كانت مسرحيات أوسكار وايلد تُعرض في لندن في ثلاثة مسارح في آن واحد، والريح التي يستنشقها تعبق من حوله بوعود من كل نوع: روايات.. قصص.. أشعار، لكن أحد النقاد أغفل متقصدا هذه الصنائع، وخص بالذكر في بحث طويل براعته في تأليف المقالة، لأنه «يعرف كيف يبتدع قصصا جميلة يكسو بها أفكاره»، على حد تعبير الناقد. بعث وايلد رسالة إلى الصحيفة التي نشرت الموضوع يوضح رأيه، جاء فيها: «يحسب الكثيرون أن الأفكار تولد عارية، وهذا خطأ جسيم. بالنسبة لي، لا يمكنني أن أفكر إلا عن طريق الحكايات، وهذه طريقة أغلب الأدباء، فالنحات لا يسعى إلى ترجمة فكرته بالرخام، لأنه يفكر بالرخام مباشرة». هل وضع أوسكار وايلد يده على سر الإبداع في حقلَي الأدب والنحت؟ لا أظن ذلك، فالعمل النحتي هو الآخر يحتاج إلى حكاية، كي يكون الفنان قادرا على حث الإنسان ليفكر كيف يتعامل مع الحياة، ويحلل العالم من حوله، وما يُقال عن الأدب والنحت، ينسحب بصورة مماثلة على جميع أشكال الفن.
يعرّف الطبيب وعالم النفس الفرنسي جاك لاكان اللغة بأنها «الشريان الذي اختُزِنَ فيه الواقعُ، عبر العصور». الكلمات إذن لا تعبر عن الواقع، بل هي الواقع، ولكل منا شريانه الخاص، أي لغته، تولَد معه مثل بصمة العين والإصبع، وهذا هو تفسير عبارة جورج بيفون الشهيرة: «الأسلوب هو الرجل».
اللغة هي البصمة الأشمل والأعم، التي تميزنا لا في خطابنا الرسمي، أو الشخصي مع الناس فحسب، بل بكل ما تجترحه عقولنا وقلوبنا، وما تقوم به من أفعال عظيمة أو دنيئة، ولهذا السبب جاء سلوك وعادات أولاد المهاجرين إلى بلدان أجنبية، رغم تبدل الظروف المحيطة، مشابها تقريبا لما جرى عليه أسلافهم، فهم في حاجة إلى عدة أجيال من المواليد لكي يحصل تغيير فعلي، أو أنه لا يحصل أبدا. إنها شيفرة لغوية تنتقل في العروق، ويشتمل التاريخ على جميع ما بُني طوال قرون، من ذاكرة ورموز محفوظة في هذه الشيفرة، التي لا يمكن لأهلها التخلص منها. وبما أن الحكاية تتألف من مجموعة متداخلة من الصور والموتيفات، وهذه تنتقل فينا عبر الشيفرة المذكورة، فالحكاية (أي القصة) إذن هي حجر المحك للإبداع الفني برمته، الذي يقوم على نسيج لغوي يتباين في شكله الأخير، إن كان موسيقى أو رسما أو غير ذلك. لا أحد يستطيع تأمل لوحة «الجورنيكا» لبيكاسو، أو «نساء الجزائر» لديلاكروا، دون أن تدخل في روعِهِ تفاصيل ولو قليلة من قصص مبثوثة في اللوحة، ويصح هذا القول كذلك على ليليات شوبان، ونصب الشهيد لإسماعيل فتاح الترُك في العاصمة بغداد.
عندما يريد الفنانُ التحدث إلى الجمهور بصوت عالٍ، على أن لا يسمعه أحد ممن لا يرغب في حضوره، والمقصود بهم بليدو الذهن وميتو القلب من بني البشر، فليس أمامه غير أن يقول آراءه عن طريق فن القص.
اللا آنية فيه تدفع عنه صفة الزمان المحدد الذي يتصل بالجسد، إلى زمن قصصي يمكن أن ندعوه «احتياطيا»، وهذا يختص بالروح الإنسانية العامة، ولا يؤدي مروره بعجالة أو بريثٍ إلى أن ينزع من القصة شيئا. المكان يتبع الزمان دائما، أي أنه احتياطي هو الآخر، وتظل الحكايات تعيش في كنف هذين الظرفين بكامل تُرابها، رغم الزلازل والنكبات والأعاصير. بعبارة أخرى جميع القصص التي تخلق الفن يجب أن تكون من غير زمان ومكان حقيقيين، من أجل أن يكون خالدا. وبهذه الطريقة تتجرد القصة من عصرها، ويتبرأ القاص منها لهذا السبب، ويتمسك بها في الوقت نفسه لكونها قطعة منه، والقصص التي يسردها كاتب المقالة يمكن نعتها بأنها حدث ولا حدث، وواقعة وغير واقعة، وعندما تتغلف بالأفكار تكون لا شيء وكل شيء.
مهووسا بهذا الرأي، ومأخوذا بهذه الفكرة التي تلبستني، كتبتُ قبل حوالي عشر سنين مؤلفا من 100 قصة، من 100 كلمة. استهوتني خطة العمل كثيرا فلم يستغرق مني الكتاب أكثر من بضعة أيام، ونشرت القصص في مطبوع أعطيتُه عنوان أحب قصة إلي، وتحكي عن مشاعر اليوم الأخير في حياة المحكومين بالإعدام، وكيف يكون حالهم في النوم واليقظة، وكل هذا في100 كلمة فقط. كان متحف الكلمة في إسبانيا يقيم مسابقة للقصة القصيرة جدا، برعاية ملك إسبانيا خوان كارلوس، وفي نسخة المسابقة الرابعة عام 2020 اشتركتُ بنصين قصيرين، ومعي حوالي 50 ألف كاتب من أكثر من 200 بلد، باللغات الأربع التي يرعاها متحف الكلمة؛ العربية والإنكليزية والإسبانية والعبرية. كان حظي أن تفوز القصتان من بين 300 مشارك، جُمعت أعمالهم في أنطولوجيا خاصة بالمسابقة في تلك السنة، وتم منحي لقب «سفير اللغة الإسبانية» رغم أني لا أنطق حرفا بهذه اللغة، إيمانا من القائمين بأمر متحف اللغة أن جذر اللغات، وإن اختلفت أشجارها واحد. لكل أمة أدبها الخاص، وفائدة القصة لا تقتصر على الترفيه الجماعي، لأن المرء عندما ينهض بلغة قومه، فهو يخطو باتجاه تهذيب الذوق العام، وتنتقل هذه الخدمة الجليلة، عن طريق الالتحاق مع الفعل الإنساني العام، إلى جميع اللغات. في شهر أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام بلغتني شهادة من إدارة المتحف باللغة الإنكليزية، مع رسالة بالعربية أنقل لكم صورتها كاملة:
«من: «Fundación César Egido Serrano» <[email protected]»
إلى: حيدر المحسن
الموضوع: سفير اللغة الإسبانية في بلدك
Este email contiene gráficos، si no lo puede leer، véalo en su navegador.
صديق عزيز،
نظرا للاهتمام والاعجاب اللذين أظهرتهما لنا في السنوات الأخيرة بالنسبة إلى اللغة الإسبانية، والحماس في إيقاظ حب لغتنا في بلدك. وافقت مؤسسة
متحف الكلمة في الجلسة العامة على تسميتك سفيرا للغة الإسبانية في بلادنا لهذا العام.
يرسل لك في ما بعد عنوان وموعد المقابلة».
لم أطلع على كتاب الأنطولوجيا الذي ضم قصصي، لكنني أراها في الحلم أحيانا، بحرفها العربي الجميل، وقد صار جزءا من الشريان الذي يغذي العالم بأسره، وينقل إلى الشعوب شيفرة شاركتْ فيها أربع أمم. هي نوع من اشتراكية الروح الإنساني العام بواسطة الأدب، وهي وعد الفن الأكيد باكتشاف المادة التي سوف تتشكل منها أرواحنا في الزمان المقبل.
إن فن القص ليس مسألة صنعة، وإنما تخيل وطاقة حيوية وقدرة على التحليل، ويتطلب من القاص أن يحفر في أقسى أنواع الصخر، كي تكون لغته دقيقة وممتلئة بالمعنى، من أجل رفع تأثيرها الفني إلى أقصاه، ويشبه النقاد السرد القصصي بالشيك المصرفي، إشارة واحدة زائدة فيه أو ناقصة تكفي لبطلانه. أنقل للقارئ في نهاية المقال القصتين الفائزتين في مسابقة متحف الكلمة:
أم حنون
ربما نعست الزبونة من إيقاع دق العجوز في الهاون أعواد البخور الذي يحمل اسمها، بخور أم حنون، تعبئه وتبيعه في دكانها. ورغم أن قصة ابنها مشهورة في المدينة، لكن على المرأة أن تسمعها حتى النهاية. حين يسكت الهاون، تتكلم العجوز:
«زرتهم بالأمس ولم يكن لديهم عشاء. أعطيته خمسة آلاف دينار ليشتري الخبز والشاي والخضروات».
ثم عادت العجوز تدق في الهاون، تقلل بهذه الطريقة آلامها. أكملت بعد ذلك:
«راتبه يبدده على القمار والعرق. هل يعقل أحد أني أعيله مع زوجته وأطفاله، وفوق ذلك يشتمني ويطردني من البيت؟».
في كل مرة تذكر العجوز الخاتمة، يجُن الهاون، وتنقلب محتوياته على الأرض.
مخالب
يمضي السجناء في أغلالهم إلى الساحة. الغِل يجعل الإنسان أعمى، وأكثر. كانت الشمس ساطعة ورائحة الأشجار خلف الأسوار قوية. كان كل شيء دون جدوى؛ الصلوات التي قام بها الأهل، والوعود والآمال التي نطق بها المحامون والعرافون، ليتعالى بكاء الأب والأم في الدقائق الأخيرة. وعاد السجناء، في أغلالهم، إلى عنابرهم المعتمة.
أولئك الذين لا يبالون بالموت قليلون. إنهم يحدقون فيك دون أن ترف جفونهم، ويقولون: «ما هو الموت، بل ما هي الحياة أصلاً؟». هل كانوا يحملون في قلوبهم مخالب أسد حديدية؟ اليوم هو الأخير، وها هم يعيشون حياة حقيقية وفعلية. يأكلون بمرح. وسوف ينامون عند الظهيرة، وينامون في الليل. أنا متأكد.
كاتب عراقي
مبارك مرة أخرى للكاتب على لقب “سفير الإسبانية”! والآن، بصفته الممثل الثقافي الجديد للغة، نود أن نطرح عليه سؤالًا مهمًا يشغل بال عشاق Telenovelas في كل مكان: ما سبب تراجع المسلسلات اللاتينية أمام نظيراتها التركية؟ هل هو بسبب الفقر المفاجئ في قصص الحب المليئة بالدموع والخيانة، أم أن الجمهور بات يفضل البطل الذي لا يكتفي بمشهد واحد بدون خلفية موسيقية ملحمية من إسطنبول؟ نأمل أن سفيرنا الجديد سيجد لنا حلاً سريعًا لإعادة المجد إلى Telenovelas اللاتينية، فالعالم لا يحتمل المزيد من قصص “سليمان” و”نور” بينما “ماريا” و”خوان” ينتظران بفارغ الصبر للعودة إلى الشاشة!
ولنكون أيضا صادقين، في عصر المسلسلات الدرامية التي تجذب المشاهدين أكثر من أي كتاب قديم، لا يمكننا أن نغفل الحقيقة: الكتب لم تعد الحامل الأهم والأوحد لأي ثقافة أو لغة! و يبدو أن البكاء في المسلسلات الدرامية يحقق انتشارًا أكبر من التراجيديات الأدبية. فبينما يعكف الكتّاب على صياغة قصصهم في فصول طويلة، نجد أن البطل في المسلسل الدرامي قادر على جذب ملايين المتابعين في حلقة واحدة فقط..
سيدي الكاتب، بما أنك سفير اللغة الإسبانية، لدي اقتراح يليق بمقامك الرفيع وقد يرفعك إلى منصب ديبلوماسي أعلى! ما رأيك أن تدعو صانعي Telenovelas اللاتينية لفتح آفاق جديدة لأعمالهم عبر نقل جزء من أحداث مسلسلاتهم إلى لبنان أو دول الشام بعد أن تضع الحرب أوزارها هناك؟ بالطبع سيتأتى ذلك عبر إدماج شخوص لاتينيين من أصول مهاجرة شرق أوسطية في هذه الأعمال، حيث تعود لتكتشف جذورها، ومعها ستختلط الدراما اللاتينية مع التعقيدات الثقافية والدينية وحتى السياسية المشرقية!
كما قد تعلم، دياسبورا الشرق الأوسط في أمريكا اللاتينية ليست بالعدد القليل، بل كثير منهم حقق نجاحات لامعة في السياسة والاقتصاد والثقافة، فلماذا لا تعكس قصصهم الدرامية على الشاشة؟ إدماج بلد مثل لبنان، بتنوعه الثقافي والديني والاجتماعي، قد يكون بالضبط ما تحتاجه Telenovelas لإعادة إحياء بريقها. يمكنها أن تضيف إلى ذلك التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة بين الحين والآخر، لتخرج تلك المسلسلات من دوامة التكرار إلى آفاق جديدة، مليئة بالتشويق والإثارة…(تتمة)
…والكثيرون أيضا يعتقدون أن تلك النكهة الشرقية هي التي جعلت الدراما التركية تتفوق، فهي مطلوبة في كل مكان، من روسيا إلى إفريقيا، ومن الفلبين إلى أوروبا الغربية، بل وحتى في أمريكا اللاتينية نفسها! وربما السر في تلك اللمسة المحافظة التي تضفي جاذبية غامضة لا تتوفر في الأعمال اللاتينية التقليدية. وبما أنك، سيدي السفير، مقيم في المنطقة العربية، فقد يفيدك الاطلاع على تفضيلات السوق العربي فيما يخص الدبلجة. مراكز الدبلجة اللبنانية معروفة بجودتها وأصواتها المميزة، وربما تكون العربية خيارًا جيدًا لتقديم Telenovelas بحلة جديدة لعشاق الدراما هنا. فمن يدري؟ قد تكون هذه الوصفة السحرية التي تعيد لـ”ماريا” و”خوان” مكانتهم على الشاشة، وتمنحك أنت لقب “سفير الدراما العابر للثقافات”! صحيح أيضا أن هناك هوسا لهذه Telenovelas اللاتينية بالبحث عن مسرح أحداث في أمريكا، وخاصة ميامي! فهناك الشواطئ، السيارات الفارهة، وأحلام الهجرة… لكن، من يدري؟ ربما الحل كان أمامهم طوال الوقت، ويكمن في لبنان، الذي قد يتحول إلى “ميامي الشرق” بالنسبة لهذه المسلسلات.