صحيفة أمريكية: هكذا يبدو قتلُ مدينة بأكملها

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

هذا هو الوقت من العام الذي يُردِّد فيه كثيرٌ منا شعار “السلام على الأرض” بإجلال، ويعيدون بصدق عبارة “حُسن النية للجميع”. وربما يكون هذا أيضًا وقتًا مناسبًا لأن نُحاسب أنفسنا على إخفاقاتنا الجماعية، والأهم من ذلك، أن نحاول أن نفعل ما هو أفضل، وفق ما يقول نيكولاس كريستوف في مقال بصحيفة نيويورك تايمز.

ليست المشكلة فقط أن سوء النية والحرب يسودان في أماكن كثيرة، من غزة إلى مراكز احتجاز المهاجرين داخل الولايات المتحدة نفسها. المشكلة أيضًا أن قادتنا يكررون عبارات دينية منمّقة -أو يتحدثون عن الفوز بجائزة نوبل للسلام- بينما يبدون غير مبالين بفظائع مروّعة.

مرة أخرى، هناك أمثلة كثيرة. لكن ما يحدث الآن في السودان، الذي يُعدّ أصلًا أسوأ أزمة إنسانية في العالم، يبعث على اشمئزازٍ خاص. ميليشيا طالما وُجّهت إليها اتهامات بالإبادة الجماعية استولت على مدينة الفاشر الكبرى، ويُعتقد أنها ذبحت عشرات الآلاف من الناس هناك خلال الأسابيع الأخيرة.

كانت الفظائع متوقعة على نطاق واسع، وهي تتويج لسنوات من وحشيةٍ لا تتوقف. وقد مكّنها من ذلك شريكٌ للولايات المتحدة، هو دولة الإمارات. ومع ذلك، ففي عهدَي جو بايدن ودونالد ترمب، امتنعت الولايات المتحدة (إلى جانب دول أخرى) عن اتخاذ خطواتٍ جدية لوقف القتل والاغتصاب الجماعي.

إليكم ما حدث. ميليشيا سودانية تُدعى “قوات الدعم السريع”، والمدعومة من الإمارات، استولت على الفاشر في 26 أكتوبر، بعد أكثر من عامين من التحذيرات بأنها ستفعل ذلك. وتُظهر صور الأقمار الصناعية مقابر جماعية وأكوام حرق تشير إلى ذبحٍ ممنهج، وفقًا لمختبر ييل للأبحاث الإنسانية، الذي حلّل صور الأقمار الصناعية.

يقدّر ناثانيال ريموند، الباحث في الصحة العامة والمدير التنفيذي للمختبر، أن ما بين 30 ألفًا و100 ألف شخص ربما قُتلوا خلال ستة أسابيع، مع اعتبار 60 ألفًا نقطة وسطية مرجّحة. وقال لي إن هذا المعدّل من القتل لن يكون له نظير منذ إبادة رواندا عام 1994، مضيفًا أن حصيلة القتلى في الفاشر خلال أقل من شهرين قد تكون مماثلة لحصيلة غزة خلال عامين.

الفاشر، التي كان يسكنها نحو ربع مليون نسمة قبل وقت قصير من اجتياحها على يد الميليشيا، لا تزال مطوّقة ومعزولة، لذا يستحيل التحقق من حجم القتل. لكن من المتفق عليه على نطاق واسع أن شيئًا فظيعًا قد وقع هناك في الأسابيع الأخيرة.

نشر المهاجمون مقاطع فيديو لأنفسهم وهم ينفذون الإعدامات، وقدّر حاكم إقليم دارفور المحيط بالفاشر، مني مناوي، الذي يعارض “قوات الدعم السريع”، أن 27 ألف شخص قُتلوا في الأيام القليلة الأولى فقط. ووصف رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، توم فلتشر، الفاشر بأنها “في الأساس مسرح جريمة”. وحذّر مسؤولٌ أممي رفيع من أن “القتل الجماعي” و”العنف الجنسي على نطاق واسع” و”التعذيب” وغيرها من الانتهاكات في المنطقة تشير إلى احتمال وقوع إبادة جماعية. كما نقلت لجنة الإنقاذ الدولية تقديراتٍ تفيد بمقتل 60 ألفًا في الفاشر، وأشارت إلى مخاطر تكرار المجازر في منطقة أخرى من السودان، هي كردفان.

كل هذا لم يجذب إلا قدرًا ضئيلًا من الاهتمام، ولم يستدعِ أي ردٍّ جدي.

تمكّن بعض الناس من الفرار من الفاشر، وهم يروون قتلًا وفظائع أخرى. وأفاد المجلس النرويجي للاجئين بأن نحو 400 طفل بلا والدين وصلوا منهكين إلى بلدة طويلة القريبة، وفي كثير من الحالات بعد أيام من المشي عبر الصحراء.

وقالت نداء، وهي معلمة مرتبطة بالمجلس النرويجي للاجئين: “كثيرون شهدوا عنفًا مفرطًا قبل الفرار ويُظهرون علامات صدمةٍ حادة”. وأضافت: “بعض الأطفال لم يكن قادرًا على الكلام إطلاقًا عند وصوله”.

تُظهر صور الأقمار الصناعية الجديدة 150 تجمعًا لبقايا بشرية في الفاشر، إلى جانب خمس حُفر حرق استُخدمت لإحراق الجثث، بحسب ريموند. وحتى من الفضاء، يمكن رؤية بقع دم على الأرض.

وتكشف صور الأقمار الصناعية عن أمرٍ لا يقلّ شؤمًا: غياب الناس. الأسواق فارغة وقد غطّتها الأعشاب، وعربات الحمير اختفت إلى حد كبير، ونقاط التجمع التي كان الناس يجتمعون فيها عادة لجلب الماء أصبحت مهجورة. مدينة كبرى تبدو من الفضاء وكأنها مدينة أشباح.

وقال ريموند: “إذا كنت ستشاهد قتلَ مدينة، فهكذا يبدو”.

جرت عمليات القتل في الفاشر في سياق حربٍ أهلية في السودان ربما أودت بحياة 400 ألف شخص منذ أن بدأت القوات المسلحة السودانية و”قوات الدعم السريع” الاقتتال في عام 2023. لكن ثلاثة عناصر تبدو لي شديدة الفظاعة على نحو خاص فيما يتعلق بالفاشر.

أولًا، اقتربت الولايات المتحدة أكثر من الإمارات حتى فيما كانت الإمارات تسلّح وتجهّز “قوات الدعم السريع”. (تنفي الإمارات دعم الميليشيا، لكن عمليًا لا يكاد أحد يأخذ ذلك على محمل الجد).

ثانيًا، وجّهت الميليشيا قتلَها الجماعي واغتصابَها الجماعي ضد أفرادٍ من عدة قبائل أفريقية سوداء. “لا نريد أن نرى أي شخص أسود”، هكذا قال قائدٌ في الميليشيا وهو يجمع كل الذكور فوق سن العاشرة في إحدى القرى ثم أعدمهم، وفق ما روته لي ناجية العام الماضي. وقد وصفت إدارتا بايدن وترامب ما حدث في السودان بأنه إبادة جماعية، لكن أيًا منهما لم يكن مستعدًا لأن يوجّه اتهامًا علنيًا للإمارات ويمارس ضغطًا عليها.

أعرب ترامب مؤخرًا -بتشجيعٍ من السعودية- عن اهتمامه بمحاولة إحلال السلام في السودان. هذا أمر مرحّب به. لكن عائلته بدأت مشاريع تجارية جديدة هائلة مع الإمارات، وأخشى أن تكون هذه قد اشترت تواطؤه. وتحيةٌ على الأقل لأعضاء في الكونغرس مثل السيناتور كريس فان هولن الذين يدفعون نحو وقف نقل الأسلحة إلى الإمارات ما دامت تمكّن هذه الفظائع.

ثالثًا، وبمعنى أوسع، تمثل عمليات القتل في الفاشر انهيارًا كاملًا للنظام الدولي الذي أُنشئ للاستجابة للإبادة الجماعية والفظائع الجماعية. فعلى مدى عقود، كرر المسؤولون بوجهٍ كئيب عبارة “لن يتكرر ذلك”، وأنشأوا مبادئ مثل “مسؤولية الحماية” وآليات مثل “مجالس منع الفظائع”، لكن كل ذلك يبدو لي مجرد واجهة شكلية.

إن مجازر الفاشر من أكثر المذابح المتوقعة سلفًا في تاريخ الفظائع. ومع ذلك، لم يجعلها أحد، من قادة العالم إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، محورًا ذا أولوية كافية.

قد لا نعرف أبدًا الحصيلة الدقيقة للقتلى في الفاشر، لكن ينبغي أن نعترف بها بوصفها فشلًا جماعيًا للحضارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية