يصرخ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يقبل وقف الحرب، ثم يتحدث في الجملة التالية، على ما قالت صحيفة «نيويورك تايمز»(16/3/2026) بأنه سيترك أمرها للحلفاء كي يديروا شأنها، ويأمر بعد ذلك بحشد الحشود ويستبعد في الآن نفسه نشر قوات عسكرية على الأرض. وهذه الفوضى التي أحدثها في قراره المضي مع حليفه بينامين نتنياهو جاءت بسبب غياب الإستراتيجية الحقيقية.
فرغم تأكيد إسرائيل أنها ستواصل تغيير خريطة الشرق الأوسط بالقوة إلا أنها في كل الحروب التي خاضتها لم تكن قادرة على المضي بها بدون دعم عسكري ومالي من الولايات المتحدة.
ولعل حرب السويس عام 1956 التي أنقذ فيها داويت أيزنهاور مصر من عدوان ثلاثي مثال واضح عن تناقض المصالح الأمريكية والإسرائيلية بالذات ضمن منظور الحرب الباردة.
ورغم أن الإدارة الحالية لم تعد تهتم كثيرا بأطر النظام الدولي وتعتقد أنها تستطيع تحقيق ما تريد بدون أخذ اعتبارات للتصميم الذي أقيم فيما بعد الحرب الثانية إلا أن ترامب لا يمكنه المضي في حروبه غير الشرعية وتهديده بالاستيلاء على الدول واستعدائه الجيران والحلفاء على حد سواء. ففي الوقت الذي طالب فيه ترامب الحلفاء في الناتو العمل والمساعدة على فتح مضيق هرمز، تساءلت صحيفة «الغارديان» في افتتاحية (16/3/2026) عن سبب طلبه المساعدة من الحلفاء رغم ما يقوله ويؤكده بأنه ينتصر ليس جزئيا ولكن بشكل كامل، فيما يهدد إيران بالدمار الإقتصادي بعدما دمر قتل قدراتها العسكرية وقتل مرشدها آية الله خامنئي، بداية الحرب.
شرك التصعيد
ويجد ترامب نفسه والإسرائيليون معه بأنهم في «شرك التصعيد» كما يقول المؤرخ روبرت بابي، فكلما كانت الجولة الأولى من القصف قوية، زادت احتمالات حدوث انحرافات للحرب في أماكن أخرى: معارضة الداخل، تأثر أسواق النفط، معارضة الحلفاء. ولدى أمريكا وإسرائيل القدرة العسكرية على جعل إيران تعاني لكنهما لا تستطيعان السيطرة على تداعيات الحرب التي نتجت من استراتيجية إيران بزيادة الكلفة على ترامب ونتنياهو، وضرب حلفاء أمريكا بالمنطقة وإغلاق مضيق هرمز الذي باتت تسيطر عليه والرئيس الأمريكي حائر بكيفية التعامل معه. رغم تحذير رئيس هيئة الأركان جون كين له، بأن الإيرانيين سيلجأون لإغلاق المضيق، لو هوجموا، فكان رد ترامب بأنه لن يكون لديهم الوقت لإغلاقه، لان الأمر سيكون قد انتهى على ما أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» (13/3/2026).
تصدع في ماغا
وها هو اليوم يعاني تداعيات الحرب ليس لأنه دخل في حرب غير قانونية تعارضها نسبة عالية من الأمريكيين حسب استطلاعات رأي متعددة، بل وباتت تهدد معسكره الإنتخابي وقاعدة دعمه في تحالف «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (ماغا)، كما أشارت مجلة «بوليتيكو» (19/3/2026) فقد أثارت حرب إيران عددا من الصراعات الداخلية في الحزب الجمهوري الذي يقوده ترامب. وهو صراع انفجر علنا يوم الثلاثاء عندما استقال جو كينت، أحد كبار مساعدي، مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غبارد السابقين، فجأة من منصبه، مبررا ذلك باعتراضاته على تصرفات الإدارة في إيران. إلى جانب هذا، أدت العمليات العسكرية الجارية هناك، إلى ردود فعل سلبية من العديد من الشخصيات المعروفة في اليمين المناهض للتدخل، بقيادة شخصيات مثل تاكر كارلسون وميغان كيلي والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين.
لكن الحرب دفعت أيضا إلى بعض الانشقاقات المثيرة للدهشة، ففي يوم الاثنين، أعلن ستيوارت رودس، مؤسس ميليشيا «حماة القسم» اليمينية المتطرفة، والذي خفف ترامب إدانته لدوره في أحداث الشغب التي وقعت في 6 كانون الثاني/يناير، أنه «لم يعد من أنصار شعار لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وعبر عن معارضته للحرب.
وفي غضون ذلك، قال جو روغان، الصوت الأبرز للفصيل المؤيد لترامب في أوساط برامج البودكاست، بأن مؤيدي ترامب يشعرون بـ«الخيانة» بسبب إيران. وقد بدأت بعض بوادر الخلافات داخل الحزب الجمهوري تظهر في استطلاعات الرأي أيضا. كما أن هؤلاء الناخبين أكثر ميلا إلى اعتبار «القدرة على تحمل التكاليف المعيشية» الهاجس الأهم، وهو ما يشكل مأزقا سياسيا للإدارة، إذ تؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود وتهدد بزيادة معدلات التضخم. ولهذا قال معلقون أمريكيون إن الإدارة وإن كانت نفسها معزولة من ناحية تقلبات أسعار النفط، إلا أن الأمريكيين ليسوا كذلك، وهذه ليست أخبار جيدة للإدارة التي تحضر نفسها لانتخابات مهمة في تشرين الثاني/نوفمبر.
لكل هذا يجد ترامب نفسه متخبطا في حرب دخلها بدون استراتيجية واضحة. وهو ما دفع مجلة «إيكونوميست» (20/3/2023) إلى اختيار عنوان لغلاف عددها الأخير وصف عمليته «الغضب الملحمي» ضد إيران بأنها «عمى ملحمي»، وقالت إن الحرب باتت تضر بترامب. ورغم أنه من الصعب الرهان على الرئيس الأمريكي، لأنه كان قادرا على تحدي التيار السياسي كما فعل عندما اقتحم أنصاره مبنى الكابيتول في 6 من كانون الثاني/يناير 2021، ليعاد انتخابه في عام 2024 بنسبة أكبر من الأصوات. ومع ذلك، يصعب تخيل أزمة مصممة بدقة أكبر لعرقلة مسار رئاسته من حربه المتهورة وغير المدروسة ضد إيران. وحتى حرب قصيرة ستغير مسار ولايته الثانية، أما حرب تستمر لأشهر فقد تنهيها تماما. والسبب، كما تقول «إيكونوميست» هو أن الحرب ضد إيران تضعف ثلاث نقاط قوة سياسية لدى ترامب: قدرته على فرض رؤيته على العالم واستخدامه المُفرط للنفوذ وهيمنته على الحزب الجمهوري. وحتى بدون إيران، كان من المرجح أن تتضاءل قوة هذه النقاط بعد انتخابات التجديد النصفي. ولكن الحروب تسرع التغيير.
ولو نظرنا إلى ترامب وكيفية تحديه للواقع، نرى أنه من الناحية السياسية أظهر قدرة منقطعة النظير على تحريف الحقائق، فقد قال، كما هو متوقع، أنه قد انتصر بالفعل في إيران. إلا أن الحرب تكشف حقيقةً أخرى. لا يمكن للنظام الإيراني أن ينتصر بالمعنى التقليدي. ولكن على الرغم من الدمار الواسع النطاق الذي لحق بالبنية التحتية واغتيال كبار القادة، بمن فيهم رئيس جهاز الأمن، علي لاريجاني، فإن النظام الإيراني ما زال قائما حتى الآن، وما زال مخزونه من اليورانيوم، الذي يزن نحو 400 كيلوغرام، جاهزا تقريبا لصنع قنبلة، مدفونا بالأرض وبعيدا عن متناول ترامب ونتنياهو.
وقالت المجلة إن إيران، تشن حربا موازية ضد قطاع الطاقة العالمي. هي تستهدف الملاحة في مضيق هرمز والبنية التحتية لجيرانها. وهذه الهجمات تهم أسواق الطاقة العالمية. وترى المجلة أن الوقت في صالح إيران، فستواجه أمريكا وإسرائيل تدريجيا نقصا في الأهداف المناسبة للضربات الجوية أو نقصا في بطاريات الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدي للأسلحة الإيرانية. في المقابل، يبدو أن إيران لا تزال تمتلك وفرة من الطائرات المسيرة. وطالما أنها تقيد حركة الملاحة في المضيق، سترتفع أسعار النفط وسيتفاقم الضرر الذي يلحق بالاقتصاد العالمي.
أما الورقة الثانية القوية لترامب فهي النفوذ. ولأن قادة الدول الأخرى باتوا يتوقعون معاملة قاسية، فإنهم يعلمون كيفية المقاومة ورفضوا تلببية دعوته لفتح مضيق هرمز، فرد بأنهم جبناء وغير ذلك من الأقوال الهجومية.
وأصبحت إيران تحتفظ بخيار نهاية الحرب، ولو استمر المضيق مغلقا حتى نهاية نيسان/إبريل فإن سعر برميل النفط سيصل إلى 150 دولارا.
وبالنظر إلى هذا النفوذ القوي، فقد تتمسك إيران بأكثر من مجرد العودة إلى الوضع السابق للحرب. قد تطالب برفع العقوبات، أو بالتزام أمريكي بالتخلي عن بعض القواعد في الشرق الأوسط، أو بكبح جماح إسرائيل. إذا ما لاح الركود الاقتصادي في أمريكا وبدأت أسواق الأسهم بالانخفاض، فهل سيلجأ ترامب إلى التصعيد، مثلا، بالاستيلاء على جزيرة خارك، التي تضم موانئ التصدير الإيرانية، أم سيتراجع؟
وترى «إيكونوميست» أن الجواب يعتمد جزئيا على آخر صلاحياته: نفوذه داخل حزبه، والذي يتراجع، لأنه انتخب بوعود وقف الحرب ومنع التضخم. فقد لقي 13 جنديا أمريكيا حتفهم وقد تزيد العمليات البرية داخل إيران لاستعادة اليورانيوم، أو في خارك، من عدد القتلى. وبلغ متوسط أسعار البنزين والديزل 3.88 دولار و5.09 دولاراللغالون، مقارنةً بـ 3.11 دولار و3.72 دولار عند تنصيب ترامب. وهناك إشارات عن تراجع في شعبيته داخل قواعد الحزب وانصاره المتحمسين. ففي السر يعبر العديد من الجمهوريين المنتخبين عن غضبهم. فتجاهل ترامب للتحذيرات بشأن مضيق هرمز دليل على ازدرائه للاستراتيجية وغروره الذي يجعله يعتقد أنه الأعلم في العالمين. وبات من المرجح جدا أن يخسر الجمهوريون سيطرتهم على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي في الخريف. كما ارتفعت احتمالات خسارتهم لمجلس الشيوخ بعشر نقاط، لتصل إلى حوالي 50 في المئة. كلما كانت الهزيمة أشد وطأة، كلما ازداد ضعف الرئيس وقلّ نفوذه على من يرث الحزب. وربما لجأ ترامب الغاضب إلى حلول أخرى وسط تراجع شعبيته وارتفاع أسعار النفط.، مثل البحث عن مخرج في مكان آخر، في كوبا مثلا. إلا أن ترامب فقد السيطرة على هذه الحرب. ويظهر هجوم إيران على مركز الغاز في قطر أنها لا تزال تملك أوراقا رابحة. وحتى لو انتهى القتال غدا، فقد يستغرق الأمر من أربعة إلى ستة أسابيع لاستعادة إنتاج النفط، ومن أربعة إلى ثمانية أسابيع لتهدئة أسواق النفط، وشهرين لعودة الشحن إلى وضعه الطبيعي. وسيظل خطر تجدد العمليات الإيرانية قائما وقد تبقى الأسعار مرتفعة لأشهر. وكل يوم يمرّ دون ارتفاعها يضعف الرئيس. وتعتمد سياسة ترامب على القوة التي تنبع من الانتصار. فإذا بدا خاسرا، فمن المتوقع أن ينتقم. وقد يصبح الرئيس الأضعف أكثر خطورة.
فعلى الرغم من القيود الداخلية عليه، إلا أن ترامب لديه حرية أكبر في التصرف على الصعيد الخارجي. وقد ينسحب من حلف الناتو وربما تخلى عن أوكرانيا لمعاقبة أوروبا وقد يمارس ضغوطا على أمريكا اللاتينية باسم مكافحة الجريمة والمخدرات وقد يطالب بأموال مقابل الدفاع عن اليابان وكوريا الجنوبية. وسيتخذ موقفًا متشددا بشأن الرسوم الجمركية. حتى لو لم ينجح، فإن ذلك سيزيد من تآكل تحالفات أمريكا، مما سيسعد الصين وروسيا. ومع ذلك، لا تحظى سياساته الداخلية بالإجماع الكبير، حتى بين أنصاره من جماعة ماغا، وهناك صدوع بينه وبين دعاة «لنجعل أمريكا صحية» (ماها) وجماعات المرأة حول قضايا الهجرة والموقف من إسرائيل، وعليه من الصعب تصور كيف سينتهي الأمر بترامب منتصرا في إيران. فهو خاسر جدا.
شجب إسرائيل
والحقيقة أن موضوع إسرائيل والعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة باتت موضوعا محلا للنقاش وبحرية، وليس داخل أوساط الحزب الديمقراطي بل وأنصارا سابقين لترامب. وقد برر كينت، مدير مكافحة الإستخبارات الاستقالة احتجاجا على انجرار ترامب وراء إسرائيل في حرب إيران، وبرز تاكر كارلسون ومقدمة البودكاست، كانديس أوينز التي تحظى برامجها الإخبارية بمتابعة واسعة وتعتبر من أشد الناقدين لإسرائيل. ومن هنا تساءل البرفسور ستيفن وولت، في «فورين بوليسي»(17/3/2026) عن دور اللوبي الإسرائيلي والصهاينة المسيحيين بدفع ترامب إلى حرب اختيارية مع إيران، وقال إن هذه الجماعات لها مصلحة في ضرب إيران وأنها مسؤولة بدرجة معينة للذهاب إلى الحرب حماية لما تراه «العلاقة الخاصة» بين أمريكا وإسرائيل. وقال إن الحروب الأبدية ستتوقف طالما عوملت إسرائيل مثل أي بلد في العالم وتصدق عليها العقوبات والمعاملات دون محاباة أو جهود جماعات الضغط.
ويرى معلقون يهود في أمريكا أن إسرائيل تفقد لحظتها في أمريكا. وكانت ميشيل غولدبرغ واضحة في «نيويورك تايمز» (27/2/2026) عندما علقت على آخر استطلاع لغالوب «كان من الواضح منذ فترة أن الأمريكيين بدأوا يفقدون تعاطفهم مع إسرائيل. لكن استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب، يمثل نقطة تحول، فقد وجد الاستطلاع، ولأول مرة في تاريخه الممتد لخمسة وعشرين عاماً، أن عدد الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين يفوق عدد المتعاطفين مع الإسرائيليين». وعلق جوناثان فريدلان من «الغارديان» (20/3/2026) إن مهاجمة اليهود والكنس وزيادة مظاهر العداء للسامية ردا على عنف حكومة نتنياهو المتطرفة، لا تضر بها أكثر مما تسبب بالضرر لليهود العاديين. وهذا لا يهم نتنياهو الحالم بأن يغير الشرق الأوسط، ليس كما كان يحلم سلفه شيمون بيرز من خلال السلام الاقتصادي ولكن معادلة القوة والترهيب لكل من يفكر بتحدي الدولة التي باتت تعيش في حد السيف. وليس غريبا أن تجد هذه الأحلام دعما من إنجيليين مثل مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل. بل ويرى هو وغيره من دعاة الحرب المقدسة أن الحرب على إيران هي أمر من العناية الإلهية، وهو ما يراه وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي استحضر الرب في حديثه عن تدمير إيران والقوة الخارقة لأمريكا، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» (20/3/2026).
وقد أثبتت الحرب على إيران كيف يمكن لإسرائيل أن تستغل الدعم الأمريكي لتحقيق أغراضها الخاصة، فقد عقدت الحرب بفتحها جبهة في لبنان وتواصل سياساتها القمعية في الضفة الغربية ومنعت المصلين أداء الصلوات طوال شهر رمضان المسجد الأقصى، ولم تقم صلاة العيد فيه لأول مرة منذ عام 1967. وبات من الواضح أن نتيناهو يرى الحرب بعيدا عن منظور ترامب ومصالح أمريكا. وقراره ضرب حقل بارس أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم وقبل ذلك مخازن النفط في طهران التي غلفت العاصمة الإيرانية بغلاف أسود من الدخان، دليل على محاولة رئيس الوزراء عرقلة أي جهد أمريكي للحفاظ على الحرب تحت السيطرة. ومن هنا ترى صحيفة «واشنطن بوست» (20/3/2026) أن الخلاف الأمريكي- الإسرائيلي يتوسع بشأن نهاية الحرب. ويرى ديفيد سانغر في «نيويورك تايمز» ( 20/3/2026) أن ترامب تخلى عن محاولات تغيير النظام في طهران إلى مجرد الدعوة لتخفيف العمليات العسكرية دون وقف للنار، وهو تحول كبير في أهداف الحرب، التي تريد إسرائيل استمرارها حتى تحدث انتفاضة كبرى في الداخل وتنهي نظام الملالي القائم منذ 47 عاما. لكن ترامب بات بحاحة لإنهاء حرب تترك يوميا تداعياتها على رئاسته.
وقال إن الحرب على إيران تتفاقم ولا بد من خطة خروج، وسواء لجأ ترامب للإكراه أو الدبلوماسية، فعليه تحديد استراتيجية وقال إن أحدا لن يتولى مهمة تنظيف الفوضى في إيران غير ترامب. وهذا يعني أن عليه إنهاء الحرب التي أشعلها باندفاع، وذلك بوضع هدف محدود وقابل للتحقيق يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز واحتواء النظام الإيراني المتعطش للانتقام. وأضاف ان هذه الحرب المتفاقمة، دخلت مرحلة جديدة خطيرة يوم الأربعاء، حيث قصفت إسرائيل حقل غاز جنوب بارس الإيراني، وردت إيران بقصف منشآت الغاز الطبيعي المسال القطرية القريبة في رأس لفان. ورغم محاولة ترامب إبعاد نفسه عن التحرك الإسرائيلي إلا أنه المسؤول في النهاية. وسيكون حل هذا الصراع أصعب بكثير من بدايته. فإعلان «النصر» والانسحاب سيترك المنطقة في حالة فوضى خطيرة. وقد تجلت معضلة ترامب في إنهاء حرب لا يزال يصفها، بشكلٍ غريب، بأنها «رحلة قصيرة». ويرى إغناطيوس أن إنهاء هذه الحرب بنجاح يتطلب تخطيطا وصبرا أكبر بكثير مما أظهره ترامب حتى الآن.
وفي حربه التي لم يفكر بها، اكتشف ترامب أن الأسلحة الرخيصة قادرة على هزيمة أعتى القوى في العالم. وكما قال فريد زكريا في «واشنطن بوست» (20/3/2026) فاقتصاد الحرب غيرت مساره مسيرات «شاهد»، وهي من حرفت الميزان في الأسبوع الأول من بداية الهجوم. ووصف الأمر بالثورة التي تظهر معمارا للجديد في الحرب يتجاوز النظام القديم القائم على الكلفة الهائلة والتقنيات العسكرية، وتتجاوز مجرد الطائرات المسيرة. إنها في جوهرها تتعلق ببنية عسكرية جديدة: أنظمة ذاتية التشغيل رخيصة، واستهداف مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وصور الأقمار الاصطناعية التجارية واتصالات مرنة وأجهزة استشعار متكاملة وأدوات سيبرانية تعمل جميعها بتناغم. الهدف ليس مجرد الضرب. وفي النهاية يجد ترامب نفسه أمام الواقع للحرب الذي جرته إليها إسرائيل، فهي ليست مجرد لعبة فيديو كما قالت مجلة «بوليتيكو» (19/3/203) أو شخصية «سبونج بانتس سكوير» التي استخدمتها إدارة ترامب في حملة دعائية اعتمدت على ألعاب الفيديو وأفلام الآكشن والرسوم المتحركة للاحتفاء بالقوة العسكرية الأمريكية في إيران، بهدف إقناع رأي عام متشكك بها، كما ورد في تقرير آخر في «فايننشال تايمز» (19/3/2026).
ليست حرب أمريكا
كما ويكتشف ترامب مرة آخرى أن ما كان بالإمكان تحقيقه عبر الدبلوماسية أسهل من تمزيق المعاهدات وشن الحروب. وكان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي واضحا بمقال نشرته مجلة «إيكونوميست»(18/3/2026) تحدث فيه عن خسارة أمريكا سياستها الخارجية وعلى الأصدقاء المساعدة في إخراجها من ورطتها. وقال إن معارضة نتنياهو للمفاوضات أقنعت ترامب بالتخلي عن المحادثات غير المباشرة والمضي معه في حرب مدمرة ضد إيران. وأكد البوسعيدي أن هذه ليست حرب أمريكا، ولكنها لا تحقق لها وإسرائيل ما يطمحان لتحقيقه من أهداف.