النحو نابع من أجسادنا

يعتقد بعض اللسانيين الإدراكيين أن كثيرا من أبنية النحو ومن معانيه نابعة من تجربتنا مع أجسادنا. الجسد ليس وعاء للروح، بل هو أيضا روح للمعنى ومعين للنحو أصلا. ربما يعلم بعض متابعي النظرية العرفانية في الاستعارة شيئا قليلا، أو كثيرا عن الاستعارات الاتجاهية Orientational Metaphors التي تحدث عنها لايكوف وجنسن، هي نوع من الاستعارات المفهومية تستخدم فيها الاتجاهات المكانية (مثل: أعلى/أسفل، داخل/خارج، أمام/خلف) للتعبير عن معانٍ مجردة مثل، النجاح والفشل كما في قولهم (معنوياتي مرتفعة اليوم) أو (اللاعب في أدنى مستوياته). وهذه الاستعارات مستمدة من علاقاتنا بأجسادنا ومن تصوراتنا التي تقيم أجسادنا من جهة العلو والاستفال. فالرأس هو مركز العقل والتفكير، فلا بد بناء على ذلك أن يحيل على كل قيمة موجبة؛ وعلى النقيض من ذلك يكون الأسفل مرتبطا بقيمة سالبة. وفي السياق نفسه نتعلم من أجسادنا ومن حركتها ومن دخولها أو خروجها في الفضاءات، أن الأشياء المجردة تقبل أيضا أن تستعار لها الاتجاهات، فنحن نشعر بأننا نذهب إذ نتطور إلى الأمام، وحين نتراجع نعتقد بأننا عدنا أدراجنا إلى الخلف. وحين نشكو من وضع عصيب نقول، إننا ما زلنا داخل الأزمة لم نتزحزح قيد أنملة؛ وحين تحل الأزمة نقول إننا خرجنا منها وكأن الأزمة وعاء يحتوينا ويلفظنا. ومعلوم أن الأزمة ليس فيها داخل ولا خارج ولا للهاوية شفا ولا جرف هارٍ، حتى نكون منها قاب قوسين أو أدنى من الوقوع؛ غير أننا في إدراكنا للأشياء وللقيم نبنيها وفق تجاربنا مع أجسادنا وهي تتحرك في جميع الاتجاهات. وحين تنقطع شبكة النت، ثم تعود نقول مثلما قلت أنا الآن إنها عادت كأنما نحن غبنا أو غاب عنا من ننتظره ثم عاد.

ليس في الفضاء أمام أو وراء، أو تحت أو فوق إلا بالنسبة لموقع أجسادنا منه، وحركاتنا فيه، ولذلك قد تكون الشجرة نفسها أمامي أنا، وخلفك أنت وقد تكون تحتك الشجرة أو تكون تحتها، حسب وضعية جسدك بالنسبة إليها. وحين أسكن الطابق الثالث فأنا أحكي عن طابق تحتي هو الثاني وعن طابق فوقي هو الرابع ولكن ساكن الطابق الخامس يعتبر الرابع تحته. فإدراكنا للفضاء نابع من إدراكنا لمواقع أجسادنا بالنسبة إليه، ومهما درسنا عن موقع الأرض في الفضاء فإننا نظل على وعي بأن السماء هي العليا وهي الفوق، وأن الأرض هي الـ»تحت». الزمان مفهوم يستعير من الفضاء اتجاهاته ولا شيء يجبرنا على أنْ نتفق مثلما نتفق على أن الماضي هو ما أدْبَر وتركناه خلف ظهورنا إلا لأننا نتصور الزمان خطيا بالنسبة إلى وقوفنا في نقطة نعتبرها الراهن، ونعتبر ما أمامنا مستقبلا والماضي ما استدبر من الأزمنة. وحين نريد تقريب الزمان أو إبعاده نستعمل أيضا عناصر فضائية فنقول الماضي القريب والماضي البعيد، ولأن الماضي معيش والمستقبل منتظر، نعتبر الأول غائبا بعيدا عنا مع علمنا المسبق به، والثاني غيبا خافيا عن حواسنا وإدراكنا لا تجربة لنا عنه. حين يكون شخص غائبا عنك فإنه قد يعود إن عاد إليك بلحمه وشحمه، وإلا كان أبدي الغياب كالماضي؛ وحين لا تملك معرفة عن شيء وتتشوفه وتستشرفه فإنك تعرف من أين سيطل عليك. ولكنه بعد أن يقبل سيصبح بدوره راهنا للحظة وغائبا إلى الأبد. لذلك قال الفلاسفة وبعض النحاة العرب إن المستقبل هو أصل الأزمنة لأنه لا يكون ثم يكون ثم يصبح غائبا.

في النحو المجسدن Embodied Grammar شيء من هذه الأفكار؛ فالنحو هنا ليس قواعد صورية تستعمل في الحكم على الكلام صحة وخطأ، بل هو يتشكل بالنظر إلى طريقة تحرك أجسادنا وإدراكها الأشياء وتفاعلها في الكون. في بنية الجملة المتألفة من فعل وفاعل ومفعول، فإن فيها تجسيدا رمزيا بالكلام للحركة الحادثة في الخارج، أو في استعاراتها، فحين نرى الجسد يرمي كرة إلى جسد آخر فإن الجملة (رمى زيد الكرة لهند) تمثل ما يحدث على صعيد المرجع الخارجي بالتركيز على حركة الأجساد، وهي تقذف الكرة من ساق إلى ساق. الحركة المركزية (رَمَى) هي فعل حركي الفعل يصور قوة دافعة لشيء باتجاه شخص. وفي النحو سوف نعمد إلى ضرب من الترميز المحافظ على هذه العناصر جميعا، وعلى العلاقات بينها وهي الشخص واسمه (الجسد المسمى) والحركة التي صدرت من الأول، والشيء والاتجاه (إلى) ويمكن أن يرمز بـ(نحو) كما في قولنا: (رمى زيد الكرة نحو هند). إن ترجمنا الجملة إلى الإنكليزية تتغير العناصر لكنها تحافظ تقريبا على العلاقات نفسها ففي قولنا (Paul threw the ball to Diana) فإن المختلف يكمن في ترتيب العناصر في الجملة، فالفاعل يسبق الفعل (وهذا صحيح من جهة العلاقة الوجودية بين الحركة وموجدها) أما بقية العناصر المُعَجمة للعلاقة فهي مشابهة بالطبع مع اختلاف في وجود العناصر الإعرابية التي تمكن من تقليب الأبنية وتنويع التركيب. فعلى سبيل المثال يمكن في العربية أن نقدم الفاعل كما في قولنا (عمرو رمى الكرة لهند) أو نقدم المفعول (لهند رمى عمرو الكرة) وهي طرق في التأليف، نريد أن ننوع بها إدراكنا للمشهد نفسه بالتركيز على هند، أو على زيد، أو على الفعل في ذاته. إن النحو يعكس بنية الحركات الجسدية التي تتطلب هذه العلاقات بين العناصر والأشياء التي تكونها.

في بعض الأبنية التركيبية، أو النحوية عناصر لا تعكس تمام البنية الحركية، وهي التي تستعمل لها أفعال لازمة من نوع (خرج زيد) التي فيها نقص في البنية اللغوية لعناصر من البنية الجسدية، تفترض أن الجسد إذ يقوم بهذه الحركة إنما يكون عابرا من مسار، متخذا اتجاهه من الداخل إلى الخارج وهي على عكس (دخل زيد) التي تفترض مسارا عكسيا متجها من الخارج إلى الداخل. نحن نتحدث ههنا عن شيء اسمه إيقونية اللغة، وهي تعني أن اللغة وهي تمثل الكون تلتزم بتمثيله تمثيلا مشابها، أو محاكيا للوقائع في الكون. لكن ذلك ليس مطلبا من مطالب اللغة، لأن الإيقونية يمكن أن تكون منقوصة، أو تحذف في بنية اللغة عناصر إن كان الذهن يستحضرها، من غير أن نمثلها بالرموز اللغوية التي تحيل عليها؛ فالأصل في (دخل زيد) أن يقال (دخل زيد القادم من الشارع إلى الدار) ولكن هذه العناصر لا تستكمل إلا إذا كان المتلقي يحتاجها جميعا وهذا ليس مطلب كل الأحوال في بناء الوضعيات، لذلك يكون الحذف في البنية دليلا على التركيز على عناصر مهمة دون غيرها. فلزوم الفعل فاعله ليس حالة أبدية، بل هي حالة إدراكية تقتضي التبئير على عنصرين من البنية الحركية، والصمت عن العناصر الواضحة أو المدركة بالقوة. في حالة استعمال الفعل استعاريا يحتاج المتكلم إلى إتمام العناصر فيقال (دخل زيد إلى الإسلام) أو (خرج على أهل السنة)، في هذه الحالة نحن لسنا إزاء حركة حسية أو مرئية في الفضاء؛ بل ينظر إلى الدين أو المذهب على أنه إطار أو فضاء يمكن أن يدخل إليه أو يخرج عليه. ليس هناك انتقال من حقيقة إلى مجاز بقدر ما في الأمر استعارة لتجربة الجسد المادية مع الحركة التي فيها مسار باتجاه الداخل أو الخارج للتعبير عن تجربة الإنسان مع العقيدة والدين والمذهب. فكما يرى المرء نفسه داخلا من باب أو خارجا من بيت يمكن أن يرى نفسه باعتباره متدينا متمذهبا داخلا في ملة خارجا من أخرى. لذلك تختلف استعمالات حروف الجر المنبهة إلى خصوصية الخروجين. لكن النحو وإن كان يوفر معطيات عن حركية أصلية لها عناصرها وعلاقاتها التي تقتضيها، فإنه لا يمكن أن يرشد المتكلمين إلى ما بين الخروج من البيت، أو الدخول إليه والخروج من الملة والدخول إليها من فروق ثقافية شاسعة، ليست الأبنية النحوية المحايدة دليلا ماديا عليها، بل تفهم من خلال التجربة الثقافية لأي جماعة لغوية تكون تجربتها مع ثقافتها ومع لغتها جزءا من إدراك الكون.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    عنوان المقال جميل وعميق…لقد وجدته مجسّدًا ( حسب رؤيتي المتواضعة ) في أبيات من قصيدة للشّاعر الأعشى:
    { رَحَلَت سُمَيَّةُ غُدوَةً أَجمالَها…..غَضبى عَلَيكَ فَما تَقولُ بَدا لَها }.{ هَذا النَهارُ بَدا لَها مِن هَمِّها….ما بالُها بِاللَيلِ زالَ زَوالُها }.{ سَفَهاً وَما تَدري سُمَيَّةُ وَيحَها….أَن رُبَّ غانِيَةٍ صَرَمتُ وِصالَها }.{وَمَصابِ غادِيَةٍ كَأَنَّ تِجارَها….نَشَرَت عَلَيهِ بُرودَها وَرِحالَها }.{ قَد بِتُّ رائِدَها وَشاةِ مُحاذِرٍ….حَذَراً يُقِلُّ بِعَينِهِ أَغفالَها }.{ فَظَلِلتُ أَرعاها وَظَلَّ يَحوطُها….حَتّى دَنَوتُ إِذا الظَلامُ دَنا لَها }.ربّما غيري قد يراه باتجاه آخر قريب أو بعيد فلسفيًا…فلكلّ وجهته وقبلته؛ ليلها ونهارها.مع التقدير.

  2. يقول سالم أبو الخيش:

    معلوم أن قصيدة الأعشى تبدأ ببيت غامض يعزا لشاعر جاهلي مغمور، واستنادا إلى ذلك يمكن إدراك المسماة (سمية) على أنها قد رحلت باكرا، وأن أجمل ما قيل أو كُتب عن هذا الرحيل إنما هو رحيل جمالها بيانا وتبيينا، مما يدل على أن رحيلها وحده أو جمالها وحده أو حتى اجتماعهما لَيستدعي تفسيرا مفصلا ومعمّقا حقا – وكل هذا ليس له علاقة بالقصد الأساسي من مقال الأخ توفيق لا من قريب ولا من بعيد، فمن السهل على الربلاء قول أي شيء اعتباطي والظن بأنه تعليق “مفيد”، وبخاصة أن الأعشى نفسه يقول في ذات القصيدة:
    { فَكَفى العَضاريطُ الرِكابَ فَبُدِّدَت … مِنــــهُ لِأَمــــرِ مُؤَمَّــــلٍ فَأَجالَـــها }

  3. يقول مسلم سوري:

    نقول مثلا دخل جون في الإسلام و بقي بداخله..!
    و الصحيح هو: دخل جون في الإسلام و بقي محافظا عليه..
    نقول مثلا خرج مصطفى من الإسلام ، أو عن الملة بعد أن قال “كذا و كذا”..، و عليه إذا أراد العودة أن يتوب لله و يستغفره..
    نقول مثلا : وجوههم حالكة تقطر سما فماذا كانوا يفعلون في المسجد..!، و ذقونهم حليقة و شواربهم بارزة ، فلماذا يخالفون السنة.. ! ،
    نقول مثلا: أصاب الصاروخ قبة المسجد و خرب جزءا منها..
    نقول مثلا هذه القبة للمسجد المحمدي.. فهل يحب ربنا تعالى القباب و البناء على القبور.. !‏‎
    نقول مثلا: كيف يمكن للشجرة أن تكون تحته..! فنقول: لقد مر بالمنطاد من فوقها و أخذ لها صورة بألة التصوير..
    لغتنا رائعة، فهي لغة القرءان و لغة أهل الجنة ، و أذكر أني قرأت أنها كانت لغة أبينا آدم عليه السلام.. أرجو ممن يحب الله و رسوله أن يتعلمها و يتعلم النحو و الإعراب ، و أن يحترمها بنوع من القداسة ، و لا يلقيها في أرض تدوسها الناس..
    و لا حول و لا قوة إلا بالله.

  4. يقول القمام:

    في مقالك تعبير واسع الطيف عن اللحمة بضم الحاء وبين اللغة والجسد لا يدركها الذي عاش بعيدا عن اللغة.فجاء مقالك لتدارك هذه الفجوة..لأن اللغة تدرك بالتجربة الثقافية
    لا بالببغاءية.شكرا للكاتب.وشكرا المحرر.

  5. يقول محمد شفيق:

    الأخ الأستاذ توفيق قريرة بعد التحية الطيبة، فيما يخص العلاقة بين النحو والجسد وكذلك العلاقة بين مفردة مثل “الهمام” ومفردة أخرى بعد تغيير الحرف الأول مثل “القمام”، سألتُ برنامج الـ AI السؤال عن المعنى فأجاب:
    كلمة “القمامة” (بضم القاف) تعني النفايات أو الفضلات التي تُجمع من البيوت والشوارع، مثل الكناسة وبقايا الطعام، وتُستخدم أيضاً للإشارة إلى الحيوانات التي تأكل الجيف على المستوى الحرفي، وللإشارة إلى المهنة العتف التي تتشدق بالسرجين على المستوى المجازي، في حين أن الكلمة قد تكون خطأ إملائيا بعد حذف التاء المربوطة.
    معاني كلمة “القمامة” (بضم القاف):
    النفايات المنزلية: هي الفضلات التي تُجمع من المنازل والشوارع (Waste, Garbage).
    الكناسة: مخلفات الكنس (Broom waste).
    آكل الجيف: حيوانات تغذى على الكائنات الميتة (Scavenger).
    التشدق بالسرجين: مهنة عتف يهذربون بالحسد والهراء (Bullshitter).
    بريد إلكتروني غير مرغوب فيه: رسائل غير مطلوبة (Spam). إلخ

اشترك في قائمتنا البريدية