حال العرب عام 1914

حجم الخط
3

في يوم الأربعاء 18 يونيو/حزيران 1913 وفي تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر افتتح المؤتمر العربي الأول في باريس جلسته الأولى في مقر الجمعية الجغرافية في برعاية مباشرة من الخارجية الفرنسية، وإذا أردنا تخفيف وقع كلمة «رعاية» أبدلناها بكلمة «تنسيق».
ضم هذا المؤتمر خليطاً فكريا غير متجانس من النخبة العربية، من المتغربين الذين لا يرون مناصاً من الالتحاق بالغرب ولو احتلالاً، إلى دعاة تجديد العروبة للنهوض بالإسلام، بعد ان أحسوا وشاهدوا عجز وهوان الدولة العثمانية، وتراجعها أمام القوى الغربية، التي تقضمها قطعة وراء قطعة، وآخر قضمة كانت قبل انعقاد المؤتمر، حيث احتلت إيطاليا طرابلس الغرب. كانت رئاسة المؤتمر من نصيب أحد الداعين لتجديد الحضارة العربية الإسلامية، عبر نهوض العنصر العربي، الشيخ عبد الحميد الزهراوي.

بعد انهيار الدولة العثمانية تبين أن قاطرة جر هذه الدولة كانت إسطنبول والأناضول أما الولايات العربية فكانت مجرد عربات تجرها تلك القاطرة

كان عبد الحميد الزهراوي (1855- 1916)، المولود في مدينة حمص السورية وأحد من أعدمهم جمال باشا لاحقاً عام 1916، عضواً في مجلس المبعوثان عن لواء حماة، حيث كانت حمص تابعة لحماة ضمن ولاية دمشق أو سوريا. كان الشيخ من القائلين بالحفاظ على الدولة العثمانية، فقد جاء ممثلاً لحزب اللامركزية. كما أنه عاد وأكد على عثمانيته في اللقاء الذي جمع بعض أعضاء المؤتمر بوزير الخارجية الفرنسية في 30 يونيو، بعد انتهاء أعمال المؤتمر. قاطعاً الطريق على من يسميهم المؤرخ أمين سعيد «الذين اندسوا بين رجال المؤتمر، وزعموا أنه ما عقد إلا لخدمة السياسة الفرنسية، وإن غايته طلب المساعدة الفرنسية».
هذا التأكيد على العثمانية أزعج وزير الخارجية الفرنسي بيشون، فكتب رسالة سرية إلى قناصل فرنسا في سوريا «لقد تحقق لنا من تصريح الوفد الذي زارنا باسم المؤتمر العربي، أن هذه الحركة قد انقلبت علينا، فأظهروا أنفسكم أنكم تساعدونها لكسب ثقة الشعب واسعوا في الخفاء لقتلها». شعر الاتحاديون بخطورة ما جرى في مؤتمر باريس فليّنوا موقفهم تجاه العرب، وأظهروا موافقة مبدئية على أغلب مطالب المؤتمرين وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة. تلقف الشيخ عبد الحميد الزهراوي، الذي كان يستشعر خطورة الوضع الدولي وما يحاك للدولة العثمانية من الغرب. تلقف يد الاتحاديين الممدودة، فعاد إلى الأستانة مع وفد من المؤتمر وخاضوا مفاوضات استمرت عدة أشهر، كانت نتيجتها إيجابية فصدر في 4 يناير/كانون الثاني 1914 قرار تعيينه مع عدد من الوجهاء العرب أعضاء في مجلس الأعيان لمتابعة تطبيق ما اتفق عليه. لكن هذا التعيين لم يرق لأطراف عديدة من أعضاء مؤتمر باريس، ومن الشبيبة العربية المتحمسة، فعدوا قبول الشيخ عضوية مجلس الأعيان خرقاً لقرارات مؤتمر باريس، وقطعت بعض أطراف هذا المؤتمر علاقتها به وأوكلت أمره لحزب اللامركزية الذي كان الشيخ عبد الحميد ممثلاً له في المؤتمر، وهذا يعني سحباً لاعترافها برئاسته لمؤتمر باريس.
بعد الضجة الكبيرة التي حدثت أرسل الشيخ عبد الحميد الزهراوي كتاباً إلى الشيخ محمد رشيد رضا ( 1865-1935) (الرئيس اللاحق للمؤتمر السوري (البرلمان) خلال مرحلة من مراحل الحكم القصير لفيصل في دمشق) يشرح وجهة نظره في ما جرى. و قد نشر المؤرخ أمين سعيد مقاطع طويلة من هذا الكتاب البالغ الأهمية في الجزء الأول من كتاب «الثورة العربية الكبرى». في هذا الرسالة المطولة يشرح الشيخ الزهراوي الأمر برمته، فيصف بدقة بالغة، بعيداً عن التفكير الرغبوي حال الأمة العربية شعوباً ونخباً.

حال نخبة باريس العربية

يبدأ الشيخ بشرح ما جرى في مؤتمر باريس «كنت قد فصلت لكم اذ جئت إلى باريس كيف وجدت مؤسسي فكرة المؤتمر فوضى، وكيف تعبنا في ستر الأمر وإيجاد المؤتمر مرونقاً بتوفيق من الله فوق المأمول…». ويصف اختلاف مشارب المؤتمرين حد التعارض. يقول «وبعد انقضاء المؤتمر غادر الجمع الذي لفق تلفيقاً»، وبعد ذلك يشير إلى طغيان الطائفية على بعض ممثلي بيروت في المؤتمر «خليل زينبه وأيوب ثابت وهما لم يرشفا من مشرب الجامعة العربية قطرة واحدة، حتى ولا من الجامعة السورية، وإنما همهما بيروت وحدها لا شريك لها»، حتى أن الود مفقود تماماً بينهم وبين «رفقتهم البيروتيين المسلمين». ثم ينتقل لشرح وضع الدولة العثمانية الدولي ومطامع الغرب فيها. وبعدها يشير إلى أن الاتحاديين «هم اليوم يتسلحون بعزائم ماضية، وناوون نية قاطعة أن يجددوا شيبات الدولة بقدر ما تسمح لهم الظروف، ويشتهون أن يخلص إليهم العرب ويساعدهم فضلاؤهم في هذا السبيل، ويعترفون بخطيئاتهم الماضية، وينوون أن لا يعودوا إلى مثلها بقدر الإمكان. أنا مؤمن بنيتهم وأقوالهم هذه كل الإيمان لأدلة كثيرة ظهرت لي، ولكنني مرتاب من جهة قابليتهم تطبيق العمل على النية، وعلى كل حال أرى عدم تركهم وحدهم خيرن من تركهم، ويرجى أن تقوى قابليتهم». وأتساءل هنا هل وقع الشيخ بفخ التفكير الرغبوي بتعويله على الاتحاديين رغم ارتيابه؟ مع العلم أنه ذهب ضحية هذا الأمل الزائف، إذ أعدمه جمال باشا عام 1916 كما هو معروف.

حال نخبة إسطنبول العربية

بعد أن وصّف الشيخ حال نخبة باريس العربية انتقل إلى توصيف حال النخبة العربية في إسطنبول. تكلم أولا عن ندرة رجال الإصلاح الحقيقي من العرب وهم الذين يجمعون بين «صدق النظر وصدق العمل، ومَنْ كثرت تجاربهم، ومرنت رؤيتهم وصحت عزيمتهم . ومع ندرتهم يعانون من مأزقين خطيرين، الأول السبات الذي فيه الأمة، والثاني الجشع الذي فيه أوروبا». أما النخبة العربية في الأستانة فهم «ثلاثة أصناف. متاجرون، ومتعلمون، ومأمورون، فالصنف الأول لا في العير ولا في النفير، والصنف الثاني أولاد في ناشئة العمر، لا يليقون بالسياسة ولا تليق لهم. والصنف الثالث أربعة أقسام الضباط والموظفون وطلاب الوظائف والمتقاعدون.
فأما الضباط فلا تجربة لهم بهذه المسألة البتة، والأولى عدم دخولهم فيها فإن هذه التجربة القليلة التي سأقصها زهدتني في كل سياسة يشترك فيها الضباط منا، ذلك أن عزيز بك ناقم اليوم على الحكومة فيشتهي لأجل هذا زعزعة الدولة ونسفها نسفاً وهو لأجل هذا ناقم على ائتلافنا مع الحكومة ومضاد له، لأنه على زعمه يؤخر حركات العرب ولا أدري ما هي حركات العرب وأين تسير؟ وهو يجتهد أن: يجمع حوله بعض الاولاد وينفرهم منا ومن صنعنا، ولكن لا ينجح بحوله تعالى، ومن جهة أخرى هو يحافظ على ظاهر الصداقة بيننا، وقد أردت اختباره فوجدته يجنح إلى مصالحة أولياء الأمور وحينئذ يرضى عن كل شيء، فانظر يا عزيزي إلى الذين يعدون أنفسهم في مصاف رجالنا. وأما المأمورون (الموظفون) المتقاعدون فمثلهم كمثل العجائز لا يرضيهن شيء ولا يستطعن عمل شيء، وأما المأمورون المنصبون فلا هم لهم إلا حفظ مناصبهم».

حال الشعب العربي في المشرق

بعد هذا التوصيف القاتم لحال النخبة العربية ينتقل الزهراوي إلى توصيف أكثر قتامة لحال الشعب العربي، «وأما العرب في الجهات الأخرى فهم أهل سوريا وأهل العراق وأهل الجزيرة، فالسوريون والعراقيون حضر، ألفوا الذل وتعودوا الاستخذاء والاستكانة، لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا، لا يساعدون ولا ينوون أن يساعدوا، لا يهبون ولا يروق لهم أن يوقظوا». ويعلق أملاً وحيداً على أهل الجزيرة العربية «وأما أهل الجزيرة الخلص فهم الأهل وقاهم الله كل شر وشد سواعدهم ، أولئك يجب وصل الرابطة بهم من غير أن نقطعها مع الحضر على قلة غنائهم «. نلاحظ هنا فهماً خلدونياً لدور العصبية في نهوض الأمم ونشوء الدول، فأهل الشام والعراق يفتقدون العصبية لأنهم حضر، وحدهم أهل الجزيرة العربية يمتلكونها لذلك لا يعولُ إلا عليهم.
يختتم الزهراوي رسالته بالقول «إن اليأس لا يجوز بحال من الأحوال، ولكن الأمة في كل أطرافها ليست في حال يعتمد عليها في شيء، وأنه مع هذا لا يجوز إهمالها، وكذا لا يجوز إهمال من بيدهم أمر المملكة وتركهم لوحدهم وإنه لا بد لنا من رجال هنا». هذا حال الأمة ونخبها قبل مئة عام ونيف. توصيف بقلم بارد دقيق كمشرط جراح، وهو بالغ الدقة فالأحداث اللاحقة أثبتت صحته.
بعد انهيار الدولة العثمانية. تبين أن قاطرة الجر لهذه الدولة الضخمة كانت إسطنبول والأناضول، حيث تراكم خلال قرون من حياة هذه الدولة تراث مادي، عسكري، بيروقراطي هائل سمح للأتراك بشق طريقهم رغم تمزق الدولة العثمانية. أما الولايات العربية فكانت مجرد عربات تجرها تلك القاطرة، فما إن انفصلت عن قاطرة الجر الرئيسية حتى توقفت مكانها فصارت قشة في مهب الرياح العاتية.
يبقى السؤال الكبير ما الذي تغير في الأمة نخباً وشعوباً بعد مئة عام ونيف من توصيف الزهراوي؟ هل صارت النخب في وضع أفضل؟ هل امتلكنا عدداً وافياً ممن يمتلكون «صدق النظر وصدق العمل ومن كثرت تجاربهم، ومرنت رؤيتهم وصحت عزيمتهم»؟ هل استيقظ الحضر من أهل الشام والعراق؟ هل ما زالت الجزيرة العربية الأمل الوحيد الباقي؟ ومهما كان الجواب قاتماً او سوداوياً لا يمكننا إلا أن نكرر كلمات الشيخ عبد الحميد «إن اليأس لا يجوز بحال من الأحوال»، وأن الأمة مع كل ما تعاني «لا يجوز إهمالها».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول S.S.Abdullah:

    عنوان مقال ثائر دوري (حال العرب عام 1914) وما ورد أسفلها رائع، وأضيف ساطع الحصري مثله مثل مصطفى كمال أتاتورك، كان مسؤول في الدولة العثمانية، قبل أن يصبح مسؤول في النظام البيروقراطي لدولة الحداثة القومية على أنقاض الدولة العثمانية.

    إشكالية النظام البيروقراطي في أجواء العولمة والإقتصاد الإلكتروني، يبدأ من مفهوم الترجمة به (نقل حرفي ببغائي) ككلمة البيروقراطية والديكتاتورية والديمقراطية،

    بينما مفهوم الترجمة بعد انتشار سوق العولمة (بعد عام 1945) والإقتصاد الإلكتروني (بعد عام 1992) هو التوطين أو التعريب بالنسبة للغة القرآن، من خلال إيجاد جذر وصيغة بنائية (الشّابِكة ترجمة الإنترنت) مناسبة.

    ولذلك ذكرت من حق د يحيى الكبيسي أن تكون له قراءة لتاريخ الدولة العراقية، طرحها تحت عنوان (تحولات الطبقة السياسية السنية) لما حصل بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وحتى الآن،

  2. يقول S.S.Abdullah:

    أنا أختلف مع هذه القراءة تماماً، والسبب ما حصل على أرض الواقع، قبل وأثناء وبعد تكوين العملية السياسية الديمقراطية، بعد إحتلال العراق وإلغاء كل مؤسسات الدولة في 2003،

    الشريف حسين وأولاده بثورتهم ضد الدولة العثمانية،

    رفضت سوريا الكبرى التعامل معها، عدى عشائر الأردن، وتم طردهم منها،

    العراق قبل تسليم السلطة لهم بحجة أنهم من آل البيت، ولكن عندما حصل تقصير/فشل/فساد في توفير الخدمات، قام بسحل حتى آل البيت في 14/7/1958، وإعدامه حتى ممن شارك في الإنقلابات بعد ذلك 1963 و 1968 و 1979.

    ولذلك السؤال بعد تدوين لغة الحذاء (بواسطة منتظر الزيدي) على الموظف الذي فشل أو قصّر أو كان فاسداً في توفير خدمات الدولة، للإنسان والأسرة والشركة المنتجة في الدولة، وفي بث حي مباشر على أحدث تقنيات العولمة والإقتصاد الإلكتروني عام 2008، من لن يتم سحله ممن شارك في كل العملية السياسية بعد 2003؟!??

  3. يقول S.S.Abdullah:

    والسؤال الأهم الآن من وجهة نظري، هو كيف نستغل تسخير الأتمتة، في تحسين ما توفره الدولة من خدمات، من أجل زيادة الإيرادات للجميع، الإنسان والأسرة والشركة المنتجة وبالتالي الدولة، كما تطرحه أم الشركات (مشروع صالح التايواني) من خلال وقف بسطة (صالح) بالتمويل التجاري الحلال للمشاريع،

    بدل التمويل الربوي والتأمين عليه لرفع المسؤولية عن موظف النظام البيروقراطي، وكأنّه من آل البيت رب مقدس (معصوم من الخطأ).??
    ??????

اشترك في قائمتنا البريدية