الحياة في لحظة الخلق

الذكريات ضبابية دائما، وما أرويه الآن كأنه جرى في حلم، أو في حياة أخرى. يجب أن يكون الوقت ربيعا أو بداية الصيف، الساعة حوالي الثانية ظهرا، والطقس حار. كنت عائدا من المدرسة، ورأيتُ عمّاتي مجتمعات مع أبي وأمي وخالتي، وصمت غريب يسود المنزل، يغلّفه شعور بالندم والحسرة لدى الجميع، كأن موت جدّتي سببه خطأ اقترفوه يوما ما، وهم يتلقّون الآن نتيجته. الطفل في عمر ست سنوات لا يعرف معنى الحزن، ويمتلك من الصفات الطفوليّة السعيدة ما يكفي لكي تفرش ابتسامة وجهه عند حضوره مأتما، وربما ضحك دون أن يدري. لامَني أخي «مهدي» على ذلك، وطلب مني أن ترتسم على محيّاي أمارات الحداد، لأن جدتي «مسالك» فارقت الحياة.
أُقيم مجلس العزاء في بيت أهلي. وفي اليوم الأول والثاني كان الطفل قد سمع وخبر الشجن في صوت الشيخ المُقرئ، يتلو الذِكر عبر مكبّرة الصوت. استيقظَ فجرَ اليوم الثالث بفعل هاجس قويّ، وراحَ يُنشد ما يحفظه من آيات، متّخذا مجلس الشيخ. لستُ بحاجة لأن أقول إن الطفل لم يسبق له أن قام بتلاوة القرآن، لا عبر مكبرة الصوت ولا من دونها. كان الفجر يُنيره ضوء القمر، ينفذ ضعيفا خلال النافذة التي تغطيها أشجار الحديقة. غلظتْ نبرةُ صوتي وأنا أنشدُ على طريقة الشيخ «بسم الله الرحمن الرحيم والضحى». حلّ صمت بعد ذلك حتى أني كنت أسمعُ في أثنائه نبضَ قلبي، وكان بإمكاني الشعور بحبة عرق تشكلت على قمة أنفي. أردت أن أمسح وجهي، لكني نسيتُ قطرةَ العرق لأني شرعتُ بتلاوة الآية «والليل إذا سجى». تاهَ عندها قلبي في هيمان سامٍ، وطفقتُ أبحث عن نفس تشاركني حالة الوجد التي أجرّبها أول مرة. وأنا أقرأ «ما ودّعكَ ربّكَ وما قلى. وللآخرةُ خيرٌ لك من الأولى» تطلعتُ من النافذة، وبدت لي شوارع حيّ «بستان عائشة» غريبة، ثم حلّت لحظات صمت طافحة بالقداسة، وممتلئة بالعاطفة المشحونة بالكلمات، تنتقل كأنما بواسطة الوحي إليّ، وأقوم بدوري في نقلها إلى السماء، فيعود صداها إلى سدّة الربّ. انقطع بعد ذلك حبل الصمت الذهبي بموسيقى هذه الألفاظ: «ولسوف يُعطيكَ ربّك فترضى. ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالّا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى». أغمضت عيني، وشملتني رعدة من رأسي حتى كعب قدمي، أسلمتني إلى هاجس قويّ بأن جمهوري الذي يصغي إلى تلاوتي هو الله، بما أني أقرأ كلامه، ولم يكن ثمة أحد معي، غير صدى صوتي يتّحد مع الأشجار والطيور، إلى أن يبلغ حافة السماء. أثبتت التجربة فيما بعد أن هذه الحقيقة صائبة تماما لدى الفنانين جميعا، وهم يؤدون أعمالهم في محترفهم، وحيدين ومعزولين عن العالم، قريبين فقط من الله. حلّ بعد ذلك صمتٌ شمل الدنيا المغلفة بالأريج الحاد للفجر الخفي، تخلّلتهُ أغنيةُ طائر لا أعرف لماذا بكيتُ عندما سمعتها. مسحتُ دموعي وقطرات العرق على أنفي بكمي، لكن الدموع واصلت الانزلاق على خدي، وأنا أنشد: «فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربّك فحدّث لا إله إلّا الله لا إله إلّا الله بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هو الله أحد». آنئذ، كأن أحدا من أعلى كان ينادي عليّ، بصوت أثيريّ يُخبرني أن حياة الإنسان على الأرض غير باطلة وليست عبثا. هل كنتُ في هذه السنّ أفهم معنى ما تناهى إليّ؟ بالرغم من نوبة البكاء التي ألمّت بي، تبدّى لي كلُّ شيءٍ من حولي جميلا وغنيًا، وخفيفا ووادعا بطريقة قاسية ومجهدة وتتجاوز قدرتي على التحمل. ثم شعرتُ بظمأ شديد إلى الهواء والماء، وبحاجة لتقبيل أمي أو خالتي أو أبي، أو أيّ من أخوتي وأختيّ، أو أقاربي. قمتُ لأشربَ الماء، وكان الجميع نياماً، فخرجت إلى حديقة البيت وجفّف النسيم عبراتي، والسماء كانت تصطبغ بألوان أول النهار. «جوكي» هو اسم الكلب الذي يعيش معنا، وكان مخلوقا نادرا ومدهشا ويعتبره الجميع فردا من العائلة. كان الكلب يقظا في تلك الساعة، واستقبلني يهزّ ذيله ويدور حولي ويشمّني، فأدنيتُ فمي من فمه، وقبّلتُه. هدأتْ نفسي عندها وتمكنت من العودة إلى مقام الشيخ وإتمام سورة «الإخلاص»، وقرأت بعد ذلك سورتي «الفاتحة» و»النصر»، وكانت نفسي تشعر بتوق فرح للحياة، وتحسّ برغبة في شيء ما.
طفرات الصمت لا توجد سوى في تلاوة القرآن، ونشعر بها كذلك عندما تتوقف الموسيقى عند نهاية السمفونية أو المعزوفة، قبل انطلاق تصفيق الجمهور، عندما يحلّ صمتٌ يدوم جزءا من الثانية، أو أكثر بقليل، لكنه قويّ ويهزّ الهواء كي يثبت وجوده. يقول العلم إن هذا الصمت هو الذي يُحدث الانفعال والتوتر الذي تُشيعه الأنغام فينا، لأن الدماغ، تلك الآلة العملاقة التي ما نزال نجهل الكثير من أسرارها، يبدو عندها كأنه يغيّر تروسه، أو أنه يستبدل ترساً بآخر، وهذا ما حدث لي بالفعل في ذلك الفجر، فالصمت الذي أعقب تلاوتي القرآن لم يكن فارغا، بل يملأه صوتٌ بعيد غير مسموع كأنه صوت الربّ. صمتٌ من قطن مسكيّ يشبه الفراغ الذي يتحرك في الهواء بين أغصان الأشجار، ويجعلها ترتعش، وعدم وجوده يؤدي إلى فقداننا شيئا من أنفسنا، عندما يعمّ الصخب وتشيع الفوضى، وتكون الحياة في حالة خواء يدعوه الفلاسفة والشعراء (العدم).
سخنتُ بعد تجربة تلاوة القرآن، ورقدتُ في الفراش وأنا أرتجف مدة يومين، وتشفّى أخي منّي في أثناء مرضي. قال: «هذا عقابك لأنك ضحكتَ في يوم وفاة جدّتك». أخذت الحمّى تزول تدريجيّا، بواسطة الحزن الذي أجرّبه أول مرّة، مع الشعور بالأسى ووخز الضمير، أحسستُ في اليوم الثالث مع حلول المساء، أني وحيد وناء ومعزول عن العالم بصورة مثيرة للشفقة. تتألم النفسُ بين الروح والجسد، لينشأ الفنّ من هذه المنطقة المشوشة. وأنا نصف راقد، نصف يقظ، غمرتني غشاوة من رماد سديميّ، تبخرت تدريجيا وراح عالم جديد يتشكّل أمامي، تكشّف لي فيه الحضور المستتر للأشياء من حولي؛ السرير والمقعد والطاولة والدولاب والحقيبة المدرسيّة والستائر… مثل تفاصيل لوحة فيها الحياة صامتة ومختلفة عنها في الواقع. تبدّت لي في تلك الساعة الأشياء بصورتها المكثفة والمجسمة والحقيقية، ولم تكن تكلّمني وحدي، وإنما البيت والمدينة والبلاد والعالم. حتى وشوشة الأصوات في المنزل تجسّدت بصورة هواء قويّ يغلّف عريَ هذه الحياة، معطّرا برائحة جدتي التي غابت عنا إلى الأبد، لكنها بقيت حيّة في خاطري.
لا يمكنني وصف هذه التجربة بصورة وافية، لكني أستطيع القول إنها قريبة مما جاء في الآية الكريمة: «وعلّمَ آدمَ الأسماء كلّها». كلّ شيء يُخفي وراء اسمه جوهره، أي كينونته التي يظلّ محتفظا بها منذ لحظة الخلق، يكتشفها المرء حينما يتسلّق أعلى شرفات الوعي، ويبصر بعين الفن. حديث نسبه كثيرون إلى النبيّ محمد: «أرني الأشياء كما هي»، وأورده ابن الجوزي في «صيد الخاطر» بصورة دعاء: «اللهم أرنا الأشياء كما هي». من شعر اليوناني يانيس ريتسوس أنقلُ هذا المقطع:
«أتخفّى وراء الأشياء البسيطة كي تعثروا عليّ
فإن لم تعثروا عليّ، فستعثرون على الأشياء».
كأن ما توصل إليه الاثنان، النبيّ المصطفى والشاعر اليوناني، واحد. أسماء الأشياء أكثر واقعية منها، ومن دون الاسم يكون الوجود حالة في خيال المرء، لا أكثر. كما أن التعرّف على الكون بصورته الحية يمثّل الخطوة الأولى في معرفة النفس؛ التحدي الأصعب لدى الفنان، يحقّ له في حال بلوغه الانخراط في حياة الناس والحديث عن هومهم اليومية. إنها حقيقة عظيمة؛ مهما بدا هذا الطريق صعبا جدا، يبقى هو السبيل الوحيد أمام الفنان، للوفاء بالتزامه أمام إرادة الحياة، وأمام الشروط التي يتطلّبها الخَلق الفني.
حتى بعد مرور سنوات وسنوات، ظللتُ أفكّر فيما جرى لي في مأتم جدتي «مسالك». كانت روحي عارية في حرم الوجود، وعن طريق إنشاد القرآن والإحساس الغامر بلحظات الصمت، تمكنتُ لأول مرة من الاتصال مباشرة مع الحياة وهي مجرّدة، كأنما في لحظة الخلق. لقد كانت الأقدار تبذل أقصى ما يمكنها لكي يتشكّل لديّ الإيحاء الذي سببه سحر الفن، وتصيرُ هذه التجربة الأكثر تأثيرا في حياتي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الله:

    وجب التوضيح !، لا يوجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي ذكرت !
    و عرفت ذلك لأن رسول الله كان يدعو و علمنا أن ندعوا :
    ‏{ اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه } ، فمن غفل عن هذا الدعاء أو الذكر ، فلربما فقد الوفرة في التمييز بين الحق و الباطل.. ، و لربما التبست عليه الأمور و ضل عن الصراط المستقيم.. و خاصة إذا كان غافلا عن بقية الأذكار الأخرى…،
    أمر منكر آخر و هو وضع مقولة فلسفية على أنها حديث عن رسول الله “توصل إليه” هو بذاته.. و كذلك فيلسوف يوناني…! ،
    و هذا الكلام منكر‎..‎‏ أولا لعدم ورود ما ذكرته على أنه حديث من الأحاديث الشريفة‎..‎‏ ، ثانيا لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى و كل ما جاء عنه هو وحي من الله تعالى‎ ‎‏، ثالثا كيف تضع رسول الله صلى الله عليه و سلم سيد ولد أدم و خير البشر مع فيلسوف يوناني يعتبر مشرك بالله..!‏ ‎

اشترك في قائمتنا البريدية