يقدّم فيلم Hidden Figures مدخلاً أساسياً لفهم كيفية ولوج علم الفضاء الشاسع والواسع، عبر إزالة حدود وهمية يصنعها الإنسان عبر الجنس أو اللون والقومية وحتى اللغة، يقول الفيلم إن هذه الحدود هي مجرد عوائق تمنع البشر من النظر لصورة أكبر، هي أنهم كلهم جزء صغير وحقير من كون متسق ومتناسب بأرقام ومعادلات، لكل منها مكانها الفريد والصحيح بذاته، مهما كانت مكانته الاجتماعية ضئيلة.
الولايات المتحدة تقتحم الفضاء
عشرون امرأة سوداء، بذكائهن البارع ومؤهلاتهن العالية في العلوم الحسابية، ساهمن في نجاح الولايات المتحدة لتقتحم الفضاء وتنافس السوفييت في سباق التربع على عرش الولوج خارج الكرة الأرضية، فيما يمكن اعتباره خطوة صغيرة، ولكنها مقدمة لخطوات كبرى ستكون في مسيرة مستقبل البشرية، كي يحظى الإنسان فيما بعد بفرصة أكبر ليتعرف على المحيط الخارجي الشاسع اللامتناهي الذي خُلق ويعيش فيه.
كمية كبيرة من الفائدة التي يمكن أن تعود بالنفع على البشرية جمعاء، تغيب بفعل الاحتكار للعلوم وحجبها عن الآخر المختلف، نجد هذا واضحاً صريحاً حين تمنع ناسا والأمن القومي الأمريكي معلومات مهمة عن بعض موظفيها، بل عن العالم أجمع، يمكن القول إنها بدأت بتلافيها حين بدأت باستقبال علماء من شتى الجنسيات والقوميات للعمل لديها في مرحلة ما بعد تخطي نظام الفصل العنصري الأمريكي، مع بقاء فكرة الاحتكار ونسب الإنجازات لحضارة بعينها، هي الحضارة الأمريكية.
يضعك الفيلم في وارد التصور البالغ السوء، عن الضرر الذي يتسبب به نظام اجتماعي سياسي عنصري ومقدار الخسارة الكبرى التي تتسبب به للبشرية بأجمعها، إذا ما تم إهمال أو انتقاص مقدرة شخص ما على الإتيان بما يلزم ليفيد البشرية جمعاء وليس على نطاق قومي أو جغرافي، فقط لأنه من لون أو عرق أو جنسية أو قومية محددة.
يقدم كيفين كوستنر في مشهد تحطيم لافتة الفصل العنصرية، التي كانت تتطلب من موظفي ناسا السود للذهاب لمنطقة بعيدة كي يقضوا حاجتهم بالحمام، مدخلاً مهماً ليفتح الباب المغلق في التقدم العلمي اللاحق للأمريكيين على نظرائهم السوفييت -هذه الخطوة البراغماتية التي ألبست لبوس الخطوة الأخلاقية بالفيلم- لتلي الأداء المفعم بالحس والمشاعر للممثلة “تاراجي هينسون” في مشهد سابق تشكو فيها بكل ألم ممكن، الحالة التي أوصل فيها نظام الفصل العنصري حالها لتقضي وقتاً طويلاً في رحلة البحث عن حمام نسائي للملونين خارج أروقة “ناسا” للفضاء، حيث لا يمكن للإنسان أن يعطي أفضل ما لديه ليدفع البشرية خطوة في الفضاء، وهو بحاجة ليقضي حاجته وإفراغ مثانته في مكان مختلف عن أقرانه من أصحاب البشرة البيضاء، بالرغم من كونها لا تقل أهمية أو مكانة علمية من نظرائها البيض.
نظرية الانفجار الكبير
جيم بارسون يأخذ الدور الذي اشتهر فيه في مسلسله الشهير “نظرية الانفجار الكبير” عن كونه عالماً لامعاً وذكياً، ولكنه شديد النرجسية وكثير الغرور، وابن بيئته العنصرية في تلك الحقبة، بالإضافة لشيوع ظاهرة سرقة جهود الآخرين، لاختلاف التراتبية الوظيفية، عبر وضع أسماء أصحاب الإنجازات خلفهم، وبذا يكتمل عقد ضرب الخناق الذي تضربه منظومة آثمة وآبقة، آمنت أن هناك حدوداً ينبغي ألّا يتخطاها الملونون، ليتغير النظام في مرحلة لاحقة، تصل أن يطلق اسم الأمريكية السوداء على اسم مركز من المراكز الأساسية في وكالة ناسا.
كسر البرتوكول لامرأة تعايش واقعاً تمييزياً بالأصل لكونها امرأة، ومن ثم لأنها من عرق أسود، هو تحد مزدوج في عالم شديد التعقيد، في بيئة علمية ينبغي أن صاحب الإنجاز والموهبة لا يُعوّقه لون أو عرق أو قومية عن تقديم إسهامه بما يناسب لرفعة عالم المعرفة والكشوفات العلمية، فالعلوم بالنتيجة تقوم بناء على تجميع مجموعات متصلة أو منفصلة من حلول لأحاجي علمية تتراكم عبر الزمن، ومن ثم يتم تجميعها بشكل صحيح وفق نظام علمي يفكر بطريقة نمطية ينبغي أن تكون سليمة.
حلم الوصول للفضاء
يتلازم الفيلم مع أحداث تاريخية حول السباق بين القطبين السوفييتي والأمريكي عبر تسجيل الأسبقية والفوز بالألقاب الأكثر عدداً بغزو الفضاء والسيطرة عليه، لتفويت فرصة العدو لتحقيق ضرر مفترض عليه من الفضاء، أما حلم الوصول للفضاء فلم يكن لاستكشافه والبحث فيما ورائياته الغامضة، وتذوقاً لفرادة جماله، لقد كان سباقاً محموماً بالخوف من الآخر القوي، ولفرض إرادة “الأمة الأقوى” التي ستصل إليه أولاً قبل أي أمة أخرى.
أن تكون الأول من بني جنسك ولونك، وأن تكون الأول من حيث المكانة والمسؤولية، فتسمح لمن يعانون من الفصل الغليظ والمقيت، أن يكسروا حدوداً ظالمة جائرة، هذه الشخصيات تجعل من الحياة تعاود تعبيد طريقها لتكون أقل مشقة وأقل إرهاقاً لأولئك الذين يعانون من التمييز وضياع الفرص، التي تضيع بالنتيجة على عموم الإنسانية بالنفع، فيما لو تم إهمالها أو ركنها أو التعتيم عليها وعلى مجهوداتها وإسهاماتها في السياق العلمي أوالأدبي الإنساني.
يحتفظ الفيلم بإيقاع إثارة مستمر، من حيث ربط أحداث متلاحقة ببعضها بعضاً، سواء من حيث البنية التاريخية للعمل، المقترنة بالسباق المحموم بين دولتين تمتلكان أسلحة دمار شامل، تتصارعان على التربع على مستوى الإنجاز العلمي، يتصل ذلك درامياً بمستوى متسلسل صاعد خطياً لردم الفجوات الجمعية التي تسبب بها نظام الفصل العنصري على مستوى المجتمع الأمريكي ليصل لمرحلة “روح أمة” التي لا يحدها لون أو عرق، وكذلك على مستوى الإنجاز الشخصي للشخصيات الثلاثة، للسيدات ذات البشرة السوداء من أصحاب الشخصيات المهمشة، أو التي تم إخفاء حجم إنجازها في عمل جمعي غير مسبوق على مستوى البشرية وضع الخطوة الأولى للإنسان خارج الكوكب الأزرق.
النسوة الثلاثة اللواتي كن في الفيلم هن عينة عن التحدي الكبير الذي بدأت فيه الأنثى السوداء تشق فيه طريقها عبر شخصيتها وذكائها وقدراتها المتفوقة، وبالرغم من أن الفيلم يقدم صورة ختامية مبهجة ومفرحة، ولكن الوضع الحقيقي على أرض الواقع، وبعيداً عن كتابة سيناريو مضبوط الأحاسيس والمشاعر، قد يكون أكثر قسوة وأكثر إيلاماً على الروح البشرية التي ينتقص منها أبناء الوطن الواحد.
ختاماً، لا أعرف لماذا تجاهل الفيلم، هذه المعلومة الهامة- باعتباره رسالة اجتماعية تقدم صورة ينبغي تجنبها، أن الصواريخ التي حملت الأمريكيين للقمر كانت بتطوير فرق ألمانية، كانت الولايات المتحدة قد منحتها العفو وطي صفحة الماضي، بعد أن كانت تعمل بمشاريع النازيين، الذين كانت قوتهم الجوية، وهي التي دمرت مدناً وعواصم أوروبية، بعد خسارة ألمانيا الحرب مقابل الحلفاء، ضد خطط النازيين التوسعية والعنصرية، وكان لإسهام العلماء الألمان بالغ التأثير في حسم السباق بين السوفييت والأمريكان في غزو الفضاء، وقد كان على رأسهم العالم فيرنر فون براون، وشخصية كرواتية بالضفة المقابلة في الاتحاد السوفيتي، كان هو المسؤول الأكبر عن تطوير منظومة الصواريخ السوفيتية، وكانت النكتة الشائعة أن قمري التجسس الذين أطلقا على متن صواريخ حربية “أمريكية وسوفيتية” ذات تكنلوجيا ألمانية، كانا يتبادلان التحية باللغة الألمانية حين يلتقيان في الفضاء، وأن التقنية الألمانية هي من أوصلت القطبين المتنافرين للفضاء، أعتقد أن هكذا معلومة كانت لتكون متممة لفكرة الفيلم الأساسية عن فتح الباب في الإنجازات الإنسانية أمام الجميع، بدون استثناء.
كاتب سوري
أحسنت وأبدعت