من ضمن الفيديوهات الغريبة التي بدأت تتوالى، منذ أن انفتحت البشرية كلها على بعضها بعضاً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل تدخّلي عصابي مسح مفهوم الخصوصية من قاموس البشرية، وصلني فيديو لمتنبئ ما أو روحاني ما، لا أتذكر تحديداً، يقول إن البشرية قد انتقلت برمتها لتعيش في عالم مواز دون أن تشعر بذلك، وأن خللاً ما في نظام تشغيل البشرية الذي يشبه أي برمجة إلكترونية هو ما انتقل بالبشرية إلى بعد آخر عن الذي كانت تحيا فيه. لذلك، على سبيل المثال، بدأنا نشعر أن الوقت يمر أسرع من العادة، وأن أشياء غريبة تحدث دون تفسير، وأننا أو الكثير منا، في غير مكاننا الطبيعي أو أننا مررنا بتجاربنا ومواقفنا الحياتية مسبقاً. أعجبني الفيديو كما يعجبني أي فيلم خيال علمي، متأملة بضحكة ساخرة في بعض معانيه لأنتقل، بلا اهتمام يذكر، للفيديو التالي، فهذه هي حياتنا الآن، من فيديو إلى فيديو في حالة إدمان جديد تلهينا عن اتخاذ موقف حقيقي من مصائب البشرية المتتالية.
ولكن ومنذ أيام، بدأت أعود بأفكاري لهذا الفيديو الذي بات يبدو أكثر منطقية من أي وكل شيء يدور حولنا اليوم؛ أن نكون مجرد برمجة على نظام كوني ضخم لم تتعرض لعطل، هل الغرابة في فكرة كهذه أم في استمرار قتل ممنهج مصور موثق لحظياً لأطفال نازحين، جوعى وعطشى، أمام العالم أجمع؟ هذه الفكرة أغرب أم ملء جسد الطفلة هند رجب بالرصاص وهي محاطة بجثث أهلها ومحاصرة في سيارة، ليتم ذلك وهي على اتصال مسموع من العالم أجمع؟ هذه الفكرة أغرب أم أن يتسرب ملف مثل ملف إبستين يدين رئيس أقوى دولة في العالم، كما ويدين يورط أقوى وأشهر وأغنى نساء ورجال العالم دون محاسبة ولو واحد فقط منهم أو تتم معاقبته، بل الأنكى والأمرّ، دون أن يتضرر هذا الرئيس قيد أنملة؟ هذه الفكرة أغرب أم أن يقدم الرئيس ذاته تصريحاً هو أفظع من تصريح؛ يُفضح له تسريب أنكى من تسريب، أن نسمع له مكالمات يهين فيها النساء ويصفهن بأوصاف جنسية بشعة، أن نسمعه في فيديو يحكي لطفل يروم منه توقيعاً بأن بايدن، الرئيس الأمريكي الأسبق، رجل خرف لا يستطيع أن يوقع بسبب ارتعاش يديه، أن تتوالى علينا كلماته المتناقضة الواحدة تلو الأخرى لتدخل المنطقة الشرق أوسطية في حرب هائلة دون أن يرف لهذا الإنسان أو للعالم المحيط به جفن؟ هذه الفكرة أغرب أم سكوت العالم عن إسرائيل التي كلفت المنطقة خلال سنتين مليوني نازح غزاوي، ومليون نازح لبناني، وثلاث ملايين نازح إيراني، دون أن تتحدث مؤسسات المجتمع الإنساني ومراكز دراسات الهولوكوست ومؤسسات المجتمع المدني لتدين أو على الأقل تقارن بين الهولوكوست الحالي والهولوكوست اليهودي في أوائل القرن العشرين؟ هذه الفكرة أغرب أم أن ينشر ترامب صورة له وكأنه المسيح؟ هذه الفكرة أغرب أم أن يصعد ويخفت المجرم إيلون ماسك دون أي تضرر أو تأثر؟ هذه الفكرة أغرب أم أن تقوم ثورة سورية لتخلص البلد من نظام الأسد البشع ليصافح بعدها قائد هذه الثورة القيادات الأمريكية في عقر دارهم وهو لا يزال على قوائم الإرهابيين المطلوبين عندهم؟ هذه الفكرة أغرب أم أن يُضرب ويُسحل مواطنو الدول الغربية، صاحبة الحقوق والحريات، لتظاهرهم من أجل الضحايا الأبرياء؟ هذه الفكرة أغرب أم أن يصمت مواطنو الدول العربية والإسلامية، في حين يتظاهر مواطنو الدول الغربية ويضربون ويسحلون من أجل عرب ومسلمين أبرياء؟ هذه الفكرة أغرب أم التوجه الديني المتطرف الأساطيري الجديد المنتشر بين حكومات العالم «العلمانية» التي تؤيد تصريحاً وتضميناً «الحق التوراتي» في «إسرائيل الكبرى» بحسب توصيف مايك هاكابي السفير الأمريكي في إسرائيل الصهيونية؟ هذه الفكرة أغرب أم تفاصيل حياتنا اليومية السيريالية، الخسارات والمخاوف والموت الفعلي والنفسي اليومي الذي يحيط بنا من كل صوب؟
نظرية عطل النظام البشري تبدو الآن أكثر واقعية ومنطقية من كل وأي مما يحدث حولنا حقيقة، هي النظرية الوحيدة القادرة على تبرير وتفسير هذه الكمية من الجنون، وكأن لوثةً ما أصابت البشرية جميعها. لا بد أن هذه لوثة إلكترونية امتدت لبرمجة البشر، فخلخلت نظامهم وجعلتهم يخرجون عن قواعد اللعبة المألوفة والمتعارف عليها. وإلا، لماذا خطاب ميلانيا التبريري والتبريئي لنفسها الآن؟ وكيف يستغرب زوجها ترامب علناً من خطابها؟ ولماذا تبدو نظرات عينها غريبة وكأنها إنسان آلي؟ وكيف يقول ترامب الشيء وعكسه في الحديث ذاته وكأنه «شات جي بي تي» الذي يخطئ ويتناقض في ذات اللحظة؟ وما سر الرئيس الفرنسي الغريب وزوجته وكأنهما برمجة على مستوى آخر؟ وكيف تحول الموقف الأوروبي بأكمله لصمت مطبق تجاه الجرائم والحروب التي تدور في قلب الشرق الأوسط رغم المضار الهائلة التي تنالهم اقتصادياً وبيئياً واجتماعياً بسبب النزوح ولجوء القادمين؟ أين المرشد الإيراني الجديد المختفي تماماً، وكيف يتضارب هو مع الرئيس الإيراني في قراراتهم للاعتداء على دول الخليج، إلى حد أن المرشد يضرب فيعتذر الرئيس، هل من إثبات على عطل كهذا في النظم البشري أكثر من ذلك كله؟
ربما نجا بعضنا من العطل فتركنا نشعر بكل هذا الضياع ونعاني كل هذه التساؤلات، وربما لم ينج أحد في هذا العالم الإلكتروني «الذكي» الشرير الجديد، وما ضياعنا وتساؤلاتنا ومعاناتنا سوى مكملات برمجية في هذه اللعبة الشرسة، ما نحن سوى الأهداف التي تظهر عادة على جوانب الصورة الإلكترونية، يستهدفها اللاعبون من خلف شاشاتهم بسهولة ويسر ودون وجع ضمير يذكر. لسنا حقيقيين، نحن مجرد صور، برمجات، يتلهى بها من هم خلف الشاشات ويتسلون، يوصلون أحداثها إلى درجة من العنف والوجع والألم والخراب غير مسبوقة، يخلقون مشاهد دماء وموت وعذاب أطفال غير متخيلة، يتلهون بها وبنا، يتغذون عليها، يستمرئونها، ويطيلون أمدها رغبة في المزيد من المتعة، فيما أملنا الوحيد في الخلاص هو في كلمتين: Game Over.
الحقيقة أنني بت أصدق، فأن نكون برمجة معطوبة، أن نكون أرقاماً اختل تفاعلها وجمعها وطرحها، أن نكون خوارزميات جن جنون أسلاكها، ذلك منطقي أكثر بكثير مما يحدث في عالم اليوم. كلنا أدوات في هذه اللعبة، ولا مخلص لنا سوى في تملل أصحابها وإنهائهم لبرنامج التسلية البشع هذا، أو، وهذه «أو» بعيدة جداً، أن يسيقظ أحدنا من الشخصيات المبرمجة في اللعبة، يطور وعياً وضميراً، يخترق البرنامج ويعيد الأمور لشيء من الطبيعية. وما أمنيتي هذه «بمخلص» ما، سوى دليل قاطع على أنني ضحية هذه البرمجة الخربة التي تجعلني مجرد لعبة، مجرد صورة جانبية تنتظر، تنتظر المخلص الذي بقيت البشرية المبرمجة تحلم به طوال فترة برمجتها وتشغيلها. لا خلاص سوى بنزع الأسلاك.
هذا الشخص (المخلص) المفترض، لا يمكن ان يكون في وقتنا الحالي، إلا “الأفضل على الإطلاق” في كل المجالات والتخصصات ( أي GOAT 🐐)، ليس لمجرد التباهي، بل لأن البشرية وصلت لمرحلة من العناد الفكري لا يكسره إلا شخص يتفوق على الجميع في كل شيء. فالعلماء لن يتبعوا شخصاً أقل منهم علماً، والأقوياء لن يتبعوا شخصاً ضعيفاً. و لكي تتوحد البشرية، يجب أن يكون القائد هو “المرجع الأعلى” في كل تخصص، لكي لا يجد صاحب سلطة ثغرة لرفضه. كما أن المادية علمت الناس ألا يؤمنوا إلا بالنتائج. لذا، حين يأتي شخص يحقق “المعجزات” كحقائق علمية ملموسة، هو بذلك يفكك المادية من الداخل ويجعلها تنحني للروحانية. و لكي يفرض وجهة نظره في “العدل”، يجب أن يكون هو نفسه منزهاً عن كل نقص (بإذن الله تعالى من طبيعة الحال)، وهذا يتطلب أن يكون الأفضل أخلاقياً وعقلياً. باختصار، العالم اليوم هو مثل “الأوركسترا” التي يعزف كل فرد فيها لحناً مختلفاً ومزعجاً، ولن ينضبط هؤلاء إلا إذا ظهر “مايسترو” يمتلك مهارة تفوقهم جميعاً مجتمعين، عندها فقط سيصمت الجميع ليستمعوا له.
مقال رائع.. جميل وممتع
أحسنت
منذ ان خلق آدم واستخلف البشر في الارض والحرب بين الخير والشير دائرة لم تتوقف. قد يعلو الباطل لفترة، لكلن انتصار الحق في النهاية هو أمر حتمي بعز عزيز او بذل ذليل. ان ما ترينه هو ايذان بولادة جديدة، بعالم جديد، بوعي جديد. عنما يفضح أمر الصهياينة في اوروبا كمجرمين حرب مع انهم كانوا يدعون انهم ضحايا وعندما يفتضح أمر رؤساء وملوك في ملفات مخزية وعندما يشن ترمب حروبا وهو ووزير دفاعهم المخمور بذريعة ان يقاتلان بإسم الرب فعلينا ان نعلم ان نهاية الكذب والظلم باتت وشيكة واخر ساعة في الليل دائما تكون اكثرها حلكة. ان بعد العسر يسرا والحمد لله رب العالمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لم ينجُ أحد. إلى الأستاذة الدكتورة ابتهال الخطيب المحترمة، الحزينة على ما وصل إليه العالم. لم ينجُ أحد، ولن ينجو أحد طالما هذا العالم تحت قيادة دولة واحدة فاسدة، بُنيت على القتل والدمار والدعارة السياسية، ويجب التفريق بين دعارة الدعارة والدعارة السياسية. ترامب ما هو إلا مرحلة ترد على ما قبلها وتسلّم ما بعدها، وكل مرحلة تكمل رسالة الخراب والدمار ونهب الضعيف وتدميره في هذا العالم، والقادم أسوأ إذا لم نتحرر من سيطرة القطب الواحد القبيح. وبأي حق هذه السيطرة؟ ومن الغريب أننا نسمع ونرى كيف تتكلم الشعوب والحكام: الحمد لله ستسقط أمريكا والصين هي القادمة! وما الفرق بين الاثنين؟ الأول استعمار والثاني استعمار، وكل شيخ له طريقته. هل من المفروض أن دولة واحدة تتحكم في مقدرات الشعوب وتفرض عقوبات وخرابًا وحصارًا وحروبًا على من لا يسمع الكلام؟ ولا تجرؤ أي دولة على كسر الحصار الذي فُرض على دولة شعبها يجوع ويموت من عدم وجود الطعام والدواء.
وأنا أميل، كما تعلمي، إلى محاولة فهم هذا “الخلل” الذي يبدو أنه أصاب العالم، ليس فقط من زاوية السياسة، بل من زاوية إنسانية أوسع، حيث يتحول الاعتياد على المأساة إلى جزء من المشكلة نفسها. ( 1 )
ونلقي نظرة على الشعب الفلسطيني، سأترك الجميع من رجال وشباب وكبار السن، ويكفينا ما تعانيه الأطفال والنساء. ولم نسمع عن أي عمل إنساني حقيقي لنجدة الأطفال ولا النساء. وأنا أتذكر لحضرتك حوارًا على قناة فضائية عن معاناة المرأة كل شهر وحاجتها للنظافة في الأيام الصعبة، ومع ذلك لم يبالِ أحد. والأطفال الجوعى، ووقوفهم في طابور الذل والهوان للحصول على بعض الطعام، ورأيت بعيني طفلًا مدّ الوعاء للحصول على بعض الطعام، وطفلًا آخر وقع منه الطعام الذي حصل عليه وهو على درج أعلى، فسقط الطعام على طفل آخر بدرجة سخونة أحرقت وجهه. أين من كل هذا حقوق الطفل؟ أين حقوق الإنسان؟ أين العالم العربي؟ أين الشعوب العربية؟ لن يهتم هذا العالم بعالمنا العربي.
ورغم كل هذا السواد، أنا متفائل بغدٍ مشرق. عالمنا العربي والإسلامي وصل إلى ما لم يصل إليه من ضياع وخراب واستنزاف عبر التاريخ، ولكن المطلوب هو الاتحاد قبل فوات الأوان، وهذا سيحدث إجباريًا في المنطقة العربية مع بعض دول العالم الإسلامي، بل ومع بعض الدول خارج المنطقة. ورغم أن أملي اتحاد العالم الإسلامي كله دون استثناء، لإيقاف هذه الحرب الدنية، كفانا أكثر من ثمانين عامًا من الخراب والدمار. وعلى إسرائيل أن تعلم أنها في العد التنازلي، وأن تحرير فلسطين قادم بإذن ( 2 )
الله. وعلى إيران أيضًا أن تكف عن أذية دول الخليج، وأن تعتذر عما فعلت، وتتحد مع العالم العربي قبل فوات الفرصة. الآن الفرصة أمام الجميع للمّ الشمل، ومن يتخلف لا يلوم إلا نفسه.
دكتورة ابتهال، مقال به من الأوجاع الكثير، رجائي ارحمينا شوية… ومع ذلك، هل من مزيد؟ وتحياتي لحضرتك، ولجريدتي التي أراها في المنام، القدس العربي ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ محيي الدين أحمد علي رزق إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9 / 10 / 1971. ( 3 )
تحية للدكتورة ابتهال وللجميع لا غرابة ان نكون برمجة معطوبة او خوارزميات وقد نكون ممثلين نؤدي ادوارانا على خشبة هذا المسرح الكبير الذي اسمه الحياة او اننا من انتاج حضارة قبلنا تطورت لدرجة عظيمة ثم انهارت واختفت فبقينا دون ريموت كنترول يحدد افعالنا ويوجهها كما يريد
مقال اكثر من رائع ،،،وسؤال بسيط يجيب على غفلتنا ،،أين هي مراكز السيطرة على النظام الرقمي التكنولوجي العالمي ؟،،،قل لي اين هي أقل لك أين نحن وفي اي حضيض
شكراً للمقال الواعي .. لم يحدث منذ سنوات أن علَّقتُ هُنا .. ليس لخطأ في برمجة برنامجي ..! لكن لفتني مقال الكاتبة المحترمة بَينا أنا أتصفح -القدس العربي- التي رغم المنافسة في -خوارزميات- شبكة المقروءات تبقى تشدُّ لسبر جديد مافيها ..
النبرة الحائرة ..هيَ .. هيَ للسيدة الكاتبة منذ سنوات ..! ، لكنَّ عمق مافي مقالها نَزعٌ نحو المضيء والإيجابي ..ذلك لبحثها عن حلٍ لما يعتري الأفق العام و انتظارها له ..! الحقيقة أراني – كقارئ -أوافقها بتشخيص الخَلل ، وإنَّما استناداً إلى العِلم والمعرفة وليس إلى شعوذات منجِّمين .. ! ما العالَم إلَّا نحن ..؟ البشر .. الإنسان ..؟ عندما نمارس إنسانيتنا ولا نتجاوز فِطرتنا ( وقليلاً ما نفعل ) .. تبقى بوصلة الحياة على مؤشِّرها الصحيح .. ولذلك ،فالعكس يُفضي إلى كوارث كالتي تعيشها الإنسانية اليوم .. ! عندما نحارب أنفسَنا ومُسلَّماتِ حياتنا الكونية .. نُخرِّب نظامَ تفاعلنا مع نظام الكون ثابت الانتظام .. وعندها يَصعب أن نعيش بسلام .. !