل يمكن الحضارة وهنا المقصود أمريكا أن تستمر بعد وصلت أن في عهد ترامب إلى هذا الحد! أم أنها بدأت بالعد العكسي! لا يوجد جواب واضح تماماً اليوم وإن كانت التجارب التارخية تشير إلى أن أمريكا بدأت بمرحلة لاتخلو من الخطر عليها وعلى العالم أجمع. وهنا تكمن مهمة هذا العالم بعدم الركض وراء ترامب والتصدي لها.