صيحات استهجان الجماهير «فشة خلق»؟

صيحات الاستهجان في مباريات كرة القدم جزء لا يتجزأ من اللعبة، فلطالما كانت تطلق من المدرجات على لاعبي الفرق المنافسة والحكام، واليوم أصبحت تطلق على لاعبي الفريق الذي تشجعه، وأصبح أمرا طبيعيا.
في كل أسبوع تسمع هذه الصيحات، حتى أنها قادت الى اقالة مدربين مثل شابو ألونسو من قيادة ريال مدريد وتوماس فرانك من قيادة توتنهام، لكن بالنسبة للاعبين والحكام، هذا ما اعتادوا عليه. لكن هل يُكثر المشجعون من الاستهجان لفريقهم ومدربهم هذه الأيام؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا؟
شهدنا هذا الموسم أمثلةً بارزةً في الدوري الإنكليزي، آخرها حالة فرانك الذي كان هدفا لاستهجان جماهير توتنهام الساخطين، وقال قبل إقالته التي بدت حتمية، بعدما فاز توتنهام في مباراتين فقط من آخر 17 مباراة في الدوري، أنه يتفهم إحباط الجماهير «وأتفهم أيضًا أن أسهل شيء هو توجيه اللوم ليّ.»

فرانك ليس الوحيد. فتعرّض مدرب ليفربول آرني سلوت ولاعبوه لمعاملة مماثلة في بعض الأحيان هذا الموسم، وإن كان من عدد أقل بكثير من الجماهير. وفي حين نشاهد الأمر ايضا في الدوري الاسباني، لكن هذه الصيحات امتدت حتى الى مباريات السيدات.
ويتذكر نجم مانشستر يونايتد السابق وين روني، الذي تصدّر عناوين الصحف عام 2010 بعد انتقاده لجماهير إنكلترا بسبب استهجانهم للمنتخب، أنه تعرّض للاستهجان كثيراً خلال مسيرته. وقال: «لطالما كان هذا موجوداً. من الطبيعي أن تكون للجماهير آراؤها، وأحياناً تكون معك وأحياناً ضدك. ربما ازداد الأمر قليلاً الآن مع ازدياد عدد كاميرات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف التي تُصوّر من المدرجات. من الواضح أنه إذا تعرّض لاعب أو عائلته للإساءة في الملاعب، قد يصبح الأمر أكثر خطورة، لكنني عموماً أرى أن الاستهجان أمر طبيعي.»
ويقول زميله السابق في المنتخب جو هارت أن الاستهجان «ربما أثّر عليّ في ذلك الوقت. لكنني لا أعاني من أي آثار نفسية بسببه، هذا كل ما في الأمر. كنتُ مُركزا تمامًا على ما أفعله، لذا لم يُؤثر التصفيق أو الاستهجان على أدائي في المباراة». ويتذكر داني ميرفي، لاعب خط وسط ليفربول وتوتنهام وفولهام السابق، لحظات صعبة خلال مسيرته. ويشرح قائلا: «في فولهام، عندما كنا نُصارع الهبوط، كثرت صيحات الاستهجان. عليك أن تعتبرها تحديا. عليك أن تُريد التغلب عليها بدلًا من الاستسلام لها والسماح لها بالتأثير عليك واستنزاف طاقتك وبث الخوف في لعبك. لطالما شعرتُ أن التغلب على هذا التحدي، والسعي للأفضل، أمرٌ يتطلب جهدًا. أعتقد أن من واجبك، وأنت تلعب في الدوري الإنكليزي الممتاز وتصل إلى هذا المستوى، أن تفعل ذلك. جميعنا نستمتع بهتافات الجماهير عند تسجيل هدف الفوز أو عند فوز الفريق، لا يمكننا الاكتفاء بأحدهما دون الآخر».
لكن يبقى الأهم: لماذا نستهجن في المقام الأول؟ ويكمن الجواب في آلاف السنين من التطور البشري، حيث يرى ستيفن سميث هو رئيس قسم علم النفس الرياضي والتمارين في الجمعية البريطانية لعلم النفس، أننا كائنات منطقية وعقلانية في قمة التطور، لكن هذه ليست طبيعتنا. 85-90% من قرارات البشر غير عقلانية وغير منطقية، ومدفوعة بالعاطفة بشكل كامل.»
عندما يطلق المشجعون صيحات الاستهجان، فإنهم يصدرون صوتا عميقا يهتز في العظام، ما يعني أنه صوتٌ جهوريٌّ عميق. إنه يشبه صوت حيوانٍ يصطاد، ويصل إلى أعماقنا. وتنتقل المشاعر بين الجماهير بشكلٍ لا مثيل له. المشاعر مُعدية. يكفي أن يبدأ شخصٌ أو اثنان في إطلاق صيحات الاستهجان، وإذا بدأ غيرهم بذلك، فإنك ترغب في الانضمام إليهم.
وعندما يتدخل الجزء العاطفي من الدماغ يقول سميث: «حسنًا، أريد أن أعبر عن مشاعري، فالجمهور من حولي يفعل ذلك، لذا سأنضم إليهم». الاستهجان هو السلوك الأكثر طبيعية للتعبير عن الاستياء. ويعتقد سميث أيضا أن العلاقة النفسية بين الأندية والمشجعين قد تغيرت. ففي السابق، كان هناك شبه اتفاق ضمني بين المشجعين والنادي. كانوا يريدونك أن تحضر وتدعم الفريق، وترتدي ألوانه وفانلته وتشجع اللاعبين، لكنهم لم يكونوا ليُحمّلوك تكاليف باهظة، ولن تتكلف في دفع نفقات كبيرة، أما اليوم، فقد غيّرت الأندية هذا النموذج، وانهار ذلك العقد النفسي بين النادي والمشجعين. اليوم تقول إدارات الأندية: سنعاملك كأي زبون آخر، كل ما يهمنا هو ما في جيبك، ولا يهمنا ولاءك للنادي».
لكن هل هناك ما يُبرر إطلاق صيحات الاستهجان على فريقك ومدربك؟ نعم، ففي النهاية كرة القدم هي لعبة عاطفية، ووسيلة لتفريغ شحنات مكبوتة، ربما تعجز عن تفريغها خلال مسار حياتك اليومية، لتكون مدرجات الملعب ببساطة الوسيلة المثلى لتفريغ شحنات هذه الطاقة، اما احتفالا بانتصار فريقك أو استهجانا بخسارته، وفي النهاية مثلما يقول اللبنانيون هي «فشة خلق».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول زياد:

    حتى في البرلمان البريطاني يصرخون ‘Hear, Hear’ بنفس الطبقة الصوتية لمشجع مخمور في الدرجة الثالثة.

اشترك في قائمتنا البريدية