لم يكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي يعلن عن إعادة فتح مضيق هرمز إلا وانطلقت شهية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحديث عن «نهاية المهمة» بسلسلة من التغريدات التي كذبتها إيران. وكشف ترامب في حديثه المسهب عن نهاية الحرب وتسليم إيران ما يطلق عليه «الغبار النووي» أو اليورانيوم عالي التخصيب عن رغبة شديدة في الخروج من حرب جرته إسرائيل إليها وتركت أثرها على شعبيته وأضرت بالاقتصاد العالمي بسبب إغلاق إيران المضيق.
وذكّرت تغريدات ترامب السريعة والحاسمة في تأكيداتها بمشهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ونزوله من مروحية على البارجة الحربية يو أس أس أبراهام لينكولن، ووقوفه أمام لافتة كتب عليها «المهمة أنجزت» بعد غزوه للعراق عام 2003، وثبت أن حديث بوش في حينه كان مجرد تعلل بالأماني، حيث ظلت الولايات المتحدة تقاتل العراقيين حتى عام 2011، مع أن الغزو الأمريكي كان سريعا وأطاح بنظام صدام حسين في غضون أسابيع، وهي نفس المدة تقريبا التي استغرق فيها القصف الأمريكي-الإسرائيلي على إيران وانتهى بنتيجة غير حاسمة ولم يمض حسب ما خطط له الإسرائيليون والأمريكيون حسبما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» في الأسبوع الماضي.
رئيس يائس
وفي عالم ترامب اليائس للخروج من المأزق، فكل تحرك من إيران يعطيه أملا بالخروج من الحرب، ذلك أنه لا يملك الكثير من الأوراق في الحرب التي خاضها على أمل تحقيق انتصار سريع فيها. وجاء إعلان فتح المضيق وسط تكهنات بعودة المفاوضات بين أمريكا وإيران في باكستان.
وقد استبق ترامب الأمور في سلسلة من المنشورات على منصة «تروث سوشيال»، وأعلن، بشكل شبه قاطع، نصرا لا لبس فيه، مؤكدا أن جميع النقاط العالقة الرئيسية قد تم حلها مسبقا. وقال ترامب، مستخدما الأحرف الكبيرة كعادته: «يوم عظيم ومشرق للعالم». وتناولت منشورات عديدة إعادة فتح المضيق، الذي استهدفته إيران كجزء أساسي من استراتيجيتها لإلحاق الضرر بالاقتصاد الدولي. وأشار منشور بعد الآخر إلى إعادة فتح المضيق. وزعم ترامب أن إيران وافقت على عدم استخدام إغلاق المضيق كسلاح عسكري مرة أخرى، وهو تصريح لافت للنظر، بالنظر إلى أن المسؤولين الإيرانيين لطالما أشاروا إلى الممر البحري كأداة أساسية لبقائهم.
ورقة لبنان
وتعلق صحيفة «الغارديان» (17/4/2026) أن المنشورات المتتابعة بدت تبريرا واهيا للاحتفال بالنصر، إذ كان المضيق مفتوحا تماما أمام الملاحة قبل بدء الحرب، وقد أثبتت إيران الآن قدرتها على إحداث اضطراب دولي. وكان إعلان ترامب عن وقف إطلاق للنار في لبنان لمدة 10 أيام مفاجئا، حتى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي راهن على الحروب الدائمة كوسيلة لبقائه السياسي وحملته الانتخابية في تشرين الاول/أكتوبر المقبل. فقد أكد ترامب والمسؤولون الأمريكيون أن لبنان لم يكن مشمولا في الهدنة مع إيران والتي أعلن عنها في 11 نيسان/أبريل. إلا أن منشوراته الأخيرة أعطت فكرة أخرى، حيث قال «لن تقصف إسرائيل لبنان بعد الآن، الولايات المتحدة الأمريكية تمنعها من ذلك. لقد طفح الكيل».
وكان ترامب أقل حماسة في توضيح الأهداف التي تحققت من خلال قراره بخوض الحرب، واكتفى بالإشارة العابرة إلى مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وكتب في منشور آخر: «ستحصل الولايات المتحدة على الغبار النووي الذي دفنته مقاتلاتنا العظيمة بي2 «.
سذاجة
وتعلق «الغارديان» أنه وبالنظر إلى أن الأنشطة النووية الإيرانية كانت موضوع نزاع دبلوماسي طويل ومعقد على مدى ربع قرن، فإن الادعاء بحلّه فجأة وببساطة يبدو مشكوكا فيه. ففي النهاية، استغرق الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع إدارة باراك أوباما عام 2015، والذي نقضه ترامب بعد ثلاث سنوات من العمل. وبإعلانه أن إيران وافقت على التنازل سريعا عن حقها في تخصيب اليورانيوم، الذي لطالما أكدت أنه حق لا ينتهك، يدعي ترامب في الواقع أنه حقق على طاولة المفاوضات مكسبا لم يتضح بعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققته في ساحة المعركة.
ليس لديه أوراق
والحقيقة ان إعلانات ترامب رغم انفصامها عن الواقع تحاول تقديم فكرة أن الأوراق هي بيده وأنه هو من يفرض الحل، إن من خلال حصاره للموانئ الإيرانية أو ممارسة الضغوط الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية. وقرأ المعلقون في إعلان وقف إطلاق النار في لبنان بأنه استجابة لمطلب إيراني، حيث أكدت هي والوسيط الباكستاني أنه كان ضمن الهدنة الأصلية. وقالت مجلة «بوليتيكو» (16/4/2026) إن ترامب الذي يواجه ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع شعبيته أكثر تقبلا لبعض مطالب طهران على الأقل وأكثر مما يوحي به موقفه العلني، وخاصة بعد فشل المفاوضات في إسلام آباد، نهاية الأسبوع الماضي، وهو مستعد لتقديم المزيد من التنازلات، على حد قول مسؤول خليجي.
وتظهر تصريحاته المتعددة رغبة شديدة في إنهاء هذا الوضع، لكن الإيرانيين يرفضون حتى الآن منحه ما يحتاجه لحفظ ماء وجهه والانسحاب. ورغم تصريح نائب الرئيس جيه دي فانس بأنه قدم بالفعل «العرض النهائي» الأمريكي في إسلام آباد، إلا أن المفاوضات غير الرسمية استمرت. ومن هنا فالنقاط العالقة، تظهر أن الطرفين لا يزالان على مسافة بعيدة وتؤكد أنه لا ترامب أو فانس «يمتلكان زمام المبادرة» في المفاوضات.
فقد أظهرت إيران قدرة على تحمل الحصار والقصف مع استمرارها في فرض سيطرتها على الأسواق العالمية من خلال تقييد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وتسببت الحرب بأضرار مادية وعزلة أمريكية ومنحت منافسي الولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا فرصة للاستفادة من تورطها في حرب جديدة بالشرق الأوسط. وعلق السفير الأمريكي السابق كريستوفر هيل قائلا إن الحرب كانت عبثية، لأن بعض الجوانب الرئيسية للمفاوضات الحالية تدور حول قضايا معروفة جيدا، نوقشت باستفاضة قبل أكثر من عشر سنوات في عملية الاتفاق النووي، وعليه فمن الصعب تبرير أو حتى تفسير ما حدث في الشهر الماضي، كما قال.
عدم اليقين
فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران والتي قامت على أوهام زادت من حالة عدم اللايقين، فأمريكا تعتقد انها تستطيع إجبار طهران على الاستسلام من خلال الضغط الاقتصادي، وهي سياسة اعتمدتها الإدارات السابقة، إن من خلال العقوبات أو سياسة «أقصى ضغط» على أمل انهيار النظام أو وقف نشاطاته النووية. ومن جانب إيران، فهي تراهن على قدرتها على تحمل الثمن الاقتصادي، مع أنها بحاجة للسيولة المالية وتصدير نفطها لأنها لن تجد أماكن لتخزين الفائض منه، ما سيجبرها على إغلاق آبار نفطها. ومن الواضح أن معركة الإرادات الإقتصادية تجعل من الطرفين خاسرا، على حد قراءة مجلة «إيكونوميست» (16/4/2026).
نظام جديد؟
ومع ذلك تظل المشكلة في ترامب، الذي يحاول تزوير الواقع بشأن حرب أهدافها لم تكن واضحة وبدون استراتيجية غير لغة التهديد والتنمر. فالرئيس الأمريكي يصور الحرب حسب «نيويورك تايمز» (15/4/2026) بأنها انتهت تماما وكأنها نجاح محسوم. وقالت إنه وبعد سنوات من محاولاته فرض روايته على العالم، ها هو الآن يواجه أزمة لا تتوافق مع روايته. وهو مصر على أن النظام قد تغير في إيران، مع أن المحللين يعتقدون أن الحرب ربما لم تسفر إلا عن تعزيز النفوذ الداخلي للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، القوة العسكرية المتشددة التي لطالما كانت لاعبا رئيسيا في السياسة والاقتصاد الإيرانيين. ويعد تولي مجتبى خامنئي، منصب المرشد بعد والده رمزا آخر للاستمرارية.
بل على العكس من ذلك نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»(14/4/2026) تقريرا يقول خلافا لما يقوله ترامب، فقد تغير النظام لصورة أكثر تشددا. وبات في مركزه مجتبى خامنئي ومجموعة «الحبيب» المكونة من عناصر متشددة في الحرس الثوري والباسيج، ويؤمن هذا النظام الجديد بنسخة مهدوية، أو الإيمان بعودة المهدي المنتظر.
ويقول المحللون إن الأربعين يوما من القصف الأمريكي الإسرائيلي، يبدو أنها قد زادت من قوة الجيش والمتشددين في النظام الإيراني. وقال نيت سوانسون، المسؤول الأمريكي السابق الذي كان ضمن فريق ترامب التفاوضي مع إيران حتى تموز/يوليو، إن النظام في طهران لن يستسلم لمطالب ترامب في المفاوضات، «تماما كما لم يفعل في ساحة المعركة».
الجمهورية الثالثة
وفي هذا السياق أشارت مجلة «ذي نيوبوركر» (16/4/2026) إلى وهم فكرة تغيير النظام لدى ترامب. وأنها نابعة من سوء فهم وتقدير للنظام الإيراني وإيران بشكل عام. وقالت إن تركيز الإدارة على شخصية رئيس البرلمان الإيراني المتشدد، محمد باقر قاليباف، البالغ من العمر 64 عاما، والذي قاد وفدا إيرانيا في محادثات مع الولايات المتحدة ليس في محله. ذلك أن ترامب ونائبه جيه دي فانس لديهما، على ما يبدو، هوس بالنموذج الفنزويلي، حيث نجحت القوات الأمريكية الخاصة باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وتنصيب نائبته ديلسي رودريغيز، مع أنه لا توجد مقارنة بين فنزويلا وإيران، فالقادة الجدد، بمن فيهم قاليباف، يدينون بسلطتهم لنفس النظام الديني الذي دعم نظام آية الله. كما أن هيكل الحكومة الإيرانية يختلف عن هيكل فنزويلا، التي كانت شديدة المركزية وتعتمد جزئيا على عبادة شخصية تتمحور حول مادورو، وهوغو تشافيز قبله.
ورغم أن آية الله كان يمارس مهام رئيس الدولة، فإن هيكل السلطة في إيران لا مركزي إلى حد كبير، مع وجود عدة مجالات نفوذ متداخلة، بما في ذلك الحرس الثوري والسلطة القضائية ومجلس متخصص يتمتع بسلطة مطلقة يملي سياسة الأمن القومي. وقد مكن هذا الهيكل النظام الإيراني من الصمود أمام الضربات التي استهدفت القيادات. ونقلت المجلة عن سوزان مالوني، الخبيرة في الشؤون الإيرانية بـ«معهد بروكينغز»، والتي قدمت المشورة لرؤساء ديمقراطيين وجمهوريين بشأن السياسة الإيرانية: «لا يشعر الإيرانيون بالحاجة إلى شخصية مثل ديلسي، فهم يعتقدون أنهم انتصروا في الحرب، وأنهم ما زالوا يملكون ورقة رابحة تتمثل في السيطرة على المضيق». وأوضحت مالوني أن الإيرانيين «شعب فخور وثابت جدا»، وما لم يواجهوا «هزيمة ساحقة»، فمن غير المرجح أن يكون أحد من النظام القائم «مستعدا لإذلال نفسه بالطريقة التي فعلتها ديلسي رودريغيز».
بل ويظهر شكل القيادة الجديدة، تحولا أكبر نحو التشدد وجرأة في القرارات العسكرية، فبالإضافة إلى قاليباف، يتولى كل من الجنرال محمد باقر ذو القدر، الذي يرأس الآن المجلس الأعلى للأمن القومي، والعميد أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري الإيراني، إدارة العمليات اليومية للحكومة الإيرانية. وسرعان ما ابتعد القادة الجدد لإيران عن خطة خامنئي الراحل لحماية البلاد، وفرضوا نهجهم الخاص الأكثر تطرفا على الجمهورية الإسلامية الثالثة. وساهم اغتيال آية الله، البالغ من العمر 86 عاما، في تسريع وتيرة التكتيكات والاستراتيجيات العدوانية التي سعى المتشددون الإيرانيون داخل الحرس الثوري لسنوات إلى استخدامها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. كانوا عاجزين عن خوض صراع مباشر احتراما لمرشدهم الأعلى، الذي سعى لحماية بقاء الجمهورية الإسلامية بتجنب حروب طويلة مدمرة وشاملة قد تدور رحاها على الأراضي الإيرانية. وكانوا مستائين من تقاعس خامنئي عن مساعدة وكلاء إيران ومن التفريط بدم سليماني والتفاوض مع أمريكا.
محور مقاومة جديد
وهناك نقطة مهمة غائبة عن فهم الأمريكيين والإسرائيليين على حد سواء وهي أن الحرب على إيران ينظر إليها كتهديد لوجود الشيعة في كل أنحاء العالم. ويرى حميد رضا عزيزي بمقال نشرته مجلة «فورين أفيرز»(16/4/2026) أن المرشد الأعلى الإيراني خامنئي صور، في الأسابيع الأخيرة قبل وفاته، العداء المتزايد للرئيس الأمريكي ترامب بمصطلحات دينية وشيعية صريحة، رافضا دعوات الاستسلام واستشهد بمثال الإمام الحسين ثالث أئمة الشيعة.
وفي هذا السياق، لم يكن التحدي مجرد ضرورة استراتيجية، بل قيمة متجذرة في التاريخ والهوية. ولم يختف هذا الإطار مع وفاة خامنئي، بل على العكس، تبنت شخصيات سياسية ورجال دين ومجتمعات شيعية في أنحاء المنطقة هذا الخطاب والرمزية، ما يعكس قلقهم المتزايد وشعورهم بالضعف. ففي لبنان، أدى ضعف حركة حزب الله السياسية والعسكرية الشيعية في السنوات الأخيرة إلى تغيير التوازن الطائفي في البلاد. ولم تسهم العمليات الإسرائيلية العدوانية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية خلال الشهر الماضي إلا في ترسيخ التصورات بأن إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة عازمتان على إخضاع الشيعة لعقاب جماعي. وتظهر ردود الفعل على اغتيال خامنئي بين السكان الشيعة العرب وفي أماكن مثل باكستان، كيف يتم تفسير الصراع من خلال منظور طائفي وديني أوسع. وقال عزيزي إن الحرب كشفت عن أهمية الهوية الشيعية في مختلف المجالات، معيدة بذلك تشكيل فهم الفاعلين السياسيين والعسكريين لمصالحهم والمخاطر المحدقة بهم. ومن هنا، يرى ان الحرب الأمريكية- الإسرائيلية قادت إلى حلقة مفرغة، أي أن الأفعال المدفوعة بمخاوف التهميش تثير ردود فعل زادت من قلق الناس ووسعت قاعدة الحشد، وتحديدا «محور المقاومة» الذي عانى انتكاسات عدة منذ عام 2023. وقد تؤدي العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المستمرة إلى إعادة تشكيله، ليس بتدبير من طهران، بل نتيجة للدافع الطبيعي للهوية الشيعية المحاصرة. فضعف حزب الله وسقوط نظام بشار الأسد وتصريحات أمريكيين مثل توم باراك، مبعوث واشنطن إلى سوريا، الذي رفض في أيلول/سبتمبر 2025، فكرة الشرق الأوسط كفئة سياسية ذات معنى، بأنه «لا يوجد شرق أوسط»، بل «قبائل وقرى فقط». وقد اعتبر الشيعة ذلك دليلا على جهد مدعوم من الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة. وتمثل الحرب في إيران أحدث مثال، وإن كان الأكثر دراماتيكية، لما يعتبره الشيعة حملة أوسع نطاقا ضد مصالحهم وممثليهم. وبعيدا عن دور إيران المركزي في دعم «محور المقاومة» إلا أن عزيزي يتوقع مسارا جديدا له متأثرا ببروز هوية شيعية جديدة. ولا يستبعد إمكانية إعادة تشكيل أجزاء من «محور المقاومة» المدعوم من إيران من القاعدة الشعبية. ولن يكون الدافع الرئيسي بالضرورة هو التنسيق المركزي من طهران، بل المخاوف المحلية من التهميش والاحتلال والتخلي.
حرب دائمة
وبالمحصلة فحرب ترامب وبالضرورة نتنياهو لم تؤد إلا لتعقيد الأمور، ففكر الحرب الدائمة التي ينتهجها نتنياهو تجد محدودية نتائجها الإستراتيجية، وكما قال مارك لينتش في «فورين بوليسي» (15/4/2026)، إن العقيدة الأمنية التي تبنتها إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 أثبتت فشلها، ذلك أن رئيس نتنياهو اعتقد أنه قادر على إنهاء التهديدات بشكل كامل لا التعامل معها وإدارتها. ويرى لينتش أن فشل استراتيجية نتنياهو تعني بالضرورة عدم نجاح فكرة التدخل العسكري غير المقيد بعد 7 أكتوبر 2023. فمن غزة إلى لبنان وإيران جبهة، راوغ النصر الحاسم إسرائيل رغم العنف غير المسبوق والشديد المستخدم وانتهاك الأعراف والقانون الدولي والتسبب بمعاناة إنسانية بالغة. وعلق لينتش أن ادعاءات نتنياهو بالنجاح استنادا إلى إضعاف قدرات الخصوم هي في الواقع اعتراف بالهزيمة وعودة إلى العقيدة نفسها التي كان يأمل في التخلي عنها. وهي مؤشر مقلق على مسار السياسة الإسرائيلية في الأيام المقبلة. وقد تجد إسرائيل نفسها في ظل إدارة ترامب المتقلبة مضطرة للعودة إلى نفس الإستراتيجية السابقة وهي إدارة الحروب بدلا من قتلها بالمرة. ويعني هذا نهاية لطموح نتنياهو بإنشاء «سلام عبري» للمنطقة وبقيادة إسرائيلية. وتبدو تلك الرؤية الآن مدفونة في التراب، فقد وجدت إسرائيل نفسها عاجزة عن فرض إرادتها على لبنان، بسبب عودة حزب الله بقوة والتكاليف المتوقعة لغزو بري. وفشلت الحرب الجوية الشاملة ضد إيران هذا العام، حتى مع مشاركة الولايات المتحدة، في محاولة إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إنهاء قدرتها على الرد والمقاومة. وأدت الضربات الإيرانية الانتقامية، المدعومة بترسانة حزب الله الأقوى وأكثر مما توقعه الإسرائيليون، إلى استنزاف دفاعات الصواريخ الإسرائيلية إلى الحد الأقصى وألحقت بها خسائر اقتصادية ومادية.
ويبدو أن إسرائيل لن تتعلم من دروس الهزيمة المتتالية، فقد أدمن نتنياهو كما قالت ميراف زونسزين، محللة الشؤون الإسرائيلية في مجموعة الأزمات الدولية، في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (13/4/2026) بأن الحرب باتت وبشكل متزايد الرد المفضل لإسرائيل على التحديات الجيوسياسية، ليس فقط كاستراتيجية، بل كقاعدة عامة. وإذا كانت الحرب هي الوضع الراهن، فالمهمة لا تنتهي أبدا ولا يمكن الخسارة أبدا، لأن المعركة مستمرة دائما. وقالت الكاتبة إن تسامح إسرائيل مع الحرب الدائمة يخفي حقيقة وضعها الراهن في جبهات القتال في إيران ولبنان وغزة. وقد كشف السعي الحثيث لضرب هؤلاء الخصوم باستمرار بهدف إضعاف قدراتهم عن قصور القوة العسكرية الإسرائيلية نفسها. ففي نهاية المطاف، إذا كنت مضطرا لبذل المزيد والمزيد من الجهد في أمر ما، فهذا يدل على أن ما تقوم به لا يجدي نفعا. ولا يظهر قصور الحرب الإسرائيلية الدائمة في أي مكان أكثر وضوحا منه في لبنان، البلد الذي غزته إسرائيل سبع مرات خلال خمسة عقود.
توبة
والمفارقة أن إسرائيل التي يدعم رأيها العام حروب نتنياهو الدائمة، تتناقض مع الموقف الأمريكي العام، فالشعب الأمريكي ليس ضد الحرب، بل وحتى دعاة الحرب من المحافظين الجدد باتوا ضد الحروب العسكرية، كما بدا في مقال لأحد دعاة الحرب ضد العراق الأشداء روبرت كاغان، الذي حذر في تسعينيات القرن الماضي، أكثر من مرة على الحرب مع العراق، وهو مطلب تحول إلى شعار حاشد بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، حين أصر على أن «الخطر العراقي هائل»، لكنه كتب قبل أسابيع مغيرا موقفه وقائلا إن الخطر ليس منهم ولكنه منا. ومثل غيره من المحافظين الجدد «التائبين» لم يحاسب على مواقفه، بمن فيهم هيلاري كلينتون وأندرو سوليفان. ومثل إسرائيل يرفض توني بلير الاعتذار عن جره بريطانيا للحرب مع العراق.
ويبدو أن الثمن السياسي للحروب بات أكبر من مجرد الدعوة لها، فقد يخسر الجمهوري ليندزي غراهام ترشيحه عن ساوث كارولينا، بسبب دعمه لحرب ترامب في إيران، تماما كما خسر الديمقراطيون انتخابات عام 2024 بسبب غزة.