تزامن المناورات العسكرية مع النقاش السياسي حول المبادرة الأمريكية يعكس محاولة لربط المسارات الأمنية والاقتصادية بالعملية السياسية في ليبيا، في إطار مقاربة دولية تسعى إلى تقليص الانقسام المؤسساتي.
طرابلس ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة السياسية الليبية تصاعداً في ردود الفعل الرافضة لما يتداول بشأن مبادرة أمريكية لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة، في وقت تتزايد فيه التسريبات حول مقترحات تتعلق بدمج الحكومتين وتوحيد الموازنة العامة وإطلاق ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، الأمر الذي أثار مخاوف لدى أطراف سياسية ومجتمعية من احتمال فرض تسوية خارجية لا تعكس التوازنات الداخلية أو المسارات الدستورية المعتمدة. ويأتي هذا الجدل في لحظة حساسة تمر بها ليبيا مع استمرار حالة الجمود السياسي وتعدد المسارات الدولية المطروحة لمعالجة الأزمة، بين تحركات تقودها الولايات المتحدة ومحاولات أممية عبر الحوار المهيكل الذي تشرف عليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بينما تبقى مسألة الانتخابات وتوحيد المؤسسات محور النقاش الرئيسي حول مستقبل المرحلة الانتقالية في البلاد.
وفي هذا السياق أعلن مجلس أعيان وحكماء بلدية مصراتة رفضه لما وصفه بمحاولات فرض حكم شمولي أو عسكرة الدولة، في رد مباشر على ما يتداول حول الخطة الأمريكية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في ليبيا. وأكد المجلس في بيان أن مدينة مصراتة لن تكون طرفاً في أي اتفاق ينتقص من تضحيات أبنائها أو يفرض ترتيبات لا تعبر عن إرادة الليبيين، مشدداً على ضرورة التمسك بمسار الدولة المدنية ورفض أي محاولات لفرض واقع عسكري على المشهد السياسي في البلاد. كما شدد البيان على أهمية تحقيق العدالة الانتقالية والالتزام بالمسار الدستوري والانتخابي باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها ليبيا منذ سنوات.
ويعكس موقف مجلس أعيان مصراتة جانباً من المخاوف المتزايدة داخل بعض المدن والقوى السياسية في غرب ليبيا من أن تؤدي أي تسوية سياسية مفروضة من الخارج إلى إعادة إنتاج التوازنات العسكرية داخل السلطة بدلاً من الانتقال إلى نظام سياسي مدني قائم على الانتخابات والمؤسسات. ويأتي هذا الرفض في ظل تداول معلومات غير مؤكدة حول تصور سياسي مدعوم من واشنطن يقضي بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر دمج الحكومتين القائمتين في حكومة موحدة، مع توحيد الصرف المالي ضمن موازنة عامة واحدة بهدف تقليص الانقسام المؤسساتي بين شرق البلاد وغربها.
وفي سياق متصل أعلنت مؤسسة حقوق الإنسان في ليبيا رفضها القاطع لما وصفته بالخطة الأمريكية لدمج الحكومتين، معتبرة أن هذه المبادرات تهدد الجهود التي تقودها بعثة الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية. وأكدت المؤسسة في بيان أن التعاطي مع أي مبادرات خارج إطار الأمم المتحدة يقوض وحدة العملية السياسية ويضرب مصداقيتها ونزاهتها، مشيرة إلى أن هذه المسارات تمثل مخالفة صريحة للمرجعيات الدستورية والاتفاق السياسي الليبي وتشكل التفافاً على حق الشعب الليبي في تقرير مصيره.
وشددت المؤسسة على أن فرض مبادرات موازية للعملية السياسية قد يؤدي إلى إضعاف فرص الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة تكون مصدر الشرعية لأي سلطة قادمة، داعية المجتمع الدولي إلى الالتزام بدعم المسار الأممي وعدم الانخراط في مبادرات منفصلة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي خارج إطار التوافق الوطني. كما أكدت أن أي تسوية سياسية يجب أن تستند إلى الاستفتاء على مشروع الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تنهي المرحلة الانتقالية وتفرز سلطة شرعية تحظى بقبول الليبيين.
وفي الجنوب الليبي أعلنت غرفة عمليات تحرير الجنوب رفضها لأي تسويات سياسية وصفتها بالمشبوهة، معتبرة أن أي ترتيبات جديدة قد تعيد إنتاج الوجوه السياسية التي كانت جزءاً من الأزمة خلال السنوات الماضية. وأكدت الغرفة في بيان أن الجنوب ظل ضحية لسياسات التهميش والإقصاء في العديد من المسارات السياسية والعسكرية، مشيرة إلى أن استبعاده من بعض الاجتماعات والمناورات العسكرية يمثل استمراراً لهذا التهميش. كما اعتبرت أن أي تسوية تفرض اليوم قد تكون محاولة لإعادة تشكيل السلطة بدون معالجة جذور الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد.
ولا تأتي المبادرة الأمريكية في فراغ سياسي، إذ تتزامن مع مسارات أخرى لا تزال قيد العمل لمعالجة الأزمة الليبية، من بينها الحوار المهيكل الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إضافة إلى مبادرات أممية سابقة حاولت الدفع نحو توافق بين المؤسسات السياسية. ويهدف مسار الحوار المهيكل إلى معالجة القضايا المرتبطة بشكل السلطة التنفيذية وصلاحيات الحكومة المقبلة والضمانات القانونية للعملية الانتخابية، في محاولة لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية الطويلة في البلاد.
غير أن المبادرة الأمريكية المتداولة تختلف عن تلك المسارات في طبيعتها وآلية طرحها، إذ تقوم على تحركات سياسية واتصالات مباشرة مع أطراف عسكرية وسياسية بهدف الدفع نحو ترتيبات سريعة لتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات المالية والأمنية. ويرى منتقدو هذه المبادرة أنها قد تمثل مساراً موازياً للعملية الأممية، الأمر الذي يثير مخاوف من احتمال فرض تسوية سياسية خارج إطار التوافق الوطني أو المرجعيات الدستورية المعتمدة.
وتزداد هذه المخاوف في ظل تقارير تحدثت عن انقسامات متزايدة داخل معسكر شرق ليبيا نفسه، حيث برزت في الأشهر الأخيرة مؤشرات على تنافس بين أبناء خليفة حفتر حول النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي. وتشير هذه المعطيات إلى وجود ثلاثة مراكز نفوذ رئيسية داخل هذا المعسكر، الأمر الذي يثير تساؤلات لدى بعض المراقبين حول مدى قدرة القيادة العسكرية في الشرق على ضبط التوازنات الداخلية في حال الدفع نحو تسوية سياسية جديدة.
وبحسب تلك التقارير فإن التنافس داخل هذا المعسكر يتمحور حول ثلاثة أقطاب رئيسية تسعى كل منها إلى تعزيز نفوذها داخل المؤسسات العسكرية والاقتصادية، حيث برزت مؤشرات على خلافات ظهرت للعلن بعد أن كانت تدار في الكواليس. وتحدثت التقارير عن رسائل سياسية متباينة صدرت عن بعض هذه الأطراف بشأن الاتصالات الدولية والترتيبات السياسية المطروحة، الأمر الذي كشف عن تباينات في المواقف حول طبيعة المرحلة المقبلة.
ويرى بعض المراقبين أن هذه الانقسامات قد تضعف قدرة المعسكر الشرقي على التفاوض ككتلة موحدة في أي ترتيبات سياسية جديدة، خصوصاً في ظل غياب موقف واضح من القيادة العامة حول كيفية إدارة هذه التوازنات الداخلية. كما يعتقد آخرون أن بروز هذه الخلافات في هذا التوقيت قد يعقّد الجهود الدولية الرامية إلى الدفع نحو تسوية سياسية شاملة في ليبيا.
وفي موازاة هذا الجدل السياسي تستعد مدينة سرت لاستضافة جزء من مناورات «فلينتلوك 2026» العسكرية التي تقودها القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا بمشاركة قوات من عدة دول. ويعد هذا التمرين من أكبر التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الأفريقية، حيث يهدف إلى تعزيز قدرات القوات المشاركة في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وتطوير التعاون العسكري بين الدول المشاركة.
ورحب مسؤولون عسكريون ليبيون باستضافة هذه المناورات، معتبرين أنها تمثل فرصة لتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية في مختلف مناطق البلاد. وأكد وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي أن مشاركة ضباط من الشرق والغرب والجنوب في تدريبات مشتركة داخل ليبيا تحمل رسالة رمزية بشأن إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية تحت راية وطنية واحدة.
ويرى بعض المراقبين أن تزامن هذه المناورات العسكرية مع النقاش السياسي حول المبادرة الأمريكية يعكس محاولة لربط المسارات الأمنية والاقتصادية بالعملية السياسية في ليبيا، في إطار مقاربة دولية تسعى إلى تقليص الانقسام المؤسساتي وتهيئة الظروف لإطلاق مرحلة سياسية جديدة.
وفي المقابل يشير محللون إلى أن نجاح أي مبادرة سياسية في ليبيا يظل مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى توافق داخلي واسع، إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن التسويات التي لا تحظى بقبول داخلي كاف غالباً ما تواجه صعوبات في التنفيذ أو تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات القائمة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد تبدو ليبيا مرة أخرى أمام مرحلة جديدة من الحراك السياسي الدولي تتداخل فيها المبادرات الخارجية مع الحسابات الداخلية للقوى السياسية والعسكرية. وبينما يرى البعض أن هذه التحركات قد تمثل فرصة لإعادة إطلاق العملية السياسية بعد سنوات من الجمود، يخشى آخرون من أن تؤدي إلى فرض تسويات مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها جذرياً.
وتبقى قضية الانتخابات وتوحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية في صلب النقاش حول مستقبل ليبيا، حيث يتفق معظم الفاعلين السياسيين على أن إنهاء المرحلة الانتقالية يتطلب الوصول إلى سلطة شرعية منتخبة قادرة على إدارة البلاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية مستقرة. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدولية والمسارات السياسية الجارية يبقى مستقبل التسوية الليبية مفتوحاً على عدة سيناريوهات تتراوح بين فرص التوافق وإمكانية استمرار حالة الانقسام التي طبعت المشهد السياسي في البلاد خلال السنوات الماضية.
هه أينما يكون النفطوالغاز نرى أمريكا تحشر نفسها بين البلدان والشعوب فتشعل الحروب لكي تسرق النفط والغاز بلا ألغاز هذا ديدن عصابة البيت الأسود الصهيوني الأمريكي يا انريكي للأسف الشديد حقيقة مرة مرة مرة