في كيفية وقف الحرب في السودان

مرة أخرى، القوى المدنية والسياسية السودانية هي وحدها المؤهلة لاجتراح الرؤية والمبادئ التي على ضوئها يمكن أن تلتئم أي عملية تفاوضية لوقف الحرب، والتي بموجبها يمكننا أن نضع أسس عدم تجدد الحرب أو إعادة إنتاج الأزمة. كما أن التوافق حول هذه الرؤية وهذه المبادئ هو الأساس لانتظام القوى المدنية والسياسية السودانية في منبر يوحدها أو ينسق فيما بينها.
كنت في مقالي السابق قد اقترحت على مجموعات القوى المدنية والسياسية أن تركز على قضايا ومكونات الرؤية والمبادئ بدلا عن هدر الوقت في البحث عن الصيغ والأشكال التنظيمية لكيفية توحد هذه القوى، وأن تنتظم في حلقات نقاش تسعى للتوافق حول هذه القضايا والمكونات من خلال الإجابة على الأسئلة المتعلقة بكيفية وقف الحرب ومخاطبة تداعيات ما بعدها.
وفي المقال ذاته طرحنا السؤال الأول المتعلق بطبيعة الحرب الدائرة في البلاد، وحاولنا الإجابة عليه من وجهة نظرنا الخاصة، فقلنا إن السبب الحقيقي وراء اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا يمكن اختزاله في الخلاف حول الترتيبات العسكرية ومواقيت دمج القوات الثانية في الأولى. فهناك الكثير الذي يجمع بين الطرفين مما يجعل الخلاف حول الترتيبات العسكرية ودمج القوات أمرا يمكن معالجته بكل بسهولة. وقلت إن الحرب لم تندلع بسبب الخلافات حول الاتفاق الإطاري ومشروع الدستور المقدم من نقابة المحامين، وإنما اشتعلت لتحرق الاثنين ومعهما مجمل العملية السياسية الجارية آنذاك قبل الحرب، ولتحرق حراك الشارع وتصيبه بالشلل، تمهيدا لحرق ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، وعودة تحالف الفساد والاستبداد إلى سدة الحكم.
وعلى المستوى العام، أشرت إلى أن هذه الحرب اندلعت كأحد أشكال تجليات الأزمة العامة المزمنة في البلاد منذ فجر استقلالها، حيث الفشل في إنجاز المهام التأسيسية لبناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية، والفشل في إدارة التنوع. ولكن، تتسم الحرب الراهنة بخصائص وسمات نوعية عنوانها تدمير البلاد وحرقها، وربما تقسيمها إلى دويلات استجابة لمخططات مدروسة. واليوم نكمل إجابتنا على هذا السؤال، ثم نواصل في المقالات اللاحقة طرح الأسئلة وإجاباتها.
ولعل حرب الخامس عشر أبريل/نيسان 2023 تجسد دخول السودان فعليا في مسار مرحلة اللادولة. فمن ضمن ارتباطاتها وآثارها التدميرية، أن الحريق المشتعل أصلا في البلاد، ازداد اشتعالا في دارفور، مثلما ازداد اشتعاله في ولايات كردفان، وليس بمستبعد أن تتأجج نيرانه غدا في ولايات النيل الأزرق، قبل أن تمتد ألسنته إلى كل أطراف البلاد، والتي هي أصلا مهيأة لذلك بحسب التوترات المستوطنة فيها. ووقتها ربما نسمع بمصطلح «السودنة» على وزن مصطلح «الصوملة» كتعبير عن حالة توسع وانتشار الاقتتال الأهلي بين كل مكونات البلد وعلى مجمل مساحتها، وعن حالة الهروب الكبير لمئات آلاف السودانيين بحثا عن الأمان خارج الحدود، بعد أن كان السودان ملاذا لملايين اللاجئين من الدول المجاورة! ولكن نافخي كير الحرب لا يهمهم أن يحكموا دولة أو لادولة، فهمهم فقط أن يحكموا ولو رقعة جرداء.

موقع السودان الجيوسياسي يقحمه في التنافس الحاد بين أمريكا والغرب من جانب وروسيا والصين من الجانب الآخر حول منابع البترول في الجزيرة العربية

وفي جانب آخر منها، فإنها حرب بالوكالة عن أطراف خارجية عينها على أراضي السودان الشاسعة الخصبة ومياهه الوفيرة ومعادنه النفيسة. ويعزز من ذلك موقع السودان الجيوسياسي، والذي جعله في مرمى نزاعات وصراعات الموانئ والممرات المائية الدولية والإقليمية، كأمن البحر الأحمر وأمن وادي النيل، وفي مرمى الصراعات العرقية والدينية والسياسية وحروب المحاور في بعض البلدان المجاورة، وصراعات القرن الأفريقي والنزاعات المتفاقمة في منطقة الساحل والغرب الأفريقي، وكذلك التوترات من وجود جيوب وبقايا جيش الرب اليوغندي في شرقي أفريقيا الوسطى. كما أن الموقع الجيوسياسي يضع السودان في متناول تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي وسعي إسرائيل للتمدد افريقيا. وفي هذه النقطة، نشير وننبه إلى العلاقة الوطيدة التي تربط إسرائيل بكل من قيادة القوات المسلحة السودانية وقيادة قوات الدعم السريع للدرجة التي جعلت الطرفين يقبلان بوساطة إسرائيل بينهما عندما أبدت استعدادها لذلك في بداية الحرب، وفي ذلك دلالة ذات معنى.
وموقع السودان الجيوسياسي، يقحمه في التنافس الحاد بين أمريكا والغرب من جانب وروسيا والصين من الجانب الآخر حول منابع البترول في الجزيرة العربية، وحول منطقة البحيرات في افريقيا، وحول المعادن والمنابع الجديدة للطاقة وطرق نقلها، وحول السيطرة على السوق العالمي وممرات التجارة الدولية. ومعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع الصين كمهدد استراتيجي لمصالحها، وتسعى لعرقلة المشروع الصيني الضخم المعروف بمشروع الحزام وطريق الحرير، والذي يمر بالسودان وأجزاء من القارة الافريقية.
من زاوية أخرى فإن الحرب في السودان ليست بعيدة عن المواجهة الحادة بين تيارات المدنية الديمقراطية وتيارات الإسلام السياسي، داخل السودان وفي المنطقة، خاصة وأن من ظلوا يحكمون السودان لثلاثة عقود لم يكونوا بعيدين عن هذه التيارات ولاتزال دولتهم العميقة نشطة تحلم بالعودة للسلطة، بل وانتفضت خلاياهم لتشارك بقوة في القتال الدائر. وإذا قرأنا هذه المواجهة في ارتباط مع انتشار التنظيمات المتطرفة في جنوب ليبيا وإقليم تبستي بتشاد، وبتنظيمات القاعدة وبوكو حرام وسيلكا في غرب افريقيا وبحيرة تشاد وافريقيا الوسطى، وبتمركز حركة الشباب الصومالي في شرق افريقيا، لاتضح لنا جانب آخر من طبيعة هذه الحرب اللعينة.
أخيرا، وغض النظر عن مسببات ودوافع حرب الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، فإنها جريمة مكتملة الأركان وتستوجب مساءلة وعقاب كل من أشعلها ويزكي نيرانها وارتكب من خلالها انتهاكات لحقوق الناس والبلاد، وأرى أن أي عملية سياسية مقترحة لا تضع هذه النقطة في مقدمة أجندتها، ستكون نتيجتها الفشل الذريع.
هذه هي مساهمتنا في الإجابة عن سؤال طبيعة الحرب، السؤال الأول ضمن أسئلة الرؤية والمبادئ الموجهة لأي عملية تفاوضية لوقف الحرب، وسنواصل تباعا طرح بقية الأسئلة ومساهمتنا في الإجابة عليها.

كاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول نضال:

    (1).. يجب الإقرار عند وصول الحال إلى إقتتال بين أقوام يربطهم دين واحد و هو الإسلام ، أن هنالك أسباب خطيرة وقعت و كان من نتائجها المهلكة إقتتال إخوة في الدين..،
    هل سيكون الإخوة سعداء في قتال بعضهم بعضا إذا علموا و أيقنوا أن القاتل و المقتول في النار ..؟! ،
    ‘ نعوذ بالله من النار
    و مما قرب إليها من
    قول أو عمل’.. ،.. السبب
    في إعتقادي يكمن في
    قول لرسول الله ‘صلى الله عليه و سلم في
    حديث بين فيه بوضوح أسباب البلاء العظيم
    الذي ينزل بالمسلمين..، ‏
    أقتبس منه ما أنا في
    صدد الحديث عنه:
    ‘إقتتال الإخوة’ ،
    و قوله عليه الصلاة و السلام‎ ‎‏:
    ( و ما لم تحكم أئمتهم
    بما أنزل الله أو ‘بشرع
    الله’ إلا جعل الله بأسهم ‏
    بينهم ) .‏‎ ‎

  2. يقول نضال:

    (2).
    ردا على قوله ‘ عليه الصلاة و السلام ‘ ، إذا
    التقى المسلم مع المسلم للقتال ، فإن القاتل و المقتول في النار..، سؤل رسول الله : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول..! ، فأجاب رسول الله: أنه كان حريصا على قتل أخيه..، .. لذلك: نعوذ بالله من شرور الفتن ما ظهر منها و ما بطن… ، اللهم أرنا الحق حقا و أرزقنا اتباعه ، و ارنا الباطل باطلا و ارزقنا إجتنابه.‏

  3. يقول نضال:

    ‏(3).
    إذا الموقف المفترض في
    الإقتتال بين المسلمين
    يتضح في قوله عز و جل
    في سورة الحجرات :
    { و إن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
    بينهما ‘ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ‘ فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل و أقسطوا ‘
    إن الله يحب المقسطين }.
    ‏9..‏‎،
    إذا القتال إذا وقع بين المسلمين ، فهو بغرض إرجاع الطرف الخارج
    عن الحق و رده إلى الحق ..، و لا يكون القتال
    بنية و قصد القتل و الإفناء للطرف الأخر.. ، و إلا
    فالقاتل و المقتول في
    النار بحسب حديث رسول
    الله.
    أخيرا ، إكملا لقوله تعالى في الآيات اللاحقة ، يقول ربنا تبارك و تعالى :
    ‏{ إنما المؤمنون إخوة
    فأصلحوا بين أخويكم ‘
    و اتقوا الله لعلكم ترحمون } 10.
    فاليحكم أئمة المسلمين
    بما أنزل الله ، و الله الموفق ، و هو السميع العليم..
    سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم.

اشترك في قائمتنا البريدية