غزة… خطط إسرائيلية للحرب والتهجير وواقع إنساني أليم

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»:vلا يزال سكان قطاع غزة يتجرعون واقعا مريرا، بسبب سياسات الاحتلال التي لا تزال قائمة على تنفيذ المخططات العسكرية الرامية لجعل قطاع غزة مكانا غير صالح للسكن، في مخالفة واضحة لتفاهمات التهدئة والجهود التي تبذل حاليا من الوسطاء، فعمليات القتل اليومية لا تزال مستمرة على واقع أليم يترافق مع تشديد الحصار الذي يطال الماء والغذاء والدواء، وينذر بكوارث بيئية خطيرة، بسبب أمراض النزوح.
وتؤكد تقارير محلية ودولية رصدت الواقع الأليم في غزة، أن الواقع يتجه إلى الأسوأ، في ظل اتساع حجم المشاكل ومخاطرها على أكثر من مليوني مواطن، بينهم أطفال وكبار سن ومرضى وجرحى، الذين يعانون من حرب وتبعات لا يمكن تحملها من أي بشر.

ستار التهدئة يخفي الفظائع

لا تعدو التهدئة الهشة القائمة، سوى ستار تقتل خلالها إسرائيل المئات وتواصل سياسات التدمير الممنهجة لكل أسس الحياة في غزة، حتى أنها لا تزال ترفض تنفيذ أي برامج إغاثية حقيقية للسكان، وتستمر في سياسة تنقيط المساعدات، التي تهدف بالأساس إلى قتل الغزيين بشكل بطيء.
وزارة الصحة الفلسطينية في آخر الإحصائيات إلى أن عدد الضحايا منذ بدء العمل في اتفاق وقف إطلاق النار يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي بلغ 1.027 شهيد، وإجمالي الإصابات 3.280 مصاب، فيما جرى انتشال 785 شهيدًا، لترتفع حصيلة حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر 2023، بلغت 73.039 شهيد 173.388 إصابة، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة.
فيما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في آخر الإحصائيات، أن قوات جيش الاحتلال ارتكبت 3338 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، نجم عنها العدد الكبير في عدد الشهداء والمصابين، وأوضح أن قوات الاحتلال اعتقلت منذ بدء العمل بالاتفاق 100 مواطن من غزة.
وعندما تطرق إلى ملف المساعدات الإنسانية، أوضح أن ما دخل قطاع غزة بلغ 54.023 شاحنة فقط من أصل 150.600 شاحنة كان يفترض دخولها، بنسبة التزام لم تتجاوز 36 في المئة، وليوضح أن ما من سمح لهم بالسفر كان 7.417 مسافر فقط من أصل 20.600 مسافر كان يفترض تمكينهم من السفر منذ أن تم الاتفاق على فتح معبر رفح البري، بنسبة التزام بلغت 36 في المئة.
وأدان المكتب بأشد العبارات سياسة الاحتلال المنهجية في استهداف وإبادة الشعب الفلسطيني، وحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وطالب في ذات الوقت من الوسطاء والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، بإلزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود الاتفاق ووقف انتهاكاته المتواصلة.
هذه التقارير المحلية ترافقت مع أخرى دولية حذرت من مخاطر كبيرة تواجه سكان قطاع غزة، بسبب سياسات إسرائيل التي تواصل الهجمات الدامية والحصار على غزة، وكان من بين الإنذارات تلك التي أطلقتها منظمة «اليونيسف»، حين قالت إن وقف إطلاق النار في غزة تحول إلى «وهم قاس ومميت» بالنسبة للأطفال، الذين يواصلون دفع الثمن الأغلى للوضع في القطاع، حيث قتل 265 طفلا فلسطينيا منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار.
الناطق باسم المنظمة الأممية جيمس إلدر، أكد فيه أنه خلال هذه الفترة، «التي يفترض أنها تتسم بضبط النفس والحماية، قتل طفل واحد في المتوسط، كل يوم، على مدار أكثر من ثمانية أشهر»، واصفا ذلك الرقم بأنه «عبثي ومروع»، وقد أشار أيضا إلى أن الأطفال لم يقتلوا في منطقة حرب، بل «قتلوا في منازلهم، وفي مدارسهم، وأثناء لعب كرة القدم أو صيد الأسماك، حيث تعرضوا لإطلاق النار والقصف والهجمات بالطائرات المسيرة».
وعن الواقع الأليم في ظل التهدئة الهشة يصف هذا المسؤول الدولي الواقع بالقول «بينما يواصل العالم الحديث بلغة وقف إطلاق النار، تواصل العائلات في غزة دفن أبنائها وبناتها، ومع ذلك، إذا كان هناك طفل يقتل كل يوم، فمن المؤكد أن النقاش لم يعد يدور حول طبيعة وقف إطلاق النار أو جودته، بل حول مصداقية وصف الوضع بأنه وقف لإطلاق النار من الأساس»، وليؤكد في وصفه عمليات القتل أنه «إذا عطس المرء بالقرب من الخط البرتقالي، فقد يتعرض لإطلاق نار»، مشيرا بذلك إلى «الزحف المستمر» لما تسميه إسرائيل حدود الاحتلال المتمثلة في «الخط الأصفر» و«الخط البرتقالي».

واقع أليم

وفي هذا السياق أيضا، حذرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، من أن الأطفال الفلسطينيين باتوا يواجهون تراجعا متزايدا في الحماية، وحثت المجتمع الدولي على استخدام جميع الوسائل المتاحة لمحاسبة السلطات الإسرائيلية على الهجمات وأعمال القمع التي تستهدف المدافعين الفلسطينيين عن حقوق الإنسان، وعلى إعطاء الأولوية لحياة الأطفال الفلسطينيين وحقوقهم.
وفي هذا السياق، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، من جديد أن المدنيين ما زالوا يتعرضون لغارات جوية ونيران السفن وقصف وإطلاق نار في المناطق السكنية، وعندما نقل عن شركاء الأمن والسلامة إفادتهم، أشار إلى وقوع مثل هذه الحوادث خلال عطلة نهاية الأسبوع في جميع المحافظات، لا سيما غرب ما يُسمى «الخط الأصفر» في قطاع غزة.
وحذر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية وهو يتحدث عن الواقع الأليم، من أن الوقود في غزة أيضا لا يزال محدودا، وأنه نتيجة لذلك اضطر الشركاء في القطاع الإنساني داخل غزة، خلال الأسبوع الثاني من شهر حزيران/يونيو، إلى إعطاء الأولوية لتوزيع الوقود على الخدمات المنقذة للحياة، وتعليقه عن الخدمات الأقل أهمية.
وكانت الأمم المتحدة وشركاؤها حذروا مرارا من أن الصراع خلف آثارا إنسانية كارثية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وما تزال الأزمة مستمرة رغم التحسن الطفيف، وأنه على سبيل المثال، لا يوجد أي مستشفى يعمل بكامل طاقته في غزة حتى الآن، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، في حين حذرت «اليونيسف» من أن الحصول على المياه لا يزال صعبا بالنسبة لـ 1.1 مليون طفل، كما حذرت «أوتشا» من استمرار مشاكل رئيسية أخرى من دون حل في غزة بسبب تأخير وصول المساعدات أو منعها، ومن أبرزها تراكم كميات هائلة من النفايات الصلبة.
هذا الواقع الأليم ترافق مع استمرار الهجمات الحربية، فلم تسلم المناطق البعيدة عن «الخط الأصفر» من الهجمات، حيث تعمد الطيران الإسرائيلي العسكري شن العديد من الغارات الدامية التي أوقعت ضحايا، كان من بينهم طالبة ثانوية عامة خلال ذهابها للتقدم للامتحانات النهائية، إلى جانب أطفال آخرين كانوا ضحايا الغارات الدامية، فيما واصلت قوات الاحتلال هجماتها العنيفة بالقصف والتدمير على المناطق الواقعة أيضا خلف «الخط الأصفر»، الآخذ بالتمدد، ضمن خطط إسرائيل الرامية لجعل القطاع منطقة غير قابلة للحياة، واحتلاله بالكامل بعد دفع سكانه للهجرة القسرية.

خطط الاحتلال والتهجير

وفي هذا السياق، كشف تقرير عبري أن الجيش الإسرائيلي وسّع ما يسميه «السيطرة العملياتية» داخل قطاع غزة إلى نحو 70 في المئة من مساحة القطاع، في وقت تستعد فيه قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش لعدة سيناريوهات ميدانية خلال المرحلة المقبلة. التقرير الإسرائيلي أوضح أن تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى إمكانية اتساع رقعة السيطرة الإسرائيلية داخل قطاع غزة خلال الأشهر المقبلة، وذلك في ظل اتهامات إسرائيلية لحركة حماس بـ «المماطلة» في تنفيذ الاتفاق، ومواصلة إعادة ترتيب صفوفها ميدانيًا، وتجنيد عناصر جديدة، والاستعداد لاحتمال تجدد القتال.
وأشار التقرير إلى أن تقييمات الجيش الإسرائيلي للوضع في غزة، تهدف، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى التعامل مع سيناريوهات مختلفة، من بينها التحضير لهجمات، ومتابعة قوائم لشخصيات تقول إسرائيل إنها مرشحة للاستهداف، إضافة إلى التعامل مع تجمعات ميدانية تعتبرها تل أبيب تهديدًا فوريًا، سواء عبر عمليات برية أو ضربات جوية، موضحا أن الجيش الإسرائيلي يرسخ حاليا وجوده في داخل مناطق واسعة من قطاع غزة، رغم التحذيرات الفلسطينية المتكررة من مخططات تهدف إلى تكريس الاحتلال، وفرض وقائع ميدانية جديدة تحت عناوين أمنية وإنسانية.
وترافق ذلك مع كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، قيام رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجديد، شموئيل بن عزرا، بعقد اجتماع طارئ ضم ممثلين عن الجيش ووزارة الأمن و«الموساد» و«الشاباك» لبحث ما يسمى «تشجيع الهجرة الطوعية» من قطاع غزة.
وجاء الكشف عن هذه الخطط في ظل استمرار وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار تحركاتهم من أجل تطوير الاتفاق، ومنع تفجر الأوضاع من جديد، ما يؤكد مضي إسرائيل في خططها الحربية، وعدم قبولها ما يتم طرحه من الوسطاء، وهو أمر دفع بالفصائل الفلسطينية المشاركة في مفاوضات التهدئة، للتشدد في مطلبها القاضي بضرورة أن يتم أولا تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وضرورة ربط عملية «حصر سلاح المقاومة» بالانسحابات الإسرائيلية من قطاع غزة، وقد ضمنت مطالبها هذه في ردها المفترض أن يقدم إلى نيكولاي ملادينوف الممثل السامي لـ «مجلس السلام» بعد تلقيها مؤخرا منه تعديلات على خطته السابقة لتطوير الاتفاق.

تحذيرات
المقاومة

أعلن طاهر النونو، مستشار رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، أن الاحتلال أعاد المفاوضات إلى نقطة الصفر وقدم ورقة جديدة تراجعت بها عن النقاط التي تم التفاوض عليها سابقا، وأوضح في تصريحات نقلتها قناة «الأقصى» التي تديرها الحركة، إلى أن التزام الاحتلال بالاتفاقات لا يتجاوز 20 أو 30 في المئة، بينما تظل التزامات الفصائل شبه كاملة، مؤكدا أن الاحتلال لم ينفذ استحقاقاته ويسعى من خلال الضغط الإنساني لإقامة واقع جديد.
النونو في تصريحاته أشار إلى أن موقف حركة «حماس» كان واضحًا بضرورة استكمال المرحلة الأولى من المفاوضات، والتي تشمل الانسحاب من غزة، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، مشيرا إلى أنه بدلا من ذلك تقدم الاحتلال إلى نسبة 9 في المئة بعد «الخط الأصفر»، الذي أطلق عليه الخط البرتقالي، وأكد أن «حماس» لن تدخل في مفاوضات المرحلة الثانية من دون تنفيذ المرحلة الأولى، كاشفا أن حركته تلقت ثلاثة عروض من مجلس السلام منذ 14 نيسان/إبريل، وأنه جرى تعديل الورقة الأولى لتتناسب مع مواقف «حماس»، وتم الرد على الورقة الثانية في أيار/مايو، وأشار إلى أن الوسطاء أشادوا بموقف الحركة، لكن الاحتلال أعاد الأمور إلى المربع الأول، وقال إن الوسطاء وملادينوف أشادوا بموقف الحركة واعتبروه «موقفاً متقدماً جداً»، وجرى التوافق معهم على غالبية البنود، قبل أن يعيد الاحتلال الأمور إلى المربع الأول.
وأشار إلى أن الاحتلال يسعى إلى «تفكيك عناصر قوة الشعب الفلسطيني من خلال المناقشة حول السلاح والأنفاق والمخازن، ويريد إنهاء مشروع المقاومة وزعزعة دور الفصائل»، موضحا أن الفصائل وافقت على تسليم السلاح الثقيل للجنة الإدارية في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال.
وعن هذا يقول حازم قاسم المتحدث باسم «حماس» إن ملادينوف «ما زال يتعامل مع الملف من منظور أسير للرؤية الإسرائيلية، وهو ما انعكس على المقترحات التي قدمها خلال لقاءاته الأخيرة»، وأوضح قاسم أن «حماس» والفصائل الفلسطينية عقدت خلال الأسبوع الماضي لقاءات مكثفة مع الوسطاء لبحث آليات تنفيذ خطة السلام في قطاع غزة، مبيناً أن هذه الاجتماعات أسفرت عن التوصل إلى «توافقات مهمة» مع الدول الوسيطة الثلاث (مصر وقطر وتركيا)، بشأن مختلف المسارات المتعلقة بتطبيق الاتفاق.
وأشار قاسم إلى أن زيارة ملادينوف إلى القاهرة وعقده اجتماعات مع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، «شهدت طرح رؤية لا تتطابق مع التفاهمات التي تم الاتفاق عليها مسبقاً مع الوسطاء»، لافتا إلى أن هذ الأمر «أدى إلى تعقيد المشهد وأعاق الوصول إلى اتفاق نهائي في ذلك الوقت»، متهما ملادينوف بأنه ما زال يتعامل مع الملف «من منظور أسير الرؤية الإسرائيلية».
وأكد أن العودة المتكررة للحديث عن تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة بالتزامن مع تصعيد العدوان العسكري وتشديد الحصار وتدمير مقومات الحياة الأساسية «تكشف عن مؤشرات خطيرة لا يمكن تجاهلها وتثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف التي يسعى الاحتلال إلى فرضها على الأرض».
وفي بيان أصدرته الحركة، أكدت فيه أن ما يعيشه سكان غزة من تفشّي الجوع والفقر، وانهيار المنظومة الصحية، وتدمير مرافق المياه والصرف الصحي، وتفاقم الأوضاع البيئية والمعيشية، وتعطّل العملية التعليمية، وازدياد معاناة الأطفال والنساء وكبار السن، «يؤكد مواصلة الاحتلال استخدام التجويع والحرمان والتدمير الممنهج أدواتٍ لاستكمال عدوانه بحق أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة»، وشددت على أن إنقاذ قطاع غزة لن يتحقق بالمواقف والبيانات وحدها، وإنما بإجراءات عملية تُنهي العدوان والحصار، وتمكّن الشعب الفلسطيني من العيش بحرية وكرامة على أرضه، وتضع حدًا لهذه الجريمة المستمرة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية