عندما يتفاخر رئيس أقوى دولة في العالم أنه دمر أطول وأعلى جسر في إيران وربما في العالم ودمر «مركز باستور» أهم مركز أبحاث طبية في إيران يزيد عمره 100 عام فإن تفاخره ليس تعبيرا عن رجل يريد تحرير الإيرانيين من نظام القمع الذي يدعي هو وشريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
وفي الحقيقة أصبح دونالد ترامب صورة نسخة طبق الأصل عن الرجل الذي ورطه في الحرب على بلد متجذر في التاريخ وأقام حضارات وأنشأ علوما وثقافات ويعيش فيه اليوم أكثر من 93 مليون نسمة، مقارنة مع البلد الذي يريد حمايته ولا يزيد عدد سكانه عن سبعة ملايين نسمة وقال في خطابه الأخير بأنه هرع لمساعدته، رغم مراوغة الإدارة أن الحرب التي تخوضها أمريكا اليوم ليست نيابة عن أحد في المنطقة، أي إسرائيل.
وكعادة ترامب انتظر شهرا حتى يشرح للأمريكيين أهداف حربه، وهو أمر يقوم به الرؤساء في بداية الحملة بخطاب من البيت الأبيض.
وترك ترامب الأمريكيين يتكهنون بما يريد قوله، ولكن الأمر الوحيد الذي كان في باله هو أن يثبت لهم أنه «عظيم»، والنتيجة أن الأمريكيين الذين يعارضون الحرب بشكل كبير اضطروا للاستماع إلى خطاب مليء بالتناقضات وبدون جوهر وتكرار لما يكتبه يوميا على منصة «تروث سوشيال» والأمر الوحيد الذي برز في الخطاب أنه يريد الاستمرار بالحرب حتى يعيد إيران إلى العصر الحجري. وقال إن مضيق هرمز الذي بات يضيق الخناق على الاقتصاد العالمي سيفتح من تلقاء نفسه. وهذا حديث رجل نرجسي خطير يريد تهنئة نفسه لا طمأنة الأمريكيين وشراء وقت للأسواق.
لا جديد
ولم يحتو خطابه ليلة الأربعاء عن شيء جديد سوى أنه يريد منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وإذا كان هذا هو الهدف، فلماذا لم يذكر أن إيران عبرت عن استعداد وحتى اللحظة الأخيرة للحد من برامجها النووية، ولكنه قرر المضي مع إسرائيل العام الماضي في خضم مفاوضات والآن وسط مفاوضات. وبات يخترع سردا عن مفاوضات جديدة ترفضها إيران. وليس غريبا أن يوصف خطاب ترامب بأنه منفصل عن الواقع وأنه يخوض حربا بدون هدف إلا إذا كان من أجل مهاجمة أعدائه السياسيين، فقد كرر هجومه على اتفاق باراك أوباما «الكارثة» عام 2015 وكيف «دمره»، مع أن اتفاق أوباما كان من أجل منع إيران امتلاك السلاح النووي. وبسبب مواقفه التي تماهت مع نتنياهو خرج من الاتفاق وسنح لإيران الفرصة لتخصيب اليورانيوم الذي يريد الاستيلاء عليه. وقالت إيران في المفاوضات الأخيرة أنها مستعدة لتخفيف اليورانيوم المخصب والاحتفاظ بكمية صغيرة فقط، لكنها الآن تمتلكه كله في شكله غير المخفف. وفي الخطاب تخلى عن فكرة تغيير النظام وانها لم تكن في جوهر حملته.
فزع لا تطمين
وكما هو الحال مع العديد من تصريحات ترامب الأخيرة، ربما كان خطابه محاولة أخرى فاشلة لتهدئة الأسواق، لا سيما ارتفاع أسعار النفط، الذي يهدد حظوظ الجمهوريين المتدنية أصلا في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الأول/نوفمبر. ولكن ترامب قال للأمريكيين لا تقلقوا وناشدهم قائلا: «ضعوا هذا الصراع في سياقه الصحيح»، مشيرا إلى أن مدته أقصر بكثير من الحربين العالميتين والصراعات الأخرى، مع أن تلك الحروب على الأقل كان لها هدف واضح. وأكد ترامب أنه يسير على الطريق الصحيح لتحقيق أهدافه «قريبا جدا». ستضرب القاذفات الأمريكية إيران «بقوة شديدة» خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة، وبعدها سينتهي الأمر. وتساءل كينيث روث، مدير «هيومان رايتس ووتش» سابقا في مقال بصحيفة «الغارديان» (3/4/2026) عن سبب مواصلة الحرب دون إنهائها عاجلا وليس آجلا، مجيبا «لا شك أن إسرائيل ستكون سعيدة بمزيد من القصف، لطالما كان هدفها زرع أكبر قدر ممكن من الدمار والفوضى، لتأجيل موعد حصد العشب مجددا، وهو المصطلح القاسي المستخدم لوصف جولة أخرى مدمرة من القصف. حتى أن بعض دول الخليج العربي تبدو مؤيدة لمزيد من القصف».
لكن القصف الذي يهدد به ترامب ليس لهدف عسكري مشروع بل لتدمير مجتمع بأكمله، وهو حرب ظالمة. و «لقد ولى زمن حديث ترامب عن إيران باعتبارها تهديدا وشيكا، وهو ما لم يكن صحيحا قط. والآن يبدو الأمر وكأنه تدمير لمجرد التدمير».
والأهم بكثير مما قاله ترامب في خطابه هو ما لم يقله، فلم يستطع تقديم أي سبب منطقي واحد يبرر استمرار هذه الحرب العدوانية التي اختارها بنفسه. وكما لاحظ روث «كان خطاب رجل خطير، مفتون بالقوة العسكرية الهائلة التي يمتلكها لكنه عاجز عن تفسير سبب استخدامه لها، إنه لأمر مخز لأمريكا أن يقودها رئيس كهذا».
وقالت سوزان غلاسر في مجلة «ذي نيويوركر» (2/4/2026) إن خطاب ترامب الأخير يثير سؤالا وجوديا هو: «هل يمكن أن تسير الأمور وفقا للخطة مع إيران إن لم تكن هناك خطة أصلا؟»، ولاحظت أنه قبل شهر عندما زج بالولايات المتحدة في حرب ضد إيران، أعلن القرار للشعب الأمريكي في مقطع فيديو قصير مدته ثماني دقائق، نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في جنح الظلام خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبعد أن أحدث الصراع الذي أشعله اضطرابا في الاقتصاد العالمي، وفشل في الإطاحة بالحكومة الإيرانية التي تعهّد بإسقاطها، قدم ترامب أخيرا حججه للجمهور في خطاب متلفز للأمة في وقت الذروة مساء الأربعاء. وتعلق أنه «كان من الأفضل لو لم يكلف نفسه عناء ذلك». فهو لم يقدم سوى نفس الكلام الذي ضمنه منشوراته الكثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ومقابلاته الهاتفية السريعة التي روى من خلالها روايته للصراع خلال الأسابيع القليلة الماضية: «لقد هزمنا إيران ودمرناها تماما» و«نحن قوة عسكرية لا تقهر» و «سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون». وتعتقد غلاسر أن الخطاب لم يكن من عمل كاتب خطابات، بل ربما كتبه متدرب أوكلت له مهمة نسخ ولصق منشورات الرئيس على منصات التواصل الاجتماعي في وثيقة تعرض على جهاز التلقين.
ومع ذلك تظل مشكلة التعامل مع ما يقوله ترامب هو التفريق بين ما هو صحيح وكذب. وحتى الآن، كانت جميع تعليقاته حول الحرب التي مضى عليها أكثر من أربعة أسابيع متناقضة أو مربكة أو كاذبة تماما.
فعندما يعلن ترامب على منصات التواصل الاجتماعي أن «رئيس النظام الإيراني الجديد، الأقل تطرفا والأكثر ذكاء من أسلافه، قد طلب للتو من الولايات المتحدة الأمريكية وقف إطلاق النار!» ينسى أن رئيس إيران هو نفسه مسعود بزشكيان الذي كان زعيما قبل الحرب ولا يزال. وأضافت أن تصريحات ترامب الكثيرة والمضللة تثير أحيانا تساؤلات وجودية: إذا كان الجيش الإيراني، كما قال قبل أسبوعين، قد دمر بالكامل، فكيف لا يزال يطلق الصواريخ، مثل القصف الذي شنه على إسرائيل يوم الأربعاء.
ولا شك أن لدى مستشاري ترامب السياسيين أسبابهم الملحة التي تدفعهم إلى مطالبته بعرض وجهة نظره على الشعب الأمريكي الآن، وهي وجهة نظر كان ينبغي عليه عرضها في بداية الحرب. وقد أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة «سي إن إن» ونشر قبل ساعات من خطاب الرئيس أن 31 في المئة فقط من الأمريكيين يوافقون حاليا على إدارته للاقتصاد. وقد ارتفعت نسبة عدم الرضا العام عن أدائه إلى 64 في المئة، وهي أدنى نسبة وصلت إليها أي رئاسة على الإطلاق، على الأقل منذ بدء استطلاعات الرأي الحديثة. وتعلق غلاسر أنه من الصعب تصديق أن التهديد بتدمير جميع محطات توليد الكهرباء الإيرانية لا يعد تصعيدا. وللتوضيح، فإن قصف دولة وإعادة سكانها إلى العصر الحجري يعد جريمة حرب دولية، نظرا لتأثير ذلك على السكان المدنيين.
وخلصت الكاتبة أن خطاب ترامب لن يحقق أي دعم سياسي، والمقصود هو تعزيز الأنا لرجل يخطط لوضع تمثال ذهبي عملاق لنفسه في مدرج مكتبته الرئاسية، وهو الثمن الذي يريده على ما يبدو.
حشر نفسه
ومشكلة ترامب أنه يلعب بالوقت على أمل تحقيق نصر سريع، لكن كيف سيحصل على هذا الخيار وقد حشر نفسه بالزاوية وهو يواجه واقعا كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (2/4/2026) تسير فيه الأمور على غير هواه، وقد لا يتغير الكثير في نهاية فترة الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع التي حددها لإنهاء الحرب مع إيران.
فالمحادثات مع إيران بشأن اتفاق لإنهاء الصراع، إن كانت جوهرية، لم تظهر حتى الآن سوى القليل من الأمل. كما أن المعايير الرئيسية للنجاح التي وصفها ترامب في مناسبات تتغير: منع إيران من امتلاك الوقود اللازم لصنع سلاح نووي ومساعدة الشعب الإيراني على إسقاط حكومة يكرهها جزء كبير من الشعب وإعادة فتح مضيق هرمز، وهي أهداف لا تزال بعيدة المنال. كما لم ينجح بطمانة الأمريكيين واستقبلت الأسواق خطابه بتشكك عميق، حيث ارتفعت أسعار النفط بنسبة 8 في المئة في الساعات التي تلت خطابه. ويعود ذلك في معظمه إلى عدم ذكره أي خطة لإنهاء ما يشبه أزمة احتجاز ناقلات النفط في مضيق هرمز، والتي باتت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي.
هذه حرب وليست عقارات
ورأت الصحيفة أن ترامب يعتمد في مراوغاته، أساليب تعلمها وصقلها في عالم العقارات بنيويورك، حيث نجح في كثير من الأحيان في خلق واقعه الخاص. لكن الحرب تختلف، فالعدو يصبح قادرا على تشكيل البيئة أيضا، ويبدو أن الإيرانيين يشعرون أن بإمكانهم انتظار ترامب حتى ينسحب. وبينما لا تملك إيران سوى عدد قليل من الحلفاء، حتى أكبر مستورد للنفط، الصين، حافظت على مسافة بينها وبينه، يبدو أن القادة الإيرانيين يعوّلون على تراجع أسواق الأسهم وارتفاع أسعار النفط لتسريع انسحاب ترامب من الصراع.
ومن هنا جاء التركيز على العصر الحجري، وهو ما تشير إليه بيث سانر، مسؤولة العلاقات العامة في وكالة المخابرات المركزية، سي آي إيه. وهو مصطلح غالبا يعود إلى الجنرال كورتيس ليماي، الذي دعا إلى تدمير البنية التحتية الكاملة لفيتنام الشمالية لإجبارها على الاستسلام. وقد تبنى وزير الدفاع بيت هيغسيث هذا التوجه فورا، فنشر بعد الخطاب خمس كلمات: «العودة إلى العصر الحجري». ويبدو هذا التعبير قاسيا، ويتماشى مع دعوات هيغسيث المتكررة لاستخدام الجيش الأمريكي وبـ «أقصى قدرة فتاكة». لكنه أبرز أيضا ما كان غائبا عن الخطاب. فلم يقدم ترامب أي رؤية جديدة لإيران، أو أي إشارة إلى احتمال أن يلجأ شعبها، في نفوره من حكومته الوحشية، إلى الديمقراطية أو يسعى إلى إحياء شراكة قديمة مع الولايات المتحدة. ولم يتطرق ترامب قط إلى أي حوافز دبلوماسية أو اقتصادية، مثل تخفيف العقوبات أو الاستثمارات الغربية في قطاع النفط، لحث إيران على التخلي عن برنامجها النووي أو الحد من حجم ومدى ترسانتها الصاروخية.
كان الخطاب برمته يدور حول القوة، دون أي إشارة إلى الحوافز. فلن يكون انسحابا، بل تصعيدا حادا للعمليات العسكرية. وما يعني ذلك من تدمير بنية المجتمع الإيراني الحديث.
رئيس أخرق
وفي عالم ترامب قد يكون كل ما قاله تمويها وليس محاولة للخروج، مع أنه بالتأكيد لا يملك خطة خروج على حد تعبير ميشيل غولدبرغ في «نيويورك تايمز» (2/4/2026)، مع أن موقع «أكسيوس» (1/4/2026) ذكر أن نائبه، جيه دي فانس قدم مبادرات إلى إيران، عبر وسطاء، بشأن وقف محتمل لإطلاق النار. مع ذلك، قد لا تكون إيران مستعدة للتفاوض. وكما أكدت تقارير صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد استنتجت وكالات الاستخبارات الأمريكية أن «الحكومة الإيرانية تعتقد أنها في موقف قوي في الحرب، وليست مضطرة للاستجابة للمطالب الدبلوماسية الأمريكية». وأشارت غولدبرغ إلى أن ضرب المنشآت المدنية، رغم مخالفته للقانون الدولي، وهو ما لا يأبه له ترامب، يعطي صورة أن «هذه لم تعد حربا على الجمهورية الإسلامية أو صواريخها أو منشآتها النووية. إنها حرب على البلاد، إنها حرب تهدف إلى تحويل إيران إلى دولة فاشلة»، كما قال ولي نصر، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز. وهذا بدوره يعزز، كما تقول غولدبرغ، موقف النظام داخليا. ونقلت ما قاله علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية ببروكسل، أن النظام يحشد أنصاره في الساحات العامة في جميع أنحاء البلاد كل ليلة منذ بداية الحرب. وقال: «تتزايد أعداد هذه الحشود باستمرار». وحتى الإيرانيين الذين لا يحبون حكامهم باتوا يعارضون الحرب «بسبب الأضرار التي لحقت ببنيتهم التحتية وبسبب الخسائر في صفوف المدنيين، وبسبب استهداف المواقع التاريخية وخطاب ترامب». وقالت غولدبرغ إن ترامب يرغب فعلا في وقف الحرب، لكنه لا يعرف كيف. وقد أكد ترامب في خطابه الأخير مع تاريخه الطويل في التصريحات الغريبة أثناء أزمة كوفيد-19 للأمريكيين أن بلادهم تعيش أزمة متفاقمة يقودها شخص نرجسي أخرق.
ورغم الخسائر المتزايد وإسقاط الطائرات إلا أن تتناقض مع ما يقوله الرئيس، وإذا أخذنا مواقف ترامب المتغيرة، فلم تحقق إلا نتيجة واحدة، وهي تعزيز التيار المتشدد في إيران والإضرار بالحلفاء وتعزيز روسيا والصين.
ويرى فريد زكريا في «واشنطن بوست» (3/4/2026) أن أمريكا أنفقت الكثير من أجل نتائج ضئيلة. وقدم في مقالته تقييما للنتائج الحالية للحرب التي قد يتغيرمسارها في أي وقت. وقارن ما حدث بوضع إيران الداخلي الضعيف واقتصادها المنهار وجيشها الذي فقد قادته بسبب حرب حزيران/يونيو 2025 إلى جانب تدمير برنامجها النووي، الذي تأخر لسنوات إن لم يكن لعقود، ولم تعد تمثل تهديدا وشيكا على أمريكا، بمألات الحرب الحالية.
وقد أقر ترامب بذلك ضمنيا يوم الأربعاء، مصرحا بأن الولايات المتحدة «ليست مضطرة للوجود هناك، لكننا موجودون لمساعدة حلفائنا».
وفي الحقيقة، كشفت التقارير أن نتنياهو أقنع ترامب بهذه الحرب ليس لأن إيران كانت تشكل تهديدا وشيكا، بل لأن ضعفها غير المسبوق أتاح فرصة لتوجيه ضربة قوية لإحداث تغيير في النظام. وإلا فلماذا اختتم ترامب إعلانه الموجز في بداية الحرب بحث الشعب الإيراني على الانتفاضة وإسقاط النظام، وهو نداء ردده نتنياهو في رسالته؟
ويقول زكريا إن النظام لم يسقط في إيران، وأصبح القادة الجدد أكثر تشددا.
وقد قتل آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاما والذي اشتهر بحظره تطوير الأسلحة النووية، وخلفه ابنه، الذي يقال إنه أكثر تشددا من والده. وبشكل عام، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني، الذي لطالما كان أكثر تشددا، في صعود، وهو أمر منطقي في أوقات الحرب.
وقال إن مضيق هرمز، الذي ظل حرا ومفتوحا رغم التهديدات العديدة طوال 47 عاما من التوترات الأمريكية – الإيرانية، بات الآن مغلقا من قبل القيادة الجديدة (التي يصفها ترامب بأنها «أكثر عقلانية»). ويرى زكريا أن فكرة ترامب عن حل أزمة المضيق، خاطئة، فلن يفتح من تلقاء نفسه لأن إيران تريد تصدير نفسها، فهرمز ليس مغلقا، بل مفتوحا أمام النفط الإيراني الذي يتدفق بحرية، وخاصة إلى الصين.
والنتيجة النهائية للحرب هي أن إيران تجني الآن ضعف ما كانت تجنيه قبل النزاع من مبيعاتها النفطية اليومية. وإذا استمرت بفرض رسوم تقدر بمليوني دولار على كل ناقلة نفط عابرة، فستجني طهران مئات الملايين من الدولارات كإيرادات إضافية شهريا، تكفي لإعادة بناء جيشها وأكثر.
ويواجه حلفاء أمريكا في الخليج الآن بيئة أكثر اضطرابا وتوترا بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. تتطلب نماذج أعمالهم السلام والاستقرار والتكامل الاقتصادي. والرابح الأبرز هو روسيا، التي ستجني مليارات الدولارات شهريا مع ارتفاع أسعار النفط وتنازل الولايات المتحدة عن العقوبات المفروضة عليها. أما أوكرانيا فتخسر بتحويل الأسلحة التي تحتاجها إلى الشرق الأوسط، كما وتخسر أوروبا أيضا مع ارتفاع تكاليف الطاقة، في حين يطالب ترامب حلف الناتو بخوض حربه، مهددا بالانسحاب من الحلف إن لم يفعل، مذكرا أن الناتو تحالف دفاعي، ولم يشارك في حروب كوريا أو فيتنام أو العراق. وتستفيد الصين مع تورط الولايات المتحدة في صراع آخر في الشرق الأوسط، وفقدانها تركيزها على آسيا. في غضون ذلك، تحمي استثمارات بيجين الضخمة في التكنولوجيا الخضراء من الكثير من تكاليف هذه الحرب، وتبدو للعالم كقوة عظمى أكثر مسؤولية وأقل إثارة للاضطرابات. بالطبع، قد تتغير الأمور. فالحروب لا يمكن التنبؤ بها. ولكن حتى الآن، هل سبق لأي عمل عسكري أمريكي أن تكبد كل هذه التكاليف مقابل هذه المكاسب الضئيلة؟